في الزاوية الجنوبية الغربية للمحيط الهندي، بعيدًا عن العواصم الغربية ولكن قرب أهم ممرات الملاحة العالمية، تقع جزيرة دييغو غارسيا ضمن أرخبيل تشاغوس، المستعمرة البريطانية السابقة.
هذه الرقعة الصغيرة تضم قاعدة مشتركة أمريكية – بريطانية تُوصف بأنها “حاملة طائرات عائمة”، لطالما شكّلت محورًا لعمليات عسكرية في الخليج وأفغانستان واليمن، وأداةً لردع الخصوم عبر المحيط الهندي.
عام 2024 وافقت لندن على نقل السيادة على تشاغوس إلى موريشيوس مع الإبقاء على القاعدة لمدة 99 عامًا، وهو اتفاق رحبت به واشنطن بداية لكنها هاجمته لاحقا وعدّته سببا إضافيا لـ”ضرورة الاستيلاء على غرينلاند“.
يعود الصراع على الجزيرة إلى الواجهة مجددًا مع تصاعد التوتر مع إيران واحتدام المنافسة مع الصين، ما يطرح أسئلة حول أهميتها ومستقبلها القانوني والإنساني والاستراتيجي.
دييغو غارسيا.. درة التاج في المحيط الهندي
1- موقع جغرافي فريد
يتموضع أرخبيل تشاغوس (30 كيلومتراً مربعاً)، على ست جزر مرجانية في وسط المحيط الهندي بين سواحل إفريقيا وآسيا، على بعد نحو 500 كيلومتر جنوب جزر المالديف. تقع القاعدة على بعد حوالي 4800 كم جنوب إيران في موقع يحمل ميزة فريدة تتمثل في العزلة الاستراتيجية.
فهي بعيدة بما يكفي لتكون خارج نطاق الصواريخ الإيرانية التقليدية ومسيرات شاهد الانتحارية التي تهدد قواعد أمريكا بالخليج، وقريبة بما يكفي لتسمح للقاذفات الاستراتيجية بالوصول إلى أهداف حيوية بالشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق إفريقيا دون الحاجة للتزود بالوقود بشكل مكثف.
يوفر الموقع أيضا إمكانية دعم العمليات اللوجستية، حيث يمكن للطائرات والسفن إعادة التزود بالوقود والانطلاق نحو مناطق الصراع بسرعة، مما يمنح الولايات المتحدة عمقًا استراتيجيًا يتيح الإسقاط السريع للقوة في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
ويرى باحثو معهد أبحاث السياسة الخارجية FPRI أن القاعدة تدعم 16 قيادة أمريكية وتعطي الولايات المتحدة القدرة على الانتشار في أربع مناطق عملياتية (القيادة المركزية والأفريقية والأوروبية والهندية‑الهادئة).

ويوضح المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS) أنّ دييغو غارسيا هي القاعدة البريطانية الوحيدة في دولة جزرية داخل المحيط الهندي، وأن موقعها في منتصف المحيط يجعلها منصة انطلاق حيوية للقوات الأمريكية والبريطانية.
فهي قريبة من ممرات الشحن الدولية وتُعد واحدة من سبع نقاط حضور دائمة للجيش البريطاني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد انتقلت من كونها موقع دعم لوجستي إلى محور لعمليات كبرى.
إذ انطلقت منها طائرات لدعم عملية تحرير الرهائن في إيران عام 1979، وهجمات على العراق في حرب الخليج 1991، والعمليات ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان، وصولًا إلى ضربات على مواقع الحوثيين في 2024 و2025، في سجل يُبرز قيمتها العسكرية الفريدة.
2- البنية التحتية والقدرات العملياتية
لا تكمن أهمية دييغو غارسيا في موقعها فحسب، بل في بنيتها التحتية الهائلة التي طورتها الولايات المتحدة وبريطانيا على مدار خمسة عقود، والتي يصعب استنساخها في أي موقع آخر، فهي تُوصف في الأدبيات العسكرية الأمريكية بأنها “حاملة طائرات ثابتة لا تغرق”.
