ترجمة وتحرير: نون بوست
تكرر هذا المشهد المألوف في أروقة مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام، حيث انشغلت الأحاديث الفردية بالتنديد بـ”النظام الدولي المزدهر الذي دام لعقود“، والذي بات الآن تحت ضغط غير مسبوق. وكان التجمع، كالمعتاد، يعكس قلقًا عابرًا للأطلسي، مصحوبًا بقدر من الإنكار حيال التراجع التدريجي لهيمنة الغرب.
لكن على بُعد آلاف الأميال، هناك تحول أكثر أهمية يحدث.
داخل “المجمع الوطني لعلوم وتكنولوجيا الطيران والفضاء” في مدينة روالبندي الباكستانية، كان الزوار يتنقلون بين قاعات تصطف على جانبيها نماذج مصغرة لمقاتلات وطائرات مسيّرة قتالية، ويتوقفون عند أجهزة محاكاة الطيران حيث يتدرّب الطلاب على صقل مهاراتهم، ويراقبون المهندسين وهم يوجّهون الشركات الناشئة في تطوير النماذج الأولية.
لم يكن المجمع مجرد معرض صناعي، بل جسّد تحوّلاً بنيوياً يعيد تشكيل الأمن العالمي، حيث تتوسع القوة الجوية لتصبح أكثر ديمقراطية، فيما تنتقل القدرة الجوية الموثوقة من احتكار الدول الغربية الغنية إلى أيدي القوى الصاعدة في الجنوب العالمي.
حيث إنه لعقود طويلة من العصر الحديث، كانت مشاهد كهذه غير واردة خارج دائرة ضيقة من القوى الكبرى. فامتلاك قوة جوية متقدمة كان يتطلب ميزانيات دفاعية ضخمة، وأنظمة تكنولوجة متطورة، وارتباطاً سياسياً بشبكات الأمن الغربية التي كانت تتحكم في الوصول إلى الطائرات المتطورة، وأجهزة الطيران الإلكترونية، والأسلحة الدقيقة.
لقد أصبحت السيطرة على الأجواء امتيازًاً إستراتيجيًّا لحلفاء الولايات المتحدة المقربين، وللاتحاد السوفيتي أو روسيا، ولعدد محدود من الدول الغنية القادرة على تحمّل التكاليف المالية والدبلوماسية اللازمة للحفاظ على أساطيل حديثة. وكانت أنظمة الرقابة على الصادرات والعقوبات والشروط السياسية تضمن أن يظل التحكم في السماء محاطاً بحراسة مشددة. أما اليوم، فإن ذلك الاحتكار الطويل الأمد يتآكل تدريجياً.
كان أحد أمثلة هذا الاحتكار هو سيطرة الولايات المتحدة على مقاتلة إف-16، إحدى أكثر الطائرات القتالية طلبًا خلال الحرب الباردة؛ فقد أنتجتها شركة “جنرال دايناميكس”، وجمعت بين القدرة على القتال الجوي والضربات الدقيقة، وهي ميزة متعددة الاستخدامات أثبتتها عام 1981 حين دمّرت طائرات إف-16 إسرائيلية مفاعل “أوزيراك” النووي العراقي.
بالنسبة لباكستان، أصبحت الـ إف -16 المكافأة الجيوسياسية لقاء دورها كحليف متقدم لواشنطن في طرد السوفييت من أفغانستان بعد عام 1980، بينما ظلّت منافستها الهند تعتمد بدرجة كبيرة على الطائرات السوفيتية خلال الحرب الباردة. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وباكستان بعد عام 2001، حدثت إعادة اصطفاف إستراتيجية في مجال التسلح بجنوب آسيا، وتراجعت هيمنة الغرب على القوة الجوية المتقدمة.
وأصبح من المستحيل تجاهله عندما تحركت واشنطن عام 2020 لمنع تركيا، العضو في حلف الناتو، من الحصول على ترقيات متقدمة لطائرات إف-16 عقب شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة إس-400. وقد كشف القرار أن حتى الحلفاء المقربين يظلون عرضة لقيود التصدير الغربية. وردّت أنقرة بتسريع برنامجها المحلي للطائرات المسيّرة، منتجة منصات منخفضة التكلفة أثبتت فعاليتها القتالية، وسرعان ما أعادت تشكيل ساحات المعارك من أوكرانيا والقوقاز إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، وهو تحول حفزته وسرعته الحرب في أوكرانيا.
على نحو موازٍ، تقدمت باكستان والصين في تطوير طائرة جي إف-17. وقد حمل اسمها رسالة تحدٍ لمنافسيها الغربيين، إذ تشير حروف “جي إف” إلى “المقاتل المشترك” والرقم 17 يوحي بأنها ترقية على طائرة إف-16.
وقد أتاح استعداد الصين لنقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك للأنظمة المتقدمة لباكستان امتلاك مقاتلة متعددة المهام حديثة، قادرة على إسقاط الطائرات باستخدام صواريخ تتجاوز مدى الرؤية، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف أرضية، وتتبع تهديدات متعددة عبر رادار مصفوفة ممسوحة إلكترونياً نشطاً. وبالاقتران مع الطائرات المسيّرة التركية القتالية، حطمت الـ جي إف-17 احتكار القوة الجوية، وأزالت الحواجز المالية والسياسية التي لطالما قيّدت امتلاك قدرة جوية موثوقة على دائرة ضيقة من الدول المتميزة.
