ترجمة وتحرير: نون بوست
تحاول اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة “أيباك”، وهي منظمة قوية مؤيدة لإسرائيل، إخفاء تورطها في الانتخابات التمهيدية التنافسية للحزب الديمقراطي في ولاية إلينوي، وفقًا لمرشحين في تلك الإنتخابات، الذين يتهمون الجماعة بالسعي للحفاظ على نفوذها بهدوء بينما يعيد الديمقراطيون النظر في موقفهم من إسرائيل.
ويقول الديمقراطيون في الولاية إنهم شهدوا تدفقًا للإعلانات التي تركز على قضايا تتراوح بين الهجرة والرعاية الصحية من مجموعات تحمل أسماء مثل “انتخب نساء شيكاغو” و”شيكاغو ميسورة الآن”. ولا يذكر أي من هذه الإعلانات إسرائيل، ولا تُظهر أي من هذه المجموعات ارتباطًا علنيًا بـ “أيباك”. لكن هذه الإعلانات تصب في مصلحة المرشحين الذين يفضلهم مانحو “أيباك”.
وتصف “أيباك”، التي لم ترد على طلب للتعليق على الادعاءات الواردة في هذا المقال، نفسها بأنها منظمة ذات توجه حزبي مزدوج، ومن خلال ذراعها السياسي، دأبت على دعم مرشحين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ممن يتوافقون مع أهدافها ورسالتها.
في السنوات الأخيرة، بدأ عدد متزايد من الناخبين الديمقراطيين، بمن فيهم الناخبون اليهود الديمقراطيون، في التشكيك في دعم حزبهم التقليدي لإسرائيل. وقد تسارع هذا الاتجاه خلال حرب إسرائيل على حركة حماس، حيث دعا قادة ديمقراطيون كانوا يرفضون سابقًا انتقاد إسرائيل علنًا إلى إقامة علاقة جديدة مع الدولة.
وسط هذا التحول، أصبحت “أيباك” خصمًا بارزًا لكثير من الديمقراطيين، لا سيما أولئك المنتمين إلى الجناح التقدمي من الحزب. أما الجمهوريون فقد حافظوا إلى حد كبير على علاقة جيدة مع المنظمة، ولهذا السبب يقول المرشحون في إلينوي إن “أيباك”، التي لم تعد قادرة على التأثير في الحملات الديمقراطية كما كانت تفعل سابقًا، وتحاول الآن التأثير في النتائج عبر مجموعات جديدة.
وقال دانيال بيس، رئيس بلدية إيفانستون والمرشح لتمثيل الدائرة التاسعة في الكونغرس عن ولاية إلينوي: “لقد اختارت أيباك الانخراط بشكل مكثف في هذه الانتخابات وهي تعلم أنها غير محبوبة على الإطلاق. ولقد أصبحت أيباك منظمة منحازة للجمهوريين، وناخبو الانتخابات التمهيدية الديمقراطية يعرفون ذلك، ولذلك إذا أرادوا التدخل كجمهوريين في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، فإن الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي التخفي”.
وتنفق مجموعة “انتخبوا نساء شيكاغو” أموالًا طائلة في الدائرة على إعلانات تدعم إحدى منافسات بيس في الانتخابات التمهيدية، وهي السيناتور المعتدلة لورا فاين.
ولا ترتبط المجموعة علنًا بـ “أيباك”، لكن بيس – وهو مؤيد لإسرائيل ووالدته إسرائيلية – ومسؤولون محليون آخرون يؤكدون أنها تعمل بتوجيه من أيباك. كما يبدو أنها تستخدم عناصر عملوا مع “أيباك” سابقًا. وتنفي فاين معرفتها بمن يقف وراء “انتخبوا نساء شيكاغو” ولم تحصل على تأييد رسمي من أيباك. وتشير تقارير إلى أن المجموعة نظمت لها حفل جمع تبرعات في لوس أنجلوس في ديسمبر/ كانون الأول، وحملة افتراضية في نوفمبر/ تشرين الثاني، وفقًا لدعوة حصلت عليها صحيفة “واشنطن بوست”.
وجمعت فاين أيضًا أكثر من 1.2 مليون دولار في الربع الأخير، جاء أكثر من مليون منها من مانحين سبق أن قدموا تبرعات لمجموعات تابعة لـ”أيباك”. وكانت الغالبية العظمى من هؤلاء المانحين من خارج ولاية إلينوي.
وقالت فاين في مقابلة مع صحيفة “إيفانستون ناو”: “أي شيء يحدث خارج حملتنا هو مفاجأة بالنسبة لي تمامًا. هل لديّ الكثير من المانحين اليهود الذين تبرعوا لحملتي؟ بالتأكيد. هل بعض هؤلاء المانحين تبرعوا أيضًا لأيباك؟ على الأرجح. لكنهم يدعمون امرأة يهودية وقفت من أجل ما أؤمن به وهو “تيكون عولام”، أي إصلاح العالم، ومن أجل علاقة قوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل”.
وفي بيان لصحيفة “واشنطن بوست”، قال متحدث باسم حملة فاين إن دعمها جاء نتيجة إصرارها على “النضال من أجل الرعاية الطبية للجميع وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك”، إضافة إلى تاريخها في سبرينغفيلد بمواجهة “شركات التأمين، والشركات الملوثة للبيئة، ولوبي الأسلحة، والمتطرفين الذين حاولوا منع إلينوي من أن تصبح ولاية مؤيدة تمامًا لحق الاختيار”.
وأضاف المتحدث: “لقد دعت لورا كل لجنة إنفاق خارجي في هذه الانتخابات إلى الكشف عن مانحيها. وفي الكونغرس ستصوت لصالح إصلاحات مثل تلك الواردة في قانون “من أجل الشعب” لإخراج الأموال غير المشورعة من السياسة”.
وقد انتقد بيس “أيباك” لعدم مشاركتها في الانتخابات التمهيدية بشكل علني أكثر، ولم يكن وحده في ذلك؛ حيث قال السيناتور روبرت بيترز، المرشح عن الدائرة الثانية في الكونغرس: “إنهم يعرفون أن أيباك غير محبوبة، وأنها مرتبطة بآلة الحرب الخاصة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لذلك يحاولون أن يكونوا ماكرين ويستخدموا هذه المنظمات الوهمية لتحريك الأموال لدعم المرشحين المستعدين لتأييد الأجندة اليمينية”.
وظهرت مجموعتا “انتخبوا نساء شيكاغو” و”شيكاغو ميسورة الآن” في نهاية الشهر الماضي. ولم تعلنا عن أي ارتباط بأي مرشح أو منظمة، لكن يبدو أنهما تستخدمان شركات خدمات سبق أن عملت مع جهود مرتبطة بـ”أيباك”، ولم ترد أي من المجموعتين على طلبات التعليق.
وتستخدم “انتخبوا نساء شيكاغو” شركة بريدية تشترك في بيانات تعريفية مع شركة بريدية يستخدمها “مشروع الديمقراطية المتحدة”، وهي لجنة إنفاق خارجي تابعة لـ”أيباك”. كما أن الشركة التي تتولى خدمات الاتصال الهاتفي للجنة الإنفاق الخارجي تحمل نفس العنوان المدرج لشركة “شيكاغو ميسورة الآن”.
وتستثمر “انتخبوا نساء شيكاغو” أيضًا في الدائرة الثامنة لدعم النائبة الأمريكية السابقة ميليسا بين، بينما تستثمر “شيكاغو ميسورة الآن” في الدائرة الثانية لدعم مفوضة مقاطعة كوك دونا ميلر. وقد أنفقت “انتخبوا نساء شيكاغو” أكثر من 1.2 مليون دولار على سباقي فاين وبين، فيما أنفقت “شيكاغو ميسورة الآن” أكثر من 868 ألف دولار لصالح ميلر. وجاءت هذه الاستثمارات في شكل إنفاق مستقل، ما يعني أن هذه المجموعات لا يمكنها التنسيق مع المرشحين.