المدرج والمرافق الجوية:
تمتلك القاعدة مدرجاً يتجاوز طوله 12 ألف قدم، وهو مصمم لاستيعاب أثقل الطائرات في الترسانة الأمريكية، بما في ذلك القاذفات الاستراتيجية B-52 Stratofortress، والقاذفات الشبحية B-2 Spirit، والقاذفات الأسرع من الصوت B-1B Lancer.
الأهم من ذلك أنها تحتوي القاعدة على حظائر طائرات مكيفة ومجهزة خصيصاً لصيانة المواد الماصة للرادار التي تغطي قاذفات B-2، وهي ميزة نادرة خارج الأراضي الأمريكية (مثل قاعدة وايتمان في ميزوري).
في مارس/آذار 2025، وثقت صور الأقمار الصناعية وجود 6 قاذفات B-2 و4 قاذفات B-52 في آن واحد على أرض الجزيرة، وهو حشد غير مسبوق يعكس دورها كرأس حربة في استعراض القوة.
المرافق البحرية:
تم تعميق البحيرة الطبيعية للجزيرة لتصبح ميناءً قادراً على استقبال حاملات الطائرات والغواصات النووية.
تستضيف الجزيرة “سرب سفن الإمداد المسبق الثاني” (MPSRON 2)، وهو أسطول من السفن المحملة بآلاف الأطنان من العتاد الثقيل (دبابات، مدرعات، ذخائر) تكفي لتجهيز لواء مارينز كامل للقتال لمدة 30 يوماً فور وصول الأفراد جواً.
هذه القدرة على “القفز اللوجستي” تجعل دييغو غارسيا المخزن الاستراتيجي الأول لأي نزاع في الشرق الأوسط أو تايوان.
عيون أمريكا في الفضاء:
تحتوي القاعدة على محطة تتبع تابعة لنظام “GEODSS” لمراقبة الفضاء العميق، ومحطات تحكم بالأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS).
هذا يجعل الجزيرة عقدة حيوية في شبكة القيادة والسيطرة والاتصالات التي تربط القوات الأمريكية عبر نصف الكرة الجنوبي، وتوفر الإنذار المبكر ضد الصواريخ الباليستية.
جذور النزاع على الجزيرة
تعود جذور النزاع إلى ستينيات القرن العشرين عندما انفصلت بريطانيا عن موريشيوس قبل استقلال الأخيرة في 1968، وحولت أرخبيل تشاغوس إلى إقليم المحيط الهندي البريطاني كي تُقيم الولايات المتحدة قاعدة عسكرية.
لتحقيق ذلك، هجّرت لندن بين 1968 و1973 نحو ألفين من السكان الأصليين، يُعرفون بـ الشاغوسيين أو الـ “إيلوا”، إلى موريشيوس وسيشل وبريطانيا. توثّق هيومن رايتس ووتش أنّ هؤلاء يعيشون منذ 50 عامًا في المنفى ويعانون الفقر، بينما تُبقي واشنطن ولندن القاعدة وتمنع عودتهم.
- في فبراير/شباط 2019، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا غير ملزم خلص إلى أن فصل بريطانيا لأرخبيل تشاغوس عن موريشيوس كان غير قانوني ودعا لندن إلى إنهاء إدارتها “في أسرع وقت ممكن”.
- اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار بأغلبية كبيرة وحددت 6 أشهر للانسحاب، إلا أن بريطانيا تجاهلت القرار واستمرت بالسيطرة.
- عام 2021، حكمت المحكمة الدولية لقانون البحار في ألمانيالصالح موريشيوس فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية، مما زاد الضغط على لندن.
- تحت وطأة الضغوط الدولية، قررت بريطانيا في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بدء التفاوض مع موريشيوس.
- في مايو/أيار 2025 وقّعت حكومة كير ستارمر اتفاقًا يقضي بنقل السيادة على الأرخبيل إلى موريشيوس مقابل تخصيص نحو 101 مليون جنيه إسترليني سنويًا (حوالي 3,4 مليارات جنيه على مدار 99 عامًا) لضمان استمرار القاعدة حتى عام 2124.
- رحبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاتفاق وعدّته سبيلًا لضمان استمرار تشغيل القاعدة قبل أن تتراجع لاحقا.
- في يناير/كانون الثاني 2026، شنّ ترامب هجومًا على الاتفاق متهمًا بريطانيا بارتكاب “عمل من الضعف التام والغباء العظيم”، وأن هذه الخطوة دليل آخر على ضرورة حصول الولايات المتحدة على غرينلاند.
- اتهم ترامب لندن بإظهار ضعف يشجّع الصين وروسيا، وأكد أنّ استمرار السيطرة المباشرة أفضل من عقد إيجار طويل يمكن أن ينهار.
- في فبراير/شباط 2026 أجرت لندن وواشنطن محادثة هاتفية أكدت مجددًا على أهمية القاعدة واتفق الطرفان على ضمان استمرار تشغيلها.
- مع ذلك، واصل ترامب القول إن العقد “هش في أفضل الأحوال” وأن الولايات المتحدة قد تحتاج إلى استخدام دييغو غارسيا وقاعدة فيرفورد الجوية في بريطانيا لإحباط أي هجوم إيراني محتمل.

ترامب وعقيدة تملك المواقع الإستراتيجية
في 18 فبراير/شباط، وخلال رسالة موجهة إلى ستارمر، لم يكتفِ ترامب بنقد الاتفاق من زاوية السيادة فحسب، بل ربطه بشكل عملياتي مباشر باحتمالات الحرب مع إيران، وبشكل عقائدي مع طموحاته المستمرة للاستحواذ على جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي.
ففي أوائل 2025 نشرت الولايات المتحدة ست طائرات شبح B‑2 في دييغو غارسيا، ومعها طائرات نقل عسكري وناقلات للتزود بالوقود، في رسالة ردع لطهران إثر هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر.
ذكرت رويترز أن هذه الطائرات وضعت في “موقع مثالي” يسمح لها بالتدخل في الشرق الأوسط، قبل أن تستبدلها واشنطن بطائرات B‑52. في الوقت ذاته كانت الولايات المتحدة تشارك في محادثات مع إيران حول الاتفاق النووي، وهدد ترامب بـ “إجراءات عسكرية” إذا فشلت الدبلوماسية.
ورأت مجلة فوربس أنّ ترامب يلوح بإعادة النظر في الاتفاق ليس فقط بسبب التنافس مع الصين بل لامتلاك ورقة ضغط في مواجهة طهران، إذ تسمح قاعدة دييغو غارسيا بتوجيه ضربات طويلة المدى من خارج نطاق أنظمة الدفاع الإيرانية.
يرتبط النزاع أيضًا بالمنافسة بين القوى الكبرى في المحيط الهندي. تشدد تحليلات FPRI على أن القاعدة تمنح واشنطن وحلفاءها قدرة على مراقبة الطرق البحرية التي تمر عبر مضيق هرمز وباب المندب ومضيق ملقا، وهي شرايين حيوية للتجارة العالمية والموارد النفطية.
ومع تنامي الحضور الصيني في الموانئ الإقليمية ضمن مبادرة “الحزام والطريق”، ووجود قواعد بحرية للصين في جيبوتي واحتمال تطوير موانئ في باكستان وسريلانكا، يخشى بعض الخبراء أن تستغل بكين أي فراغ في تشاغوس لتعزيز نفوذها.
إلا أنّ معهد IISS يوضح أن موريشيوس ترتبط بعلاقات وثيقة مع الهند أكثر من الصين، وأن الاتفاق يتضمن حظرًا على وجود قوات أجنبية غير بريطانية أو أمريكية في الجزر.
مع ذلك، تظل هذه المخاوف جزءًا من النقاش السياسي داخل بريطانيا والولايات المتحدة، حيث تُستخدم للإيحاء بأن نقل السيادة قد يضعف الردع الغربي ويسمح للصين أو روسيا بالتسلل.
في المحصلة، يربط ترامب بين دييغو غارسيا كمنصة هجومية ضد إيران والصين وغرينلاند كمنصة دفاعية ضد موسكو وبكين، في رؤية استراتيجية واحدة: الولايات المتحدة يجب أن تمتلك مفاتيح العالم، ولا تستأجرها.