لم يدر بخلد الحركة الصهيونية العالمية ولوبياتها النافذة في مختلف أنحاء العالم أنّ 140 دقيقة فقط قد تكون كافية لتقويض سرديةٍ جرى تشييدها بعناية على مدى عقود؛ سردية دشنها الكيان الإسرائيلي المحتل وروّجت لها شبكات الضغط الصهيونية في الغرب، لتأتي لحظة التفكيك هذه المرة من داخل المعسكر نفسه، وعلى لسان أحد أبرز رموز التيار الإنجيلي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، السفير الأمريكي لدى تل أبيب مايك هاكابي.
ولا تزال أصداء المقابلة التي أجراها الإعلامي الأمريكي المعروف تاكر كارلسون مع هاكابي، والتي بُثّت يوم الجمعة 20 فبراير/شباط، تُلقي بظلالها على المشهدين العربي والدولي، بالنظر إلى ما تضمنته من تصريحات حادة ومباشرة حول “الحق التاريخي” المزعوم، وحدود المشروع الإسرائيلي، وحديث “السلام” واحترام سيادة الدول.
ويصف مراقبون هذا اللقاء بأنه من أخطر ما شهدته الساحة الإعلامية والسياسية خلال العقدين الأخيرين، إذ مثّل في جوهره جولة مفصلية في معركة السردية والوعي بشأن الكيان الإسرائيلي ومشروعه بشكل عام، فقد نجحت دقائق الحوار المعدودة في تفكيك مرتكزات “مشروع الدولة” الإسرائيلي، بل ومشروع الفكرة الصهيونية في بنيتها الأعم.
وبعيدًا عن محاولات بعض الأطراف احتواء ما ورد في اللقاء عبر تصويره باعتباره “حديثًا شخصيًا” صادرًا عن هاكابي بوصفه رجلًا من التيار المسيحي الصهيوني، معروف دعمه المطلق للكيان، وصاحب تصريحات متطرفة في هذا المسار، فإن هذا التأويل يصعب فصله عن موقعه الرسمي كسفير للولايات المتحدة لدى إسرائيل.
فالرجل لم يكن يتحدث بصفته الوعظية أو العقائدية، بل من موقعه السياسي الذي يحمل صفة التمثيل الدبلوماسي المباشر لواشنطن في تل أبيب، وهو ما منح المقابلة وما انطوت عليه من رسائل وإيحاءات ثقلًا مضاعفًا وزخمًا استثنائيًا، ويجعل قراءتها بوصفها مؤشرًا على اتجاهات داخل دوائر التأثير الأمريكية، لا مجرد آراء شخصية معزولة.
سياق مهم.. لماذا تمت المقابلة؟
قبل إجرائه المقابلة مع هاكابي، كان كارلسون قد سبقها بسلسلة لقاءات مع شخصيتين مسيحيتين من الشرق الأوسط، في سياق سعيه لرصد أوضاع المسيحيين في المنطقة، وجاء هذا المسار منسجمًا مع موقعه الإعلامي من جهة، ومع مقاربته العقائدية بوصفه مسيحيًا متدينًا يُبدي اهتمامًا معلنًا بأحوال المسيحيين في مختلف دول العالم من جهة أخرى.
اللقاء الأول عُقد في العاصمة الأردنية عمّان مع رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي الأردني، سعد المعشر، حيث تناول الحديث عوامل استقرار وازدهار الحضور المسيحي في الأردن، بوصفها دولة ذات أغلبية مسلمة، أما اللقاء الثاني فكان مع رئيس أساقفة القدس، حسام نعوم، وتركّز على طبيعة تعامل إسرائيل مع المسيحيين في الأراضي المحتلة، بما في ذلك الإشارة إلى انتهاكات إسرائيلية واعتداءات تمس المسيحيين ومقدساتهم، لا سيما في القدس.
هذا المسار أثار -وفق ما تسرّب في الكواليس- حفيظة هاكابي، الذي بادر بالمطالبة بحوار مباشر “لتقديم الرواية المقابلة” حول أوضاع المسيحيين في الأراضي المحتلة، ومن هنا التقط كارلسون الخيط وشرع في الإعداد للمقابلة المرتقبة، التي يبدو أنها انقلبت على صاحبها، إذ تحولت من فرصة لتصحيح السرد إلى منصة جدلية فاضحة، قد يندم السفير الأمريكي عليها طويلا.
ما أهميتها؟
تنبثق أهمية تلك المقابلة من ثلاثة مسارات رئيسية تفسّر حجم الجدل الذي أثارته وطبيعة التفاعلات التي أعقبتها.
المسار الأول يرتبط بطرفي اللقاء نفسيهما، فمن جهة، يقف كارلسون بوصفه أحد أبرز وجوه اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، وإعلاميًا يتمتع بحضور واسع وشعبية لافتة، لا سيما بين فئة الشباب المحافظ، ويُنظر إليه داخل هذا التيار باعتباره صوتًا مؤثرًا يمتلك قدرة على تشكيل الرأي العام وإعادة توجيه النقاشات الحساسة داخل القاعدة المسيحية المحافظة.
ومن الجهة الأخرى، يبرز هاكابي باعتباره من أكثر الشخصيات تعبيرًا عن التيار المسيحي الصهيوني في أمريكا؛ تيار يتبنى رؤية لاهوتية تعتبر إسرائيل “أرضًا موعودة” وترتكز إلى مقولات دينية حول الاصطفاء والشعب المختار، وبحكم موقعه السياسي والدبلوماسي، فإنه لا يُعد مجرد مناصر فكري لهذا التيار، بل أحد أبرز ممثليه في المجال العام، ما يجعله مرآةً تعكس توجهاته ورهاناته داخل المشهد الأمريكي.
المسار الثاني يتعلق بطبيعة الجمهور المستهدف، فالمقابلة لم تكن موجهة إلى جمهور عابر، بل إلى القاعدة المسيحية الداعمة للصهيونية داخل الولايات المتحدة وخارجها، وهي القاعدة التي شكلت على مدى عقود ركيزة أساسية للدعم السياسي والمالي لإسرائيل، وأحد الأعمدة المؤثرة في منظومة الضغط داخل الداخل الأمريكي، وبالتالي فإن أي اهتزاز في هذه الدائرة أو إعادة طرح للأسئلة داخلها يكتسب وزنًا سياسيًا مضاعفًا.
أما المسار الثالث فيتصل بموضوع المقابلة ذاته، إذ انصب النقاش على واقع المسيحيين في الأراضي المحتلة وطبيعة تعامل إسرائيل معهم، في محاولة لتقديم سردية مضادة لتلك التي عرضها ضيوف كارلسون السابقون، إلى جانب فتح باب النقاش حول طبيعة الموقف الأمريكي من الدعