في 21 فبراير/شباط 2026 اكتفت شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش” بنشر صورة ومقطع فيديو احتفاليين بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لأول تحليق لمقاتلتها من الجيل الخامس “قآن”.
ظهرت في الفيديو ثلاثة نماذج أولية مختلفة للمقاتلة الوطنية: الطائرة التي حلقت لأول مرة في 21 فبراير/شباط 2024 (P0)، والنموذج الذي سيحمل عبء اختبارات الطيران الرئيسة (P1)، ونموذج “الطائر الحديدي” المخصص لاختبارات الأرض والثبات والمعروف بنموذج الاختبارات الستاتيكية TBST‑P.
21.02.2024
Bir milletin azmi, inancı, gücü ve iradesi o gün gökyüzüyle buluştu.
Yerli ve millî imkânlarla geliştirilen, gökyüzündeki bağımsızlığımızın simgesi Millî Muharip Uçağımız #KAAN, iki yıl önce bugün ilk uçuşunu başarıyla gerçekleştirerek tarihimize altın harflerle… pic.twitter.com/FCpIdZC3Ou
— Türk Havacılık Uzay Sanayii (@TUSAS_TR) February 21, 2026
هذا المشهد لم يحدث من قبل ويكشف مدى تسارع المشروع وتحوّله من مرحلة نموذج وحيد إلى برنامج متعدد النماذج يعمل بالتوازي ويستند إلى قاعدة صناعية واسعة.
من فكرة إلى اسم ثم تحليق
بدأت قصة “قآن” باعتبارها مشروع الطائرة القتالية الوطنية الذي أطلقته رئاسة الصناعات الدفاعية في 2016 بعد إخراج الولايات المتحدة لتركيا من برنامج F‑35.
في الأول من مايو/أيار 2023، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان اسم المقاتلة الجديدة أثناء فعالية “مئوية المستقبل”، مشيراً إلى أن الاسم “قآن” والذي يعني “الملك الأعظم” اختير للتأكيد على الجذور التركية واستقلال القرار الوطني.

التحضيرات التقنية كانت تسير بهدوء داخل ورش “توساش”، ففي فبراير/شباط 2024، اجتاز النموذج الأول P0 اختبارات التحمل والتركيب، تلاها تركيب معدات الهبوط.
طار النموذج لأول مرة في 21 فبراير/شباط 2024 لمدة 13 دقيقة ليصل إلى ارتفاع 8 آلاف قدم وسرعة 230 عقدة، وهو ما عنى أن الهيكل وأنظمة الطيران تعمل بشكل متناغم وأن البرنامج دخل مرحلة الطيران الاختباري.
بعدها، في 6 مايو/أيار 2024، أكمل P0 رحلة اختبار ثانية دامت 14 دقيقة وبلغ خلالها 10 آلاف قدم، ما ساعد المهندسين في جمع بيانات لتطوير الاستقرار والأنظمة.
ويعتمد المشروع بشكل كبير على شركات تركية رائدة مثل أسلسان (أنظمة الرادار والحرب الإلكترونية)، وروكتسان (تطوير صواريخ)، وTEI (المسؤولة عن تطوير المحرك المحلي)، بالإضافة إلى شركات طيران وتجميع مثل توساش وهافلسان.
ثلاثة نماذج.. تقسيم للأدوار واختبارات متوازية
الصورة الجديدة التي نشرتها “توساش” في فبراير/شباط 2026 تُظهر ثلاث منصات تعمل بالتوازي:
- P0، يؤدي دور منصة العرض التكنولوجي ويستمر في تنفيذ اختبارات طيران لزيادة المغلفات الارتفاعية والسرعية.
- P1، أول نموذج كامل التجهيز للاختبارات وسيتمثل دوره في اختبارات الأنظمة والقدرات القتالية.
- TBST‑P أو الطائر الحديدي، هيكل كامل الحجم مزود بأنظمة التحكم والمحركات والأجهزة الإلكترونية لإجراء الاختبارات الأرضية القاسية دون المخاطرة بالمقاتلات الطائرة.
