بعد عودة حقول النفط إلى سيطرة مؤسسات الدولة السورية، أصدرت الحكومة قرارًا يقضي بوقف تشغيل مصافي النفط البدائية في دير الزور المعروفة بـ”الحراقات”، والتي انتشرت في المحافظة قبل نحو 14 عامًا كمصدر بديل لتكرير النفط الخام في ظل توقف المصافي النظامية، إلّا أن أصحابها اعترضوا على القرار على اعتبار أنها تشكل مصدر دخلهم الوحيد.
بررت الحكومة قرارها بعمل الحراقات خارج الأطر التنظيمية والرقابية وتسببها بأضرار بيئية وصحية، وجاء التبرير على لسان وزير الطاقة، محمد البشير، الذي أشار إلى أن وزارته تعمل على تأمين فرص عمل بديلة للعاملين ضمن مشاريع مستقبلية في قطاع النفط بالمحافظة.
لكن عدم امتثال الملّاك للقرار، دفع قوات الأمن إلى مداهمة حراقات في ريف دير الزور الشرقي وإتلاف بعضها، بحسب ما تناقلته وسائل إعلام محلية، كما أظهرت مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي سحابات دخان كثيفة بعد إضرام النار في الحراقات، فيما أظهر مقطع متداول آخر دورية للأمن الداخلي في بادية الجزيرة بريف دير الزور تراقب إيقاف المصافي البدائية.
هذه المداهمات دفعت أصحاب الحراقات في منطقة ذيبان شرق المدينة إلى الاحتجاج بقطع الطرقات وإشعال الدواليب مطالبين الحكومة بإعادة تشغيلها مجددًا، ومتسائلين حول البدائل الواقعية التي يمكن أن توفرها في مقابل إنهاء عملهم.
وفي ظل هذه التوترات، يبرز تساؤل حول الكلفة الحقيقية لاستمرار الحراقات، هل يشكل إغلاقها ضرورة بيئية ملحّة، أم أن غياب بدائل اقتصادية واضحة قد يفتح الباب أمام أزمة معيشية جديدة في المنطقة وصراع داخل المجتمع المحلي؟
نشأة الحراقات
نشأت الحراقات في المناطق الشرقية من سوريا منذ عام 2012 بعد انسحاب النظام البائد منها، وإغلاق آبار النفط آنذاك، وفي ذلك العام، جرى فتح الآبار وتشغيلها بطرق بدائية، بعد سيطرة الفصائل عليها، وتعرضها للتخريب والنهب، ليتم بيع النفط المستخرج منها بقيمة 25% من أسعاره العالمية، وذلك قبل أن ترتفع أسعاره إلى نسب أعلى مع اشتداد أزمة المحروقات، وارتفاع الطلب على النفط المحلي، ما جعل العمل في حراقات النفط استثمارًا عالي الربحية.
وبدأت حراقات النفط الصغيرة في مناطق دير الزور بسعات تتراوح بين 7 إلى 10 براميل (البرميل المحلي بسعة 200 لتر) وكانت منتجاتها ذات الجودة المتدنية تُباع بأسعار أقل من مثيلاتها النظامية في حال توفرها.
ولكن مع ظروف الحرب وعدم توفر المشتقات النفطية النظامية، تعمم الاضطرار الاستهلاكي لمشتقاتها، بحسب الدراسة الميدانية بعنوان “حراقات النفط البدائية.. الكارثة الاجتماعية والبيئية المدمرة” التي أعدها الباحثان طلال مصطفى ووجيه حداد، ونُشرت عام 2023 عن “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”.
وقسمت الدراسة الحراقات إلى نوعين رئيسيين هما: الحراقة العادية والحراقة الكهربائية ويختلفان في طريقة التسخين المستخدم لتبخير وتقطير النفط.
فالحراقات البدائية المحلية الصنع ذات وقود خارجي، فيما الكهربائية المستوردة يمكن تشبيه عملها بعمل سخان الماء، وهي تمتاز عن الحراقات البدائية بجودة المشتقات المستخرجة منها وبدور التكرير الأقصر، ما يعني إنتاج كميات أكبر خلال الفترة الزمنية نفسها، إضافة إلى أضرار بيئية أقل.
