ترجمة وتحرير: نون بوست
استحوذ محمد بن سلمان على سلطة استثنائية في البلاد في السنوات التي تلت تعيينه وليًا لولي العهد في السعودية عام 2015 (أصبح وليًا للعهد في 2017)، وشنت السعودية تحت قيادته الفعلية حملة عسكرية ضد الحوثيين في اليمن، واختطفت رئيس وزراء لبنان بشكل مؤقت، وفرضت حصارًا على قطر. وكانت كثير من هذه الإجراءات جزءًا من حملة لعزل إيران، التي وصف بن سلمان قائدها الأعلى، آية الله علي خامنئي، في عام 2017 بـ “هتلر الجديد”.
وأثناء اتباعه سياسة خارجية عدوانية، كان لدى بن سلمان حليف مقرّب: محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد ذكر ديكستر فيلكنز في مقال له في هذه المجلة عام 2018 أن “محمد بن زايد رأى في بن سلمان نسخة أصغر من نفسه: ذكي، نشيط، ومتحمس لمواجهة الأعداء”.
غير أن الوضع تغير في الأشهر القليلة الماضية؛ حيث انهار التحالف الذي كان يطمح إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وسط خلافات حادة حيث تقف السعودية والإمارات على طرفي نقيض في صراعات عنيفة في اليمن والسودان. وتتنافس الدولتان بشكل متزايد على الفرص الاقتصادية في المنطقة، بينما ترى السعودية أن الإمارات متساهلة جدًا في التحالف مع إسرائيل، وتبدو الإمارات مستاءة من نفوذ السعودية.
وتحدثت مؤخرًا عبر الهاتف مع كريستيان أولريخسن، مؤلف كتاب “الإمارات العربية المتحدة: القوة والسياسة وصنع القرار“ وزميل شؤون الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس. خلال محادثتنا، التي تم تحريرها من أجل الإيجاز والوضوح، ناقشنا الأسباب الحقيقية وراء الشرخ في هذا التحالف الذي كان قويًا في السابق، وما الذي يدفع التدخل من حدة التنافس بين البلدين.
لماذا حدث الخلاف خلال الأشهر الماضية؟
كان الشرارة في أوائل ديسمبر/ كانون الأول، عندما تحركت القوات المدعومة من الإمارات في اليمن، وخاصة المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي، إلى مقاطعتين في شرق اليمن وقلبت التوازن الهش للقوى هناك. ورأت السعودية ذلك استفزازًا كبيرًا وغير مفيد للتحالف المناهض للحوثيين في اليمن، وتهديدًا لأمنها بسبب الحدود اليمنية السعودية، وجاء التقدم الإماراتي الأولي في نفس اليوم الذي كان فيه قادة الخليج مجتمعين في البحرين، لذلك اعتبرت الرياض ذلك استفزازًا كبيرًا من حليف مقرّب مثل الإمارات، التي منحت الضوء الأخضر لتقدم اعتُبر مناقضًا تمامًا للمصالح السعودية.
وكانت الإمارات والسعودية في البداية جزءًا من نفس التحالف المناهض للحوثيين؛ حيث كان يُنظر إلى الحوثيين كوكيل لإيران، الخصم الإقليمي لكلا البلدين. وكانت الحرب نفسها كارثية على اليمنيين، لكن الاعتقاد السائد كان أن الدولتين متوافقتان بشكل عام في هذه الجبهة.
ودخل كلا البلدين اليمن معًا في مارس/ أذار 2015، وكانت تلك أول خطوة كبرى لمحمد بن سلمان في السياسة الخارجية بعد أن أصبح وزيرًا للدفاع في يناير/ كانون الثاني من ذلك العام. في البداية، كان هناك تنسيق بين الرياض وأبوظبي، خاصة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، لكنهما بدآ يتباعدان تدريجيًا مع تعثر القوات السعودية في قتال الحوثيين، بينما كانت الإمارات أكثر نجاحًا في صد الحوثيين واستعادة أراضٍ من تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، لذا شعرت الإمارات أنها أنجزت مهمتها.