وجود هذه المنصات الثلاث جنباً إلى جنب يدل على انتقال المشروع إلى برنامج اختبار متعدد الطرازات بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد، ما يسمح بتقليل الزمن والتكاليف وتحسين التصميم باستمرار.
أظهرت النماذج الجديدة تحسينات جوهرية مقارنة بالنسخة الصفرية الأولى، إذ جرى إعادة تصميم الهيكل الخارجي وتحسين مآخذ هواء المحرك لتعزيز الكفاءة الديناميكية الهوائية والقدرات الشبحية المتمثلة في البصمة الرادارية المنخفضة.
كما عُدّل تصميم معدات الهبوط لتوفير مساحة داخلية أكبر تستوعب حجرات الأسلحة بشكل يضمن عدم التضحية بالتخفي.
ووفقًا لتصريحات رئيس هيئة الصناعات الدفاعية التركية، خلوق غورغون، يعكس هذا الإنجاز اكتمال بناء نظام بيئي صناعي ضخم يضم أكثر من 300 شركة موزعة على 20 مدينة تركية، وبطاقم بشري يتجاوز 5000 موظف، ما يجعل المشروع حافزًا محوريًّا لتطوير البنية التحتية التكنولوجية في البلاد.
المواصفات الفنية.. لغة الأرقام
صُممت “قآن” لتكون مقاتلة سيادة جوية متعددة المهام، وتتجاوز في بعض مواصفاتها مقاتلات غربية وشرقية شهيرة، لا سيما فيما يخص الكفاءة الاقتصادية وحجم الحمولة.
تُقدر تكلفة تطوير البرنامج بأكمله بحوالي 10 إلى 12 مليار دولار، وهو رقم شديد التنافسية مقارنة بتكلفة تطوير مقاتلة “يوروفايتر تايفون” البالغة 60 إلى 65 مليار دولار، ناهيك عن التكلفة الفلكية لبرنامج “إف-35” التي تقارب 1.7 تريليون دولار. أما التكلفة التقديرية للوحدة فتتراوح بين 80 و110 ملايين دولار.
على الصعيد الفني، تتفوق المقاتلة في قدرة التحميل؛ حيث تبلغ حمولتها المفيدة من الأسلحة حوالي 10 إلى 12 طنًّا، متخطية بذلك حمولة “إف-35” الأمريكية المحددة بـ 8.16 طن.
كما زُودت المقاتلة بخوذة “تولغار” المتقدمة التي توفر وعيًا ظرفيًّا استثنائيًّا، فضلًا عن رادار “مُراد” (MURAD AESA) الذي طورته شركة “أسيلسان” للارتقاء بقدرات الحرب الإلكترونية ودمج المستشعرات.
بحسب الكتيبات الرسمية، يبلغ طول “قآن” حوالي 21 متراً وعرض جناحيها 14 متراً وارتفاعها ستة أمتار.
تستخدم الطائرة محركين من طراز GE F‑110 يوفر كل منهما قوة دفع قدرها 29 ألف رطل، وتستطيع الطيران بسرعة 1.8 ماخ على ارتفاع يصل إلى 55 ألف قدم، مع القدرة على مناورة حتى +9g/-3.5g.
كما تضم مخزنين داخليين للأسلحة يسمحان بحمل صواريخ جو–جو وجو–أرض من دون التأثير على البصمة الرادارية. وتمتلك ميزة “السوبر كروز” التي تتيح لها التحليق بسرعات فوق صوتية من دون تشغيل الحارق اللاحق.
تبرز هذه المواصفات تطلع تركيا إلى تصنيع مقاتلة قادرة على تحقيق تفوق جوي وهجوم أرضي بفاعلية عالية في بيئات إلكترونية معقدة.
جداول زمنية طموحة بين الاختبار والإنتاج
بحسب تصريح المدير العام لـ “توساش” محمد دمير أوغلو في يناير/كانون الثاني 2026، فإن الاختبارات على النموذج P0 مستمرة، بينما يُصنَّع ثلاثة نماذج طيران جديدة، ويتوقع أن يكون أول تحليق لـ P1 في يونيو/حزيران 2026.
ويخطط لإطلاق P2 قبل نهاية 2026 وP3 في مطلع 2027، مع إنتاج ستة نماذج اختبارية إجمالاً.