ما آلية العمل؟
تعتمد هذه الحراقات على تقنيات بدائية لتكرير النفط الخام عبر الحرق المباشر في خزانات مكشوفة، ما يؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الملوثات في الهواء والتربة والمياه، نظرًا لغياب أنظمة المعالجة والرقابة، بحسب ما شرحه الصحفي المختص بالقضايا البيئية زاهر هاشم.
وحول نوع الملوثات البيئية والصحية التي تنتج عن هذه الحراقات، أوضح هاشم في حديث لـ”نون بوست” أن الحراقات البدائية تطلق مزيجًا خطيرًا من الملوثات، أبرزها الجسيمات الدقيقة PM2.5 وPM10 وهي جسيمات متناهية الصغر تخترق الجهاز التنفسي وتتسبب بأمراض قلبية وتنفسية مزمنة.
كما تطلق مركبات عضوية متطايرة مثل البنزين، وهي مواد مسرطنة محتملة، وينتج عنها أيضًا هيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات ناتجة عن الاحتراق غير الكامل، ومركبات أخرى مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين المسببة للأمطار الحمضية ومشاكل الجهاز التنفسي، والمعادن الثقيلة التي قد تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية وتصل إلى السلسلة الغذائية للإنسان.
ويؤدي إحراق المصافي أو الحراقات بشكل متعمد ومفاجئ، بحسب هاشم، إلى مضاعفة المخاطر بدلاً من تقليلها، وذلك نتيجة إطلاق سحابة كثيفة من الدخان الأسود المحمّل بجزيئات سامة، واحتمال انبعاث مواد شديدة السمية نتيجة الاحتراق غير الكامل، وتسرب كميات من النفط الخام أو المشتقات إلى التربة أثناء الحريق أو بعده، وأخيرًا زيادة خطر الانفجارات في حال وجود خزانات مغلقة أو بقايا غازية.
ويرى هاشم أن قرار الإغلاق يعد خطوة ضرورية ومبررة من الناحية البيئية البحتة كونها من أخطر مصادر التلوث الصناعي المحلي التي تخلّف تلوثًا طويل الأمد يصعب احتواؤه لاحقًا، غير أن نجاحه يرتبط بوجود بدائل اقتصادية حقيقية للعاملين في هذا القطاع، حتى لا يتحول القرار إلى أزمة اجتماعية جديدة.
ويبين أن الإزالة الآمنة تتطلب خطة متكاملة تشمل إيقاف التشغيل تدريجيًا مع تفريغ الخزانات من النفط ومخلفاته بطريقة منظمة، وجمع ونقل النفايات النفطية الخطرة إلى مواقع معالجة معتمدة، وتفكيك الهياكل المعدنية وفق معايير السلامة الصناعية، وإجراء تقييم بيئي للموقع لتحديد مستوى تلوث التربة والمياه، وتنفيذ عمليات معالجة للتربة الملوثة عند الحاجة.
ضرورة ملحة
غير أن البعد البيئي لا يشكل الزاوية الوحيدة لقراءة القرار، إذ يمكن فهمه من زاويتين متداخلتين، بحسب الأستاذ والباحث في علم الاجتماع والآثار الاجتماعية للصراعات طلال مصطفى، الأولى صحية-بيئية والثانية سيادية-تنظيمية.
وقال مصطفى في حديث لـ”نون بوست” انطلاقًا من التقرير الميداني الذي كان الباحث الرئيس في إعداده، إن الحراقات نشأت في سياق انهيار مؤسسات الدولة السورية بعد 2012، وتحولت إلى جزء من اقتصاد الحرب غير المنظم، خارج الأطر الضريبية والرقابية، ومرتبطة أحيانًا بشبكات نفوذ محلية أو عسكرية، ومن منظور الدولة التي تسعى لاستعادة احتكارها لإدارة الموارد، يُعدّ إنهاؤها خطوة لإعادة ضبط قطاع الطاقة.
وأوضح الباحث أن كلف استمرار الحراقات أعلى بكثير من كلفة إغلاقها، تتمثل في الكلفة الصحية التراكمية المتعلقة بعلاج الأمراض المزمنة، وفقدان الإنتاجية، والكلفة البيئية المتمثلة بتدهور التربة وتلوث المياه وتآكل الغطاء النباتي، فضلًا عن الكلفة الاقتصادية غير المباشرة كتراجع الزراعة وتربية المواشي، والكلفة الاجتماعية المتمثلة في النزاعات على الأراضي والاقتصاد الهش غير الرسمي.