في الوقت نفسه، تعرضت الإمارات لضغوط سياسية كبيرة من الولايات المتحدة وأطراف أخرى في العالم بسبب أساليبها في الحرب. ففي يوليو/ تموز 2019، أعلنت الإمارات أنها تعيد نشر قواتها، وانسحبت من خطوط القتال ضد الحوثيين في وسط اليمن، وتحولت إلى دعم ميليشيات وجماعات أخرى على الأرض، خاصة في جنوب اليمن، لضمان الوصول إلى شبكة من الموانئ والمنافذ البحرية على البحر الأحمر، على جانبي الساحل اليمني الإفريقي. ثم في 2022، تم التوصل إلى هدنة بين الحوثيين والتحالف الذي تقوده السعودية، والتي صمدت إلى حد كبير خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية. ومنذ ذلك الحين، أصبح الصراع في اليمن شبه مجمّد، مما جعل تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي في نوفمبر/ تشرين الثاني مفاجئًا للغاية.
وربما تحاول السعودية فهم سبب رغبة الإمارات أو المجلس الانتقالي في إعادة إشعال الصراع؛ حيث أفادت بعض التقارير بأن الإمارات شعرت أنه محمد بن سلمان لم يكن ينبغي له إثارة قضية الحرب الأهلية السودانية مع الرئيس ترامب في زيارته للبيت الأبيض في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني؛ حيث تدعم الإمارات ميليشيا قوات الدعم السريع هناك.
أريد أن أنتقل إلى السودان بعد قليل، لكن يبدو أن السعودية قد تصرفت بشكل عدواني للغاية في اليمن وفي جميع أنحاء المنطقة خلال العقد الماضي، والآن يبدو أن شيئًا ما قد تغير، وأن الإمارات أصبحت أكثر عدوانية، ما الذي تغير؟
كان هناك توافق بين الإمارات والسعودية وبين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان بين عامي 2015 و2019 تقريبًا. كان كلاهما أكثر تدخلًا وحزمًا وعدوانية في سياساتهما الإقليمية، وكان ذلك بعد الربيع العربي؛ حيث شعرا أنهما مضطران لأن يكونا قويين في مواجهة ما اعتبراه دولًا تدعم حركات التغيير، وكانت تركيا وقطر مثالين على ذلك.
وأراد السعوديون والإماراتيون الحد من التغيير الجذري بشدة؛ لذلك دخلا اليمن معًا في مارس/ أذار 2015، وتدخلا أو اجتمعا في حصار قطر عام 2017، منظمين حصارًا استمر حتى يناير/ كانون الثاني 2021. كما تدخل السعوديون في الشؤون السياسية اللبنانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، محتجزين رئيس الوزراء اللبناني حتى أعلن استقالته. لذا، كان السعوديون مستعدين للتدخل لفرض مصالحهم عبر المنطقة، وكانوا متوافقين مع الإمارات في كثير من هذه الحالات.
غير أن ما غيّر المعادلة كان الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على البنية التحتية النفطية السعودية في سبتمبر/ أيلول 2019، والتي زُعم أنها من تنفيذ إيران، لكن لم تُنسب إليها رسميًا. ولم يفعل الرئيس ترامب شيئًا ردا على ذلك؛ بل قال بعد يومين من الهجمات: “كان ذلك هجومًا على السعودية، ولم يكن هجومًا علينا”. وقد أحدث ذلك صدمة في الرياض وأبوظبي؛ حيث بدأ السعوديون بالتراجع فورًا، وبدأوا يدركون أنهم بمفردهم أكثر مما كانوا يعتقدون. وهكذا، في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، بدأوا في خفض التصعيد مع إيران، وتحسين العلاقات مع تركيا لتقليل مصادر المخاطر الجيوسياسية، والتركيز على القضايا الداخلية والنمو الاقتصادي.