بالنسبة لباكستان، كان هذا التحول ذا أبعاد استراتيجية وسمعية في آن واحد فالمقاتلة جي إف-17، التي تم تطويرها بالشراكة مع الصين ويتم إنتاجها بشكل متزايد محلياً، أصبحت الركيزة الأساسية لانتقال إسلام آباد من مجرد مستورد للسلاح إلى قوة فاعلة في مجال الفضاء الجوي. وقد اكتسب هذا التطور شهرة عالمية خلال الصراع الذي استمر أربعة أيام في مايو/ أيار الماضي، حين أسقطت الطائرات الباكستانية مقاتلة “رافال” الهندية التي اشترتها نيودلهي من شركة “داسو” الفرنسية.
لقد أثار ذلك النجاح اهتماماً دولياً واسعاً، وحظي بثناء نادر وعلني من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما عزّز بشكل ملحوظ الاهتمام بالمقاتلة. ومنذ ذلك الحين، توسّع نطاق تصدير الـ جي إف-17 ليشمل نيجيريا وميانمار وأذربيجان والعراق، مع تزايد الاهتمام بها في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.
ومن خلال تقديم بديل فعّال وميسور التكلفة للمقاتلات الغربية والروسية، تعيد باكستان تشكيل خيارات التسلح لدى الدول المتوسطة. فهي لم تعد تكتفي بشراء الأمن، بل باتت تسهم في توفيره، لتضع نفسها في موقع عقدة استراتيجية ضمن منظومة دفاعية عالمية آخذة في التنوع بسرعة.
وتتجاوز تبعات هذا التحول أسواق السلاح، إذ أن الدول الصغيرة والمتوسطة باتت تمتلك للمرة الأولى قوة جوية موثوقة، ما يؤدي إلى تسطيح الهرميات الإقليمية وإعادة معايرة علاقات الردع. وفي مناطق مضطربة من جنوب آسيا إلى الشرق الأوسط والقوقاز، يغيّر هذا الانتشار للقوة الجوية بشكل جذري كيفية التفاوض على النفوذ والضغط والاستقرار.
ويعلّق المقدم ستين كيارغارد من كلية الدفاع الملكية الدنماركية، الذي تابع عن كثب الحرب في أوكرانيا لدراسة ساحات معارك المستقبل: “بالنسبة للقوى المتوسطة، أظهرت الحرب في أوكرانيا أنه من دون قوة جوية فعّالة، لا يمكن للمناورة وحدها أن تحقق نتائج حاسمة في ساحة المعركة. بل إنها تدفع الصراعات نحو حالة جمود استنزافي وتفرض إعادة تقييم لبنية القوات والمفاهيم العملياتية”.
وفي المجمع الوطني لعلوم وتكنولوجيا الطيران والفضاء في روالبندي، لا يقتصر الهدف على تصنيع الطائرات فحسب، بل يتعداه إلى تنمية رأس المال البشري وتعميق القاعدة التكنولوجية التي تدعم الاستقلالية الاستراتيجية طويلة الأمد. ومن خلال دمج تطوير الطيران والفضاء ضمن إطار ريادي، تضع باكستان الأساس لسيادة دفاعية مستدامة، بما يضمن أن قوتها الجوية المتنامية تستند إلى مهارات محلية وقدرات بحثية وصلابة صناعية، بدلاً من الاعتماد الدائم على الخارج.
وقال الفريق الجوي المتقاعد عامر مسعود، الذي خدم في سلاح الجو الباكستاني لأكثر من أربعين عاماً: “من المرجح أن يظل مجال الطيران والفضاء السلاح المفضل لقيادات المستقبل”.
وأضاف مسعود أن المستقبل “يدور حول الحروب غير التلامسية باستخدام ذخائر دقيقة تتجاوز مدى الرؤية، وطائرات مسيّرة هجومية تعمل في أسراب، ومركبات قتالية غير مأهولة مدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي وأدوات دعم القرار. فالدولة التي تحقق تكاملًا وشبكات أفضل ستكون قادرة على تسريع دورة “أوودا” (الملاحظة – التوجيه – القرار – التنفيذ)”.
والنتيجة التراكمية هي إعادة تشكيل ميزان القوة العسكرية العالميو إذ تتراجع هيمنة الغرب على أسواق الدفاع مع بروز مجموعة جديدة من مصدّري السلاح بقيادة تركيا وباكستان والصين، يعيدون تعريف الوصول إلى القدرات الجوية المتقدمة.
ويقول فلافيوس كابا ماريا، رئيس “المعهد السياسي والاقتصادي للشرق الأوسط” في رومانيا: “الأمر لا يتعلق بمجرد بدائل أرخص؛ حيث تقدم هذه الدول حلولاً جديدة للأسواق المقيدة بالشروط السياسية أو آليات التصدير التي يفرضها الغرب. وهذا التغيير يلقى قبولاً خاصاً في الجنوب العالمي، حيث يقوّض هيمنة المورّدين الغربيين على القدرات العسكرية المتقدمة”.
ومع حصول المزيد من الدول على مقاتلات وطائرات مسيّرة قتالية بأسعار معقولة، تتغير علاقات الردع وتتصاعد المنافسات الإقليمية، ما يضخ قدراً من الاستقرار والاضطراب في آن واحد داخل بيئات أمنية هشة.
ولا يؤدي إضفاء الطابع الديمقراطي على القوة الجوية إلى إحلال السلام تلقائيًا، بل يعيد توزيع أوراق الضغط، ويسرّع سباقات التسلح، ويزيد تعقيد الحسابات الاستراتيجية. كما أنه يشير إلى بروز نظام عسكري متعدد الأقطاب بحق، حيث لم تعد القدرة التكنولوجية حكراً على عدد قليل من الدول المتميزة. يتكشف هذا التحول في الزمن الراهن، ليعيد رسم الخريطة الجيوسياسية للسماء، ومعها طبيعة القوة الجوية نفسها.
المصدر: ريسبونسيبل ستيتكرافت
