حركة “20 فبراير” التي جسّدت النسخة المغربية من موجة الربيع العربي عام 2011، لم تُفضِ إلى دستور جديد وانتخابات مبكرة فحسب، بل كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت سلسلة متواصلة من أشكال الاحتجاج وتعبيرات الغضب الشعبي، فاتسعت رقعتها لتشمل الفضاء الرقمي والملاعب الرياضية.
غير أن الحركة ما لبثت أن فقدت زخمها وقدرتها على تعبئة المحتجين، جراء خلافات تنظيمية وتصدعات داخلية من أبرزها انسحاب جماعة العدل والإحسان منها، فضلاً عن استجابة سريعة من السلطة (خطاب 9 مارس/آذار 2011)، تحت ضغط الشارع، لجزء من المطالب المُرفوعة، لكن جذوة الاحتجاج لم تخبُ، إذ سرعان ما اندلع حراك الريف سنة 2016، ثم توالت موجات الغضب في مدينتَي زاكورة وجرادة.
وشهد المغرب كذلك سنة 2018 حملة مقاطعة غير مسبوقة طالت ثلاثة منتجات استهلاكية شهيرة، انطلقت شرارتها من منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تترجم إلى فعل ميداني. وفي السياق ذاته، فرزت الجماهير الكروية المغربية نمطاً جديداً من الاحتجاج عبر الأغاني ذات المضمون السياسي، كان أبرزها أغنية “في بلادي ظلموني” التي صدحت بها حناجر مناصرو نادي الرجاء البيضاوي.
ماذا غيرت الحركة في ثقافة الاحتجاج؟
في كتابه: “الحركات الاحتجاجية في المغرب ودينامية التغيير ضمن الاستمرارية”، يرى الباحث الحبيب أستاتي زين الدين أن المغرب قطع مراحل عدة في مجال الإصلاحات السياسية والدستورية، لكن الانفتاح السياسي الذي ساهم في تقليص الممارسة الانتخابية عزّز في المقابل اتّساع الساحة الاحتجاجية وتطوّر قدرات التنسيق الأكثر استقلالية.
وقد برز حراك الريف باعتباره الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد الاحتجاجي المغربي عقب حركة “20 فبراير”، إذ اندلع في أكتوبر/تشرين الأول سنة 2016 واستمر حتى صيف 2017، ليُختتم فصله سنة 2018 بصدور حكم بالسجن عشرين سنوات نافذة بحق زعيمه ناصر الزفزافي. وقد تمحورت بعض مطالبه الجوهرية حول إنهاء التهميش والإقصاء الذي تعانيه منطقة الريف، والنهوض ببنيتها التحتية.
غير أن التساؤل يظل قائماً ومشروعاً حول طبيعة الصلة التي تجمع احتجاجات الريف بموجة الربيع العربي. وفي هذا السياق، ترى شريفة لموير، الباحثة في الشأن السياسي، أن هذه الاحتجاجات تشكّل منظومة متكاملة لا تقبل التجزئة، لا سيما أنها اشتركت جميعها في طابعها الاجتماعي السياسي.
لكن لموير تستدرك في حديثها لـ”نون بوست” موضحة: “إن ما أضفى على “20 فبراير” خصوصيتها هو الوعي السياسي الناضج الذي أهّل شبابها لصياغة مطالب دستورية وسياسية محددة وواضحة، وهو ما افتقرت إليه الحركات اللاحقة في مجملها، وإن كانت أشكالها تعكس أنماطاً احتجاجية متجددة تنهل من روح عام 2011″.
ولم يتوقف مد الاحتجاجات عند حدود الريف، بل امتد ليعانق مناطق عدة تجمعها معادلة واحدة قوامها التهميش وشُح التنمية، حيث هبّ سكان مدينة زاكورة عام 2017 في وجه أزمة المياه المزمنة، بينما اشتعلت في مدينة جرادة في العام ذاته غضباً إثر سقوط عمال ضحايا في أنفاق فحمية بدائية، وهي مدينة حُرمت حسب سكانها من أي أفق اقتصادي بديل منذ أن أُسدل الستار على منجمها الرسمي.
