تشير التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط خلال الساعات القليلة الماضية إلى اقتراب لحظة الحسم في مسار التصعيد بين واشنطن وطهران، مع تزايد الحديث عن ضربة أمريكية محتملة ضد إيران، حيث تفيد معطيات ميدانية ولوجستية، تداولتها عدة وسائل إعلام دولية، بأن الاستعدادات العسكرية بلغت مراحل متقدمة، وأن القرار النهائي بات مرهونًا بإشارة البدء من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
يأتي هذا التصعيد في ظل أوضاع داخلية إيرانية تتسم بحساسية أمنية لافتة، وسط تحركات عسكرية استثنائية، ومناورات تحمل رسائل سياسية واضحة، آخرها تلك التي من المتوقع أن تجرى اليوم مع روسيا، وذلك بعد مناورة أخرى خلال الأيام الماضية، تخللها إغلاق مؤقت لمضيق مضيق هرمز، في خطوة فسّرها مراقبون باعتبارها رسالة ردع استراتيجية موجهة إلى القوى الغربية.
ويتزامن هذا التحشيد العسكري والاستعداد اللوجستي مع استمرار المفاوضات بين واشنطن وطهران في جنيف، ورغم ما تسرب عن أجواء وصفت بالإيجابية خلال الجولات الأخيرة، فإن المفاوضات لا تزال محكومة بسقف عالٍ من الشروط المتبادلة والخطوط الحمراء.
ورغم ما أبدته طهران من مرونة غير معهودة في تلك الجولة إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لدى واشنطن التي تريد التزامًا إيرانيًا مكتوبًا بكل شروطها المسبقة، في مسار تبدو فيه إدارة ترامب حريصة على إبقاء أدوات الضغط كافة مطروحة على الطاولة.
– تقف إدارة ترامب حاليًا على أعتاب أضخم مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط منذ عقود، حيث تشير كافة المعطيات الميدانية إلى أن الحرب مع إيران باتت خيارًا وشيكًا يتجاوز في حجمه أي عمليات سابقة.
– الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة وصل لمستويات غير مسبوقة، ليشمل حاملتي طائرات و12 سفينة… pic.twitter.com/sX9V8lDT4w
— نون بوست (@NoonPost) February 19, 2026
ويعكس المشهد الراهن معادلة غاية في التعقيد، تتداخل فيها حسابات الردع، وأوراق التفاوض، وإشارات القوة، ليقف الإقليم بـأكمله أمام مفترق طرق حاسم، وسط تقديرات تشير إلى أن أي ضربة محتملة ضد إيران ستتجاوز مفهوم “العملية المحدودة” أو “الضربة الجراحية”، لتأخذ طابعًا أوسع نطاقًا، مع تداعيات قد تمس بنية النظام الإيراني نفسه وتعيد رسم توازنات القوى في المنطقة.
في ضوء ذلك، تبقى الساعات المقبلة محط ترقب إقليمي ودولي مكثف، حيث تتجه الأنظار إلى القرار السياسي في واشنطن، وإلى كيفية قراءة طهران للرسائل العسكرية المتبادلة، وبين من يراهن على احتواء التصعيد عبر الدبلوماسية الصادمة، ومن يرى أن المواجهة باتت أقرب من أي وقت مضى، يظل السؤال مطروحًا: هل تقترب المنطقة فعلًا من “ساعة الصفر”؟
الاستعدادات الأمريكية تصل أعلى مستوياتها
تتحدث تقارير إعلامية أمريكية عن بلوغ الاستعدادات العسكرية لواشنطن ضد إيران مراحلها النهائية، بما يجعل خيار الضربة العسكرية مطروحًا للتنفيذ في أي وقت، ووفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أمريكيين، فإن الحشد يشمل عشرات طائرات التزود بالوقود التي دفعت بها القيادة المركزية إلى المنطقة، وأكثر من خمسين مقاتلة إضافية، إلى جانب مجموعتي حاملات طائرات هجوميتين ترافقهما مدمرات وطرادات وغواصات.
كما تقترب حاملة الطائرات جيرالد فورد، التي وُجهت من الكاريبي بأمر من ترامب، من مضيق جبل طارق تمهيدًا لانضمامها إلى الحاملة أبراهام لينكولن في مسرح العمليات، والمتوقع في غضون أيام قليلة، في مؤشر إلى تصعيد مدروس يعزز الجاهزية البحرية الأمريكية في الإقليم.
وبحسب المسؤولين، فإن البنتاجون لم يكن قبل أسابيع في وضع يسمح له بتنفيذ تهديدات مباشرة، نظرًا لوجود ما بين 30 و40 ألف جندي أمريكي موزعين على قواعد عدة في الشرق الأوسط، مع نقص ملحوظ في منظومات الدفاع الجوي الكفيلة بحمايتهم من رد انتقامي إيراني محتمل.