وتوقَّع دمير أوغلو أن تدخل أولى المقاتلات الخدمية، المجهزة بمحركات F‑110، الخدمة في عام 2029 بدلاً من 2028 بسبب كثافة الاختبارات، وأن يتراوح عددها في الدفعة الأولى بين 20 و40 طائرة.
أما الانتقال إلى المحرك المحلي TF35000 فمخطط عام 2032، وهو تاريخ يمثل نقطة التحول نحو الاستقلال التام. فالمحرك هو أكثر عناصر المشروع حساسية، لأنه العنصر الوحيد الذي لا يزال مستورداً.
تشير تصريحات مدير شركة TEI إلى أن المحرك المحلي TF35000 يخضع حالياً لاختبارات التصميم الحرجة، وأنه سيخضع لأول اختبار تشغيل في 2026 قبل دمجه في المقاتلة في عام 2032.
يستخدم المشروع حالياً محركات GE F‑110 الموجودة في مخزون تركيا، لكن الاعتماد على محرك محلي سيمنح أنقرة حرية أكبر في تصدير المقاتلة إلى دول ثالثة من دون قيود أمريكية (ITAR).
ومن الأمثلة على ذلك، أن إندونيسيا أبرمت في يناير/كانون الثاني 2026 اتفاق إطار بقيمة 15 مليار دولار لشراء الطائرة، على أن تنتظر النسخة ذات المحرك المحلي، ما يعكس الرغبة في الحصول على نسخة مستقلة عن القيود الأمريكية.
الجدول الزمني المذكور تؤكده تقارير أخرى: موقع TRT Haber ذكر أن P0 سيعاود الطيران بحلول يونيو 2026 وأن المنصة الجديدة قد تطير هذا العام أو مطلع العام القادم، مع توقع دخول أولى الطائرات المنتجة الخدمة في 2029 ودمج المحرك المحلي في 2032.
يتوافق ذلك مع رؤية وزارة الدفاع التي ترى في المشروع برنامجاً طويل الأمد يتراوح بين عامَي 2029 و2035 للوصول إلى قدرات الجيل الخامس الكاملة.
الأهمية الإستراتيجية والتحديات المقبلة
ظهور ثلاثة نماذج “قآن” معاً يؤشر إلى انتقال البرنامج من مرحلة إثبات القدرة على الطيران إلى مرحلة النضج الصناعي واختبار الأنظمة القتالية. بالنسبة لتركيا، المشروع يحمل دلالات متعددة:
استعادة السيادة الجوية: بعد إقصاء تركيا من برنامج F‑35، يوفر “قآن” بديلاً محلياً يضمن حصول القوات الجوية على طائرة شبحية متقدمة قادرة على أداء مهام التفوق الجوي والهجوم الأرضي، مع دمج تام للأنظمة الوطنية.
نقل التكنولوجيا والتصنيع: المشروع يرسي قاعدة واسعة لنقل التكنولوجيا وتدريب آلاف المهندسين والفنيين، ما سيعود بالفائدة على مشاريع طائرات أخرى مثل الطائرة المسيرة “بيرقدار قزل إلما” أو الطائرة التدريبية “حُرجيت”.
الاستقلال السياسي والتصدير: التقدم في المشروع يتيح لتركيا القدرة على تصدير الطائرة إلى دول حليفة من دون قيود، كما تُظهر الصفقات الأولية مع إندونيسيا. كما يمكن أن يسهم في خلق توازن جديد في المنطقة، إذ تُعد “قآن” منافساً محتملاً لطائرات مثل F‑35 وJ‑35.
مع ذلك، يواجه المشروع تحديات كبيرة، أهمها تطوير المحرك المحلي في الوقت المحدد، والحصول على الدعم المالي المستمر لاجتياز سنوات الاختبار المكثفة، إضافة إلى ضرورة دمج الأنظمة الإلكترونية المتطورة بسلاسة ومقاومة الضغوط السياسية والدبلوماسية الخارجية.
كما ستحتاج تركيا إلى بناء بنية تحتية تدريبية وصيانة متقدمة، وإقناع الطيارين بجدوى الانتقال إلى منصة محلية غير مجربة.