في المقابل، كانت الإمارات لا تزال أكثر استعدادًا للمخاطرة عبر تحديد ودعم شبكات غير حكومية في البلدان التي تفتقر إلى مؤسسات حكومية فعالة يمكنها دعم الأمن والحكم على الأرض بشكل أفضل. ومن هنا نمت تلك الخلافات التي تزايدت بشكل كبير خلال العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
وأفترض أنك ترى اليمن مثالًا على ذلك.
نعم؛ يشعر السعوديون أن هناك توازنًا هشًا ولكنه مستقر في اليمن منذ عام 2023، وأن هذه التحركات من قبل الإمارات، أو من المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم منها، هي تحركات مزعزعة وغير ضرورية وتهدد ذلك التوازن.
لقد أشرت إلى زيارة محمد بن سلمان إلى البيت الأبيض في نوفمبر/تشرين الثاني؛ حيث ورد أنه اقترح فرض عقوبات على الإمارات. ولدينا الآن حرب دعائية بين الجانبين، مع غضب حقيقي داخل كلا الحكومتين، يتم التعبير عنه على وسائل التواصل الاجتماعي وفي أماكن أخرى. أفهم أن البلدين لديهما رؤى مختلفة للمنطقة، ولكن بالنظر إلى السرعة التي تفاقمت بها الأمور، هل هناك غضبًا أعمق هنا؟
أعتقد أن هذه العداوة هي جزء من محاولة كل طرف ضمان أن تكون روايته هي السائدة، خاصة في مواجهة إدارة ترامب. ومن الواضح أن ما قد قاله محمد بن سلمان أو لم يقله خلال زيارته للبيت الأبيض في نوفمبر/ تشرين الثاني، وما إذا كانت الإمارات تعتبره هجومًا عليها وليس مجرد دعوة لفرض عقوبات على قوات الدعم السريع، هو موضوع جدل شديد على كلا الجانبين. ربما تكون التصورات هي التي تقود ردود الفعل إلى حد كبير؛ حيث يبدو أن كل طرف يصدق ما يريد أن يسمعه. ونعم، عمق الشعور يدل على وجود قضايا أعمق بكثير. في اليمن على وجه الخصوص، كانت هذه الانقسامات تتزايد منذ سنوات مع اختلاف مقاربة البلدين للصراع، لكنها قررا تجاهل تداعيات اختلافاتهما حتى أصبحت كبيرة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها.
من الناحية الاقتصادية والاستثمارية، يواجه السعوديون صعوبات في جذب الاستثمارات الأجنبية، وقد اضطروا إلى تقليص تمويل بعض المشاريع. ويحاولون الدخول في بعض القطاعات الاقتصادية، مثل السفر والسياحة والترفيه، التي تمتلك فيها الإمارات سبقًا يمتد لعشرين إلى خمسة وعشرين عامًا. لذا هناك منافسة اقتصادية متزايدة بين البلدين أيضًا، وهي جزء من خلفية هذا التنافس، رغم أنه في هذه المرحلة يظل أكثر ارتباطًا بالاقتصاد والأمن، ولم يصل بعد إلى مستوى القطيعة السياسية مثل تلك التي حدثت أثناء حصار قطر عام 2017.