وأفادت بين بأنها تلقت أكثر من 400 ألف دولار من تبرعات مانحين مرتبطين بأيباك، فيما تلقت ميلر أكثر من 875 ألف دولار. ويواجه كلا المرشحين منافسين في الانتخابات التمهيدية ينتقدون المساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل. وفي بيانات حملتيهما، شددت ميلر وبين على أن لديهما دعمًا واسع النطاق؛ وأكدت حملة بين أنها تؤيد حل الدولتين.
وسبق أن استخدمت “أيباك” لجان الإنفاق الخارجي لإخفاء تورطها في الانتخابات التمهيدية. ففي عام 2024، أنفقت لجنة “ناخبون من أجل حكومة مسؤولة” أكثر من 3.2 ملايين دولار على إعلانات هجومية ضد المرشحة التقدمية سوشيلا جايابال في الانتخابات التمهيدية للدائرة الثالثة في ولاية أوريغون. وجايابال هي شقيقة النائبة براميلا جايابال من ولاية واشنطن، وهي من أبرز المنتقدين لإسرائيل وكانت حينها رئيسة التكتل التقدمي في الكونغرس. وبعد الانتخابات، أظهرت سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن أيباك قدمت 1.3 مليون دولار لهذه اللجنة في مايو/ أيار من ذلك العام.
وتلقت إحدى منافسات جايابال في ذلك السباق، ماكسين ديكستر، دعاية داعمة من لجنة إنفاق خارجي أخرى هي “314 أكشن”، والتي تبيّن لاحقًا أنها حصلت على أكثر من مليون دولار من تمويل أيباك. كما شهدت ديكستر تدفقًا كبيرًا من التبرعات من مانحين خارج الولاية مرتبطين بأيباك، بينهم مانحون داعمون لترامب. وقد فازت ديكستر بالمقعد في نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام.
واتهمت حملة فاين منافسها بيس بالنفاق لأنه استفاد أيضًا من دعم لجنة “314 أكشن”. وكانت هذه اللجنة، التي تعلن أن مهمتها دعم العلماء في السياسة، وقد أيّدت بيس مبكرًا في انتخاباته التمهيدية العام الماضي، كما دعمته في سباقه على منصب حاكم الولاية عام 2018، وفي انتخابات رئاسة بلدية إيفانستون عامي 2021 و2025.
وقال بيس إنه تواصل مع “أيباك” في وقت مبكر من هذه الدورة الانتخابية وقدم وثيقة يوضح فيها مواقفه بشأن إسرائيل، لكنه نفى أنه سعى للحصول على تأييدها. وأوضح إريك بولاياك، المدير التنفيذي لـ “314 أكشن”، أن دعمهم لبيس جاء استنادًا إلى خلفيته كعالم رياضيات، لكنه لم يرد عندما سُئل عما إذا كانت اللجنة تعمل مع أيباك في هذه الدورة الانتخابية.
وكانت “أيباك” أكثر وضوحًا في بعض أنشطتها السياسية الأخيرة، بما في ذلك مع المانحين في المنطقة. ففي رسالة بريد إلكتروني أرسلتها في سبتمبر/ أيلول إلى المانحين وحصلت عليها صحيفة “واشنطن بوست”، وصفت أيباك بيس والمرشحة التقدمية كات أبوغزالة بأنهما “منتقدان خطيران” يعملان مع “الجناح اليساري المتطرف لتقويض إسرائيل”. وقد نشرت صحيفة “إيفانستون ناو” الرسالة أولًا.