احتجاج الملاعب والفضاء الرقمي.. هل هو وليد الحركة؟
بعد هذه الموجات من الاحتجاج في جهات مختلفة من البلد، لم يقتصر الاحتجاج في المغرب على المظاهرات في الفضاءات العامة بشكلها الكلاسيكي، بل برزت أشكال جديدة من الاحتجاج، من أبرزها حملة مقاطعة واسعة سنة 2018 لثلاث شركات تنشط في قطاعات المحروقات والحليب والمياه المعدنية، انطلقت شرارتها من الشبكات الاجتماعية لتتحول إلى واقع ملموس، مكّبدةً تلك الشركات خسائر فادحة.
وبعد ذلك بسنة، صدحت أغانٍ احتجاجية في ملاعب كرة القدم المغربية، من أبرزها أغنية “فبلادي ظلموني” لنادي الرجاء البيضاوي، و“قلب حزين” لنادي الوداد الرياضي. وقد تمحورت كلماتها حول التنديد بالفساد وتهميش الشباب والبطالة، لتعرف انتشاراً واسعاً عبر الشبكات الاجتماعية، وتتردد صداها حتى في مظاهرات احتجاجية، كتلك التي شهدتها آنذاك احتجاجات طلبة الطب والصيدلة.
وأفاد خالد البكاري، الأستاد الجامعي، والناشط الحقوقي المغربي، بأنه يصعب اعتبار الاحتجاج الرقمي واحتجاجات الملاعب مكسباً من مكاسب حركة 20 فبراير، إذ إن هذه الأنماط كانت سابقة للحركة أو معاصرة لها، بل إن عدداً من وجوه الحركة جاؤوا أصلاً من صفوف “الألتراس” والمدونين.
واستدرك الناشط الحقوقي: “لكن استمرار التدوين الناقد للسياسات العمومية، واستمرار “الألتراس” في ترديد أهازيج ذات حمولة نقدية، في وقت تراجعت فيه الحركات الاحتجاجية لا سيما عقب القمع العنيف لاحتجاجات الريف، يجد تفسيره في التشدد الأمني وفي نجاح السلطة في استعادة هيمنتها على الفضاء العمومي؛ إذ ظلت أغلب الاحتجاجات في أعقاب اعتقال قيادات حراك الريف إما فئوية أو متقطعة، يُسارَع إلى إخمادها قبل أن تتطور إلى احتجاجات كبرى على الصعيدين الكمي والجغرافي.
ويذهب عبد الرحيم بورقية، الباحث في علم اجتماع الرياضة، إلى نفس هذا الطرح، إذ يرى أنه لم يلاحظ انخراط رسمي لجماهير “الألتراس” خلال مظاهرات “20 فبراير”. بل العكس ما حصل، إذ تمت اللجوء بمشجعي الرجاء والوداد للإشادة بعهد الملك محمد السادس.
احتجاجات جيل “زد”.. طفرة نوعية؟
أطلّت حركة “جيل زد 212” على المشهد المغربي في منتصف سبتمبر 2025، حين فُتح باب النقاش على منصة “ديسكورد” حول تردي منظومتي الصحة والتعليم، على وقع صدمة وفاة ثماني نساء حوامل في مستشفى الحسن الثاني بأكادير. ولم يكن اختيار “ديسكورد” محض صدفة، إذ تتيح هذه المنصة التواصل خلف أسماء مستعارة بمعزل عن أي هوية حقيقية، مما يمنح أصحابها هامشاً من الحماية والأمان.
وما إن حلّ السابع والعشرون من سبتمبر حتى اندفعت المظاهرات نحو شوارع عدد من المدن المغربية الكبرى، مطالبةً بإصلاح الصحة والتعليم والقضاء على الفساد، فيما تجاوز عدد المنتسبين إلى المنصة آلاف الأعضاء في غضون أيام قليلة.
ولا يرى حكيم صيكوك، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط، وأحد الوجوه البارزة لحركة “20 فبراير”، في حديثه لـ”نون بوست”، مناصاً من استحضار حركة “جيل زد” كلما أُثير الحديث عن إرث “20 فبراير”، واصفاً إياها بأنها حركة توأم لها؛ إذ تتقاطعان في المطالب الاجتماعية وشطر من المطالب السياسية، وكلتاهما شقّت طريقها من رحم الفضاء الرقمي.