كيف تعتقد أن التنافس على نيل رضا إدارة ترامب، التي لا تهتم بحقوق الإنسان وتركّز كثيرًا على الاستثمارات الاقتصادية، يغيّر طبيعة هذا التنافس؟ هناك تقارير عن شراء الإمارات حصصًا ضخمة في شركة تابعة لعائلة ترامب؟
أعتقد أن النهج القائم على المعاملات الذي يتبعه ترامب في الحكم وصنع السياسات قد أوجد بالفعل فرصًا لدول الخليج، وقد استغل السعوديون والإماراتيون تلك الفرص إلى أقصى حد. ففي عام 2017، شعروا أن لديهم فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة لتحقيق أهدافهم تجاه قطر عبر الحصول دعم ترامب. وبعد أن تولى ترامب منصبه في عام 2025، سارع كلا البلدين إلى التواصل مع وعود بالاستثمارات، سواء في الشركات المرتبطة بترامب أو في استثمارات ثنائية. وقدّم كل منهما تعهدات منفصلة بالاستثمار في الاقتصاد الأمريكي، لكنهم فعلوا ذلك بشكل منفصل؛ لذلك أعتقد أنهم يتنافسون على كسب انتباه البيت الأبيض. لقد زار ترامب كلًا من السعودية وأبوظبي في مايو/ أيار الماضي. كما رأينا الإمارات تتصدر المشهد في مجال الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية، بينما يحاول السعوديون اللحاق بالركب. كل هذه الأمور هي جزء من ذلك التنافس الذي نشهده، والذي أصبح الآن أكثر حدّة مما كان عليه في الماضي.
لننتقل إلى الإمارات على وجه التحديد. لا نعرف عدد مئات الآلاف الذين لقوا حتفهم في السودان، لكن قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات تبدو الأكثر وحشية بين أطراف عديدة في هذا الصراع. هل فاجأك استمرار دعم الإمارات لقوات الدعم السريع رغم إراقة الدماء؟
لقد فاجأني أن الانتقادات الدولية، بل حتى الإدانات، لقوات الدعم السريع، وعلاقاتها الموثقة جيدًا بالإمارات، بما في ذلك نقل الأسلحة تحت ستار المساعدات الإنسانية، لم تجبر الإمارات على التراجع أو تعديل موقفها. بل إن الإمارات، بطريقة ما، ضاعفت دعمها لقوات الدعم السريع، وهذا ما أراه مفاجئًا. إذا عدنا إلى اليمن في عام 2018، فقد أدت الانتقادات الدولية في النهاية إلى تغيير في النهج. أما في السودان، فإن ما حدث هو أن الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ازدادت سوءًا. قد يكون السبب أن أبوظبي باتت متورطة بعمق وتشعر بالدفاعية وربما بالعزلة في المنطقة، فقررت أن تمضي قدمًا في دعم قوات الدعم السريع بغضّ النظر عن الانتقادات الدولية.
هل ترى أن الإجراءات العدوانية المتزايدة التي تتخذها الإمارات في الشرق الأوسط وأفريقيا يحمل بُعدًا أيديولوجيًا قويًا، أم أنه يتعلق أكثر بإبراز القوة الإقليمية وتأمين مصالح عملية مثل الوصول إلى الموانئ وغيرها من المصالح التجارية؟ لأنه إذا عدنا إلى فترة ما بعد الربيع العربي، حين بدأ هذا النهج، كان هناك شعور بأن الإمارات والسعودية شرعتا في مشروع أيديولوجي يقوم جزئيًا على معارضة إيران، وأيضًا على مواجهة تيار من الإسلام السياسي كما تمثّل في جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأردوغان في تركيا، وغيرهما.
أعتقد أن هناك القليل من كلا الأمرين. على سبيل المثال، تدخلت الإمارات بشكل كبير في ليبيا خلال العقد الماضي، جزئيًا لأن قطر كانت تدعم ما تعتبره الإمارات جماعات إسلامية في غرب ليبيا. وردًا على ذلك، تدخلت الإمارات في شرق ليبيا، ودعمت رجلًا قويًّا استبداديًّا. وابتداءً من ذلك القرار، تجد الآن روابط بين ليبيا وتشاد والسودان تظهر الشبكات التي بنتها الإمارات في الساحة الإقليمية الأوسع. وتعد الإمارات هي واحدة من أكبر المستثمرين الدوليين في أفريقيا. والكثير من ذلك اقتصادي، فهناك استثمارات ضخمة في الطاقة المتجددة والبنية التحتية، على سبيل المثال، في جميع أنحاء القارة. ولكن هناك أيضًا عنصر محاولة التصدي لما يعتبرونه نفوذًا إسلاميًا، من خلال دعم القادة الاستبداديين الذين يحاولون الحد من انتشار الحركات والجماعات الإسلامية.
لذا فهو مزيج من الاثنين. وبالطبع، في الإمارات، الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان هو مستشار الأمن القومي ورئيس العديد من أكبر مجموعات الاستثمار في البلاد. لذلك يمكن رؤية الرابط بوضوح بين الأمن والاستثمار في السياسة الإماراتية.
أما السعوديون فكانوا أقل تشددًا وأكثر براغماتية في بعض الجوانب. على سبيل المثال، في اليمن، كان السعوديون مستعدين للعمل مع الإسلاميين في جنوب اليمن، وتحديدًا مع جماعة تُعد فرعًا يمنيًا من جماعة الإخوان المسلمين، بينما رفضت الإمارات ذلك رفضًا قاطعًا. مرة أخرى، يعود الأمر إلى حسابات المخاطر. فمحمد بن زايد يتبنى نهجًا يقوم على عدم التسامح مطلقًا مع أي شكل من أشكال المعارضة السياسية. وفي هذا السياق، يعتقد أن الحركات الإسلامية هي الشكل الأكثر احتمالًا للمعارضة السياسية. فإذا منحتها فرصة، ستتوسع أكثر فأكثر، ولهذا يتبنى نهجًا يقوم على حرمانها من أي فرصة منذ البداية.
ماذا عن اتهام السعوديين للإمارات بأنها أصبحت قريبة جدًا من إسرائيل؟ لأنه لفترة طويلة بدا أن محمد بن سلمان هو من يسعى للتقارب مع إسرائيل ويريد صفقة تطبيع بين السعودية والإسرائيليين.
نعم، كان جزء من الحملة الدعائية السعودية يركّز على الترويج لعمق العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، ووصفهما بأنهما مفسدان للسياسة الإقليمية اليوم. وهذا رغم أنه، كما قلت، قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول، كان السعوديون في حوار مع الولايات المتحدة حول ملامح صفقة مع إسرائيل. وقد قال محمد بن سلمان ذلك بنفسه في مقابلة مع “فوكس نيوز” في أواخر سبتمبر/ أيلول 2023، أي قبل ثلاثة أسابيع من 7 أكتوبر/ تشرين الأول، مشيرًا إلى أنهم كانوا يقتربون من ما سيكون أكبر صفقة منذ نهاية الحرب الباردة. لذا كان هناك شعور واضح بأن الصفقة ممكنة. أما الآن، وبعد كل ما حدث في غزة، فقد ارتفع الثمن المطلوب داخليًا في السعودية لتبرير أي صفقة تطبيع. أعتقد أنهم ما زالوا يرغبون في التطبيع في نهاية المطاف، لكنهم سيطالبون بمكاسب أكبر لتمريره داخليًا.
هل السعودية أكثر حذرًا من الإمارات فيما يتعلق بالضغط السياسي الداخلي؟
السعودية بلد أكبر بكثير، يضم أكثر من عشرين مليون مواطن، وهي موطن أقدس موقعين في الإسلام. وهناك عنصر ديني في صنع القرار السعودي باعتبارها الضامن لمكة والمدينة. لذلك يكون السعوديون دائمًا أكثر حرصًا على كيفية النظر إلى سياساتهم، سواء داخليًا أو عبر العالمين العربي والإسلامي. وهذا يعني أنهم قد يفتقرون إلى قدرة الإمارات، ذات السكان الأقل بكثير، على التحرك بسرعة وحسم، رغم أن محمد بن سلمان اتخذ العديد من الإجراءات السريعة والحاسمة في بداية توليه منصب ولي العهد. لكن يبقى هناك قدر أكبر من الحذر في السياسات السعودية، خاصة فيما يتعلق بقضايا حساسة مثل العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، التي لا يزال كثير من المواطنين السعوديين، وفق استطلاعات الرأي، غير متحمسين لها.