وقدّم أيضًا إد ميلر، نائب المدير السياسي لأيباك، عرضًا في ديسمبر/ كانون الأول لدى منظمة “أغوداث إسرائيل أوف إلينوي”، وهي مؤسسة غير ربحية في شيكاغو تخدم المجتمع اليهودي الأرثوذكسي. وأشار خلاله إلى أن الانتخابات التمهيدية في إلينوي تأتي مبكرًا، وأن خسارة مرشحين أمام تقدميين أكثر انتقادًا لإسرائيل قد تشجع تقدميين آخرين في أنحاء البلاد، وذلك وفقًا لنسخة من نشرة المنظمة حصلت عليها الصحيفة.
وتشارك أيباك بشكل علني أيضًا في الدائرة السابعة للكونغرس، حيث تنفق لجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة”، وهي لجنة إنفاق خارجي والتي ترتبط علنًا بالمنظمة المؤيدة لإسرائيل، لدعم أمينة خزينة مدينة شيكاغو ميليسا كونيرز إرفين، وقد أنفقت اللجنة أكثر من 753 ألف دولار في تلك الانتخابات.
وشاركت “أيباك” بشكل مباشر في انتخابات تمهيدية حديثة في نيوجيرسي أثارت جدلًا واسعًا في الولاية؛ فقد خسر النائب الأمريكي السابق توم مالينوفسكي، وهو ديمقراطي معتدل مؤيد لإسرائيل، أمام المرشحة التقدمية أناليليا ميخيا بعد أن أنفقت لجنة “مشروع الديمقراطية المتحدة” أكثر من مليوني دولار في الانتخابات.
وتُعد ميخيا من أشد المنتقدين لإسرائيل، حيث اتهمت حكومة نتنياهو بارتكاب إبادة جماعية في غزة. أما مالينوفسكي، فكان معروفًا بدعمه لإسرائيل خلال فترة عمله في الكونغرس، لكنه بدأ يفكر في فرض شروط على المساعدات الأمريكية للبلاد. وقال إن أيباك أرادت استخدام حملته الانتخابية لإرسال رسالة إلى النواب الديمقراطيين الحاليين مفادها أن المنظمة ستعاقب المشرعين الذين يقيّدون دعمهم لإسرائيل، حتى لو أدى ذلك إلى فوز مرشح أقل تأييدًا لإسرائيل.
وقال مالينوفسكي في مقابلة: “هزمت أيباك نائبًا مؤيدًا لإسرائيل وتساعد في انتخاب تقدمي مناهض لإسرائيل؛ هذا أمر لم أتوقع رؤيته أبدًا”.
وأضاف مالينوفسكي أنه لن يعمل مع أيباك في المستقبل، وأنه سيخوض حملات ضد أي مرشح يحظى بدعمها. وقد اختارت الانتخابات التمهيدية الخاصة المرشح لخوض الانتخابات العامة في 16 أبريل/ نيسان لاستكمال الفترة المتبقية للنائبة الأمريكية السابقة ميكي شيريل، التي تشغل الآن منصب حاكمة الولاية. وأوضح مالينوفسكي أنه قد يعيد الترشح لمواجهة ميخيا في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية المقررة في 2 يونيو/ حزيران في نيوجيرسي لتمثيل المقعد في الكونغرس المقبل، لكنه لم يقرر بعد ما إذا كان سيفعل ذلك. وأكد أنه سيدعم ميخيا في الانتخابات العامة يوم 16 أبريل/ نيسان.
وقال مالينوفسكي: “تعريف أيباك للمؤيد لإسرائيل أصبح ضيقًا للغاية، بحيث لا ينطبق إلا على شخص يوافقهم تمامًا طوال الوقت ومستعد لتقديم دعم غير مقيد وغير مشروط للحكومة الإسرائيلية الحالية. وهذا التعريف يستبعد معظم الديمقراطيين ومعظم الجالية اليهودية الأمريكية المؤيدة لإسرائيل”.
المصدر: واشنطن بوست