واستدرك صيكوك: “الفارق الجوهري بينهما يتجلى في بنية التنظيم وآليات اتخاذ القرار؛ فـ”20 فبراير” حشدت دعماً سياسياً وانتمى غالبية ناشطيها إلى التيارات اليسارية، وكانت قراراتها تولد في جمعيات عامة حضورية بوجوه مكشوفة، في حين تُقاد “جيل زد” عبر نقاشات رقمية متوارية خلف أسماء مستعارة، وتُحسم قراراتها بتصويت إلكتروني، فيما لا تزال هويات شبابها طيّ الكتمان حتى اللحظة.
ومن جهته، يُرجع خالد البكاري وجه الاستمرارية بين الحركتين إلى طابعهما الشبابي المشترك، وتوسّلهما بالانتقال من الفضاء الافتراضي إلى الميداني، ورفعهما شعارات إصلاحية تصبّ في مناهضة الفساد وصون الحقوق، وهو السقف ذاته الذي رفعته “20 فبراير”.
لكن البكاري يُلفت إلى ما يُميّز جيل “زد” من نفور عميق لدى شبابها من الأحزاب السياسية، وهشاشة تنظيمية تتغذى على الاحتماء بالسرية الافتراضية، هو ما ضيّق من امتدادها الجغرافي وجعلها أعجز عن الصمود في مواجهة موجات الاعتقال التي فاقت في حجمها ما عرفه عام 2011.
15 سنة من الاحتجاج في المغرب.. أية مكتسبات وعثرات؟
يرى فريدريك فايريل، باحث في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية في المغرب، بأن ما بعد 2011 شهد اتساعاً نسبياً في هامش التعبير، لكنه يُحذّر من الوقوع في فخ قراءة هذا الاتساع كمكسب بنيوي، إذ يبقى مشروطاً بعدم تهديد بنية السلطة، ويتقلص فور تجاوز الخطوط غير المعلنة كما أثبتت تجربة حراك الريف.
ويؤكد فاريل أن الحركة أفرزت تحولاً ثقافياً في العلاقة بين المغاربة والسياسة أعمق حتى من أي مكسب قانوني أو دستوري، كما أن النظام المغرب نجح في احتواء الحركة لكنه لم يستطع محو أثرها على الوعي الجمعي.
ويرى الباحث خالد البكاري أنه لا يمكن الاستهانة بمكتسبات المسار الاحتجاجي في المغرب خلال آخر خمس عشرة سنة؛ فهو الذي أفضى إلى دستور 2011 المتقدم إقليمياً، وأسهم في حل ملفات التشغيل والأجور وإسقاط قوانين مقيّدة للحريات، فضلاً عن دوره في الحفاظ على السلم الاجتماعي بوصفه سلطة مضادة تحول دون تغوّل الدولة وانزلاق الاحتقان نحو العنف.
واستدرك البكاري: ” لكن يبقى التعثر الأبرز غياب تعبير سياسي منظّم يضمن للحركة الاحتجاجية مخاطباً دائماً للدولة، إذ إن ضعف النقابات والأحزاب المعارضة يُبقي الاستجابة لمطالب المحتجين رهينة بموازين قوى تميل للسلطة، ويحصر هذه المطالب في الإطار الفئوي بعيداً عن ربطها بمسار التحول الديمقراطي الشامل”.
ومن جهته، لا يشاطر حكيم صيكوك الصورة الإيجابية لمكتسبات “20 فبراير”، إذ يرى أنه بعد خمس عشرة سنة على حراك 20 فبراير، تبدو الصورة قاتمة؛ إذ تراجع حسب نظره كثير من المكتسبات التي حققتها الحركة الحقوقية وحركة “20 فبراير” عام 2011، و”تغوّلت السلطات في قمع كل أشكال الاحتجاج والمطالبة بالتغيير الحقيقي” حسب تعبيره.
أما الباحثة شريفة لموير فذهبت إلى أن المغرب دأب على تقديم نفسه نموذجاً استثنائياً في محيطه الإقليمي، حتى في تعاطيه مع الشارع، غير أن هذا الاستثناء يظل منقوصاً ما لم يُترجَم إلى احترام فعلي لحق الاحتجاج السلمي والاستجابة الجدية للمطالب المجتمعية المشروعة، فبعد خمس عشرة سنة على “20 فبراير”، لا تزال روح تلك اللحظة حيّة في الشارع المغربي، مذكّرةً بأن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالقمع، بل بالانفتاح على مطالب المواطنين وبناء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع.