في المقابل، يرى الباحث أن إغلاقها المفاجئ من دون بدائل، على المدى القصير، يخلق صدمة دخل معيشية حادة، لأن آلاف الأسر تعتمد عليها كمصدر رزق مباشر أو غير مباشر. وبالتالي، الكلفة الاجتماعية الفورية للإغلاق غير المدروس قد تكون مرتفعة سياسيًا وأمنيًا.
وفي الخلاصة، فإن الكلفة الإجمالية لاستمرارها أعلى استراتيجيًا، لكن إدارة الإغلاق هي العامل الحاسم في تحديد إن كان القرار إصلاحيًا أم مُفجِّرًا للأزمة.
كما يرى الباحث أن الإغلاق يمكن أن يؤدي إلى توترات مجتمعية بدرجة عالية لأن الحراقات تشكل اقتصادًا محليًا كاملًا يضم مالكين، وعمال، وناقلين، وباعة، وورش صيانة.
وفي دير الزور ذات البنية العشائرية، أي تدخل أمني مباشر قد يُقرأ بوصفه استهدافًا لفئة اجتماعية أو منطقة بعينها، لذلك إذا لم يُقرن القرار بخطة انتقالية واضحة، فقد يتطور الاحتجاج إلى قطع طرق، ومواجهات مع قوى الأمن، أو انتقال النشاط إلى شكل سري أكثر خطورة.
بدائل واقعية
وكان الصحفي زين العابدين العكيدي المنحدر من دير الزور والمتخصص في نقل قضايا شرق سوريا والبادية، أوضح في تغريدة عبر منصة “إكس” في 29 كانون الثاني الماضي، تحدث عن اتفاق مؤقت بين أصحاب الحراقات النفطية وممثلين عن وزارة الطاقة بدير الزور.
ونص الاتفاق على تشغيل الحراقات بمنطقة محددة بالقرب من حقل العمر النفطي، والتأكيد على منع خروج أي كمية من المحروقات خارج حدود دير الزور، مع دعم محطات المياه والأفران من منتوجها ريثما تتولى الوزارة البديل.
فيما يرى الباحث طلال مصطفى أنه في سياق هش مثل مناطق دير الزور يجب أن تكون البدائل سريعة التنفيذ وقليلة التعقيد، كالتنظيم بدل الإغلاق الفوري من خلال منح مهلة انتقالية، وتحويل الحراقات الكبيرة إلى وحدات شبه نظامية بشروط بيئية محددة، وفرض فلاتر ومعايير أمان تدريجية.
كما اقترح الباحث إدماج العاملين في الحراقات في قطاع رسمي، كتوظيف جزء من العمال في منشآت تكرير نظامية أو شبه نظامية، وإنشاء ورش صيانة أو مراكز تجميع خاضعة للرقابة، فضلًا عن إيجاد فرص عمل مهنية من خلال تشغيل العمال في مشاريع إزالة التلوث البيئي، ومشاريع تأهيل أراضٍ زراعية ملوثة.
واقترح دعم التحول المهني السريع من خلال قروض صغيرة للتحول إلى مهن قريبة (نقل، ميكانيك، تجارة مواد بناء)، ودعم زراعي مباشر للأسر المتضررة، مشيرًا إلى أن أي بديل يجب أن يُعلن بالتزامن مع قرار الإغلاق، لا بعده.
أما استخدام القوة لوقف التشغيل، في حال ثبوته، قد يخلف آثارًا نفسية واجتماعية عميقة تتجلى في شعور بالإذلال وفقدان الكرامة، وصدمة فقدان مصدر رزق فجائي، وارتفاع مستويات القلق والغضب الجماعي، إلى جانب تعميق فجوة الثقة بين المجتمع المحلي والحكومة، وإعادة إنتاج سردية “الدولة ضد لقمة العيش”، واحتمالية تشكل اقتصاد ظل جديد أكثر خطورة، بحسب الباحث.
وفيما لا تزال البدائل أمام ملاك الحراقات غير واضحة، يبقى التحدي أمام الحكومة في كيفية إدارة قرار الإغلاق بما يحقق التوازن بين الضرورات البيئية والاعتبارات الاقتصادية والمعيشية لسكان المنطقة، وتجنب تداعيات اجتماعية جديدة.