إلا أن الشهر الماضي شهد نقل أنظمة دفاعية متقدمة، من بينها منظومات باتريوت وثاد القادرتان على اعتراض الصواريخ الباليستية، ما عزز قدرة القوات الأمريكية على حماية أصولها وقواعدها وحلفائها خلال أي حملة قصيرة الأمد.
ويشمل التعزيز العسكري أيضًا تدفق مقاتلات من طراز F-35 وF-22 وF-16 من الولايات المتحدة مرورًا بأوروبا وصولًا إلى الشرق الأوسط، إضافة إلى نشر عشرات طائرات التزود بالوقود في مواقع متقدمة لدعم عمليات جوية ممتدة، كما وُضعت قاذفات بعيدة المدى، بينها طراز B-2، في حالة تأهب أعلى.
وتشير التقديرات التي أوردتها نيويورك تايمز إلى أن هذا المستوى من الحشد يمنح الإدارة الأمريكية خيارات عسكرية جاهزة للتنفيذ ضد أهداف نووية أو عسكرية إيرانية، وأن الأمر متروك في النهاية لتقدير القيادة السياسية وتحديد ساعة الصفر المناسبة.
تحركات إيرانية موازية
في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي أمام الحشد الأمريكي غير المسبوق، بل شرعت في اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة مختلف السيناريوهات المحتملة، فوفق صور أقمار صناعية وتحليلات صادرة عن معهد العلوم والأمن الدولي، بدأت إيران في تعزيز تحصينات عدد من منشآتها النووية عبر تدعيمها بطبقات من الخرسانة وكميات كبيرة من التربة، بما يهدف إلى دفن مواقع حساسة في عمق الأرض وتقليل قابليتها للاستهداف.
كما تشير تقديرات إلى أن طهران أعادت تأهيل قواعد صاروخية تضررت في مواجهات سابقة، وضاعفت وتيرة إنتاجها من الصواريخ خلال الأشهر الماضية، في دلالة على سعيها لتعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية معًا تحسبًا لأي تصعيد واسع.
وفي سياق الحرب الإعلامية والنفسية المتبادلة، تبنّى المرشد الإيراني خطابًا تصعيديًا ألمح فيه إلى امتلاك بلاده قدرات قادرة على تهديد حاملات الطائرات الأمريكية، في إشارة إلى تطوير صاروخ باليستي فرط صوتي تقول بعض المصادر العسكرية إنه قادر على اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة.
ويأتي هذا الخطاب بالتوازي مع حديث متزايد عن دعم تقني وعسكري غير مباشر من كلٍّ من الصين وروسيا، ما يعكس إدراكًا لدى موسكو وبكين بأن أي ضربة جديدة قد تتجاوز في طبيعتها وحدودها ما شهدته المواجهات السابقة.
وتحدثت تقارير عن جسر جوي لطائرات شحن صينية من طراز Y-20 إلى مطارات إيرانية، إضافة إلى تكهنات بشأن تزويد طهران برادارات متطورة مثل YLC-8B القادرة على رصد الطائرات الشبحية، فضلًا عن دعم تقني في مجالات الملاحة والخرائط الفضائية.
أما موسكو، فقد عززت حضورها البحري بصورة غير مباشرة عبر تحريك الفرقاطة ستويكي إلى ميناء بندر عباس، تمهيدًا لمناورات مشتركة مع البحرية الإيرانية في بحر عُمان ومناطق أخرى، ويعكس هذا الحراك البحري، وإن جاء في إطار تدريبات معلنة، رسالة سياسية واضحة بشأن توازنات الردع في المنطقة.
يتضح من خلال ما تكشفه كل تلك المؤشرات بأن إيران تبدو هذه المرة أكثر استعدادًا مقارنة بجولة التصعيد السابقة، ما يعني أن أي مواجهة محتملة لن تكون محدودة أو قصيرة الأمد، بل قد تفتح الباب أمام صراع أوسع يضع المنطقة بأسرها أمام اختبار بالغ الحساسية، ويفرض على جميع الأطراف حسابات دقيقة قبل الانزلاق إلى مواجهة لن تكون كلفتها يسيرة.
المفاوضات فوق فوهة بركان
بالتوازي مع أجواء التصعيد والحشد العسكري المتبادل، انعقدت جولات التفاوض بين الوفدين الأمريكي والإيراني في جنيف وسط ترقب دولي حذر، حيث شهدت جلسة الثلاثاء 17 فبراير/شباط نقاشات استمرت أكثر من ثلاث ساعات ونصف، تركزت حول مذكرات تفاهم وأطر عامة للتقارب، إلا أن الوفدين غادرا دون إعلان اختراق حاسم.
وأوضح كبير المفاوضين الإيرانيين أن الطرفين توصلا إلى “مجموعة من المبادئ التوجيهية”، بينما أقر مسؤول أمريكي بأن “الكثير من التفاصيل لا تزال عالقة وتحتاج إلى نقاش معمق”، في وقت أعاد فيه ترامب التلويح بخيار الضغط والتهديد، بما يعكس استمرار ازدواجية المسار بين الدبلوماسية وأدوات الردع.