قلت إن محمد بن سلمان بدأ يصبح أقل اندفاعًا في عام 2019 بعد هجوم إيران على حقول النفط السعودية. هل تعتقد أن الإدانة العالمية لمقتل جمال خاشقجي في عام 2018 كان لها علاقة بذلك أيضًا؟
نعم، كان لها أثر واضح؛ فقد أوقفت بالفعل الخطط الأولية لرؤيته المسماة “رؤية 2030”. إذا تذكرت، أمضى محمد بن سلمان عدة أسابيع في الولايات المتحدة عام 2018، التقى خلالها رؤساء سابقين، وحظي بالاحتفاء في وادي السيليكون، واجتمع مع كبار قادة التكنولوجيا. لكن كل ذلك توقف فجأة بعد مقتل خاشقجي، وأصبح محمد بن سلمان شخصية غير مرغوب فيها في الأوساط الغربية حتى، بشكل مفارِق، الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وقد أدت عزلة فلاديمير بوتين في ذلك العام إلى إعادة تأهيل صورة محمد بن سلمان، إذ أدرك القادة الغربيون أنهم مضطرون للتعامل معه سواء أحبوا ذلك أم لا.
بسبب أسعار النفط، تقصد؟
نعم، لأن أسعار النفط كانت ترتفع حينها، وكان الغرب يريد دعم السعودية في إدارة أسعار النفط ومستويات الإنتاج. وبالطبع، ذهب بايدن إلى السعودية بعد ذلك وصافح محمد بن سلمان بقبضة اليد، بعد أن كان قد قال سابقًا إنه يجب محاسبته.
الكثير من المقالات المبكرة عن محمد بن سلمان ومحمد بن زايد ركّزت على نوع من علاقة التوجيه التي يُفترض أن محمد بن زايد قدّمها. هل تعتقد أن هذا السرد كان مبسّطًا، وهل ترى أن خلافهما الحالي له علاقة بالديناميكية الشخصية بينهما؟
لست متأكدًا من وجود علاقة “معلّم وتلميذ” فعلية، لكن محمد بن زايد يكبر محمد بن سلمان بأربع وعشرين سنة، وأعتقد أنه رأى فيه نسخة من نفسه: شخصًا مستعدًا للمخاطرة (حتى لو أصبح أقل استعدادًا الآن)، وشخصًا مستعدًا “لاتخاذ قرارات مؤلمة للوصول إلى إصلاح شامل”، وشخصًا قادرًا على رؤية الصورة الكبرى للإصلاح الاقتصادي. وكانت الإمارات، مثل معظم دول الخليج الأخرى، قلقة من تقدّم أعمار القيادات في السعودية، ومع تراكم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، رأت أن السعوديين بحاجة إلى تحوّل حاسم. كانوا بحاجة إلى شخص يمسك بزمام عملية صنع القرار بجدية، ووجدوا ذلك في محمد بن سلمان. في البداية، أمضى محمد بن زايد وقتًا طويلًا في العواصم الغربية يروّج له، فلم يكن الناس في الغرب يعرفونه جيدًا، ولم يكونوا متأكدين من مدى جديته. ولعب محمد بن زايد دورًا مطمئنًا بقوله: “إنه الشخص المناسب”. لذلك كان مهمًا في البداية لترسيخ مصداقية محمد بن سلمان.
أعتقد أن التحدي كان دائمًا أن كلاهما شخصيتان قويتان. محمد بن زايد أكبر سنًا، لكن محمد بن سلمان هو الآن ولي عهد السعودية، وزعيم إقليمي بطرق عديدة. لذلك كان من الطبيعي أن يحدث صدام في الشخصية حول من له اليد العليا في العلاقة. ونرى ذلك يتجلى الآن، حيث لا يريد أي منهما أن يكون الطرف الذي يتراجع.
المصدر: نيويوركر