وخلال هذه الجولة، أبدت طهران مرونة وُصفت بغير المسبوقة مقارنة بجولات سابقة؛ إذ تحدثت تقارير عن عرض إيراني يقضي بتجميد تخصيب اليورانيوم لفترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، تمتد حتى نهاية ولاية ترامب الرئاسية، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لمنح الإدارة الأمريكية مخرجًا سياسيًا من الأزمة، كما طُرح مقترح إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى روسيا، مقابل رفع العقوبات المفروضة على الاقتصاد الإيراني والإفراج عن عائدات النفط المجمدة.
• أعلن وزير الخارجية الإيراني التوصل إلى تفاهم مع واشنطن بشأن المبادئ الرئيسية للاتفاق المحتمل، بينما اتفق الطرفان على إعداد مسودتين منفصلتين لوثيقة الاتفاق وتبادلهما لمواصلة العمل على الصيغة النهائية.
• أوضح الوزير الإيراني أن التقدم الذي تحقق خلال جولة جنيف الثانية يفوق… pic.twitter.com/Z7oi6tZDzE
— نون بوست (@NoonPost) February 17, 2026
غير أن هذه العروض لم تلقَ قبولًا كافيًا لدى الجانب الأمريكي، الذي تمسك بحزمة شروط أشد صرامة، كان قد طالب بها الكيان الإسرائيلي، تتضمن إنهاء المشروع النووي بصورة كاملة، وإغلاق مسار تطوير الصواريخ الباليستية، ووقف دعم الحلفاء الإقليميين لطهران.
حالة التعثر الدبلوماسي هذه، رغم الحديث عن أجواء إيجابية تخيم على ظلالها، وترافقها مع استمرار الحشد العسكري الأمريكي، دفع بعض الدول إلى استشعار مخاطر انفجار وشيك، وفي هذا السياق، دعا رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك المواطنين البولنديين المقيمين في إيران إلى مغادرتها فورًا، محذرًا من أن أي تصعيد عسكري محتمل قد يجعل عمليات الإجلاء صعبة أو مستحيلة خلال ساعات.
مثل هذا التحذير الذي يتوقع أنه لن يكون الأخير، يعكس بشكل لافت حجم القلق الدولي المتنامي من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مفتوحة، واقتراب لحظة الصدام المنتظرة، في ظل مسار تفاوضي هش، وتوازن ردع قابل للاهتزاز في أي وقت.
كل الخيارات مفتوحة.. الأمور إلى أين؟
بات المشهد الإقليمي أكثر توترًا وتعقيدًا من أي وقت مضى، مع تسارع الأحداث بوتيرة لافتة تضع الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية، فالتصعيد المتبادل، سياسيًا وعسكريًا، يفتح المجال أمام سيناريوهات متعددة، من احتواء محسوب للأزمة إلى انفجار جيوسياسي واسع قد يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، وربما يمتد أثره إلى النظام الدولي بأسره.
الولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب، تبدو وكأنها تراهن على سياسة “الردع الصادم” لإجبار طهران على تقديم تنازلات جوهرية تُترجم داخليًا كإنجاز سياسي كبير، وعليه تتحرك -مدفوعة بالضغط الإسرائيلي واللوبي الصهيوني- نحو تعظيم أدوات الضغط، سواء عبر الحشد العسكري أو تشديد سقف المطالب التفاوضية، بما في ذلك تحجيم النفوذ الإيراني الإقليمي وكبح النفوذ الصيني والروسي داخل إيران.
ويستند هذا التوجه إلى قناعة مفادها أن واشنطن ترى أن النظام الإيراني الحالي لم يقدم المرونة الكافية التي ترتقي لمستوى “الانتصار الكامل” الذي يسعى إليه ترامب، وأن سقوطه قد يكون السبيل الأنجع لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
بدوره، يتعامل النظام الإيراني بمنطق دفاعي-هجومي في آن واحد، واضعًا خطوطًا حمراء يعتبر تجاوزها تهديدًا مباشرًا لبقائه الداخلي قبل أن يكون استجابة لضغوط خارجية، وعليه تسعى طهران إلى الموازنة بين إبداء قدر من المرونة التكتيكية على طاولة التفاوض، والحفاظ على أوراق قوة استراتيجية، مستندة هذه المرة إلى دعم سياسي وتقني من الصين وروسيا، إضافة إلى تحركات دبلوماسية إقليمية تحاول احتواء الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وبين تصاعد الحشود وتضييق هامش المناورة، تتراجع القدرة على التنبؤ بمآلات الساعات أو الأيام المقبلة، لتبقى الدبلوماسية الرهان الأخير لفرملة الانفجار المحتمل، وهو رهان يتوقف في جانب كبير منه على مدى استعداد الأطراف، وفي مقدمتها طهران، لتقديم التنازلات المطلوبة دون أن تعتبرها مساسًا بجوهر توازنها الداخلي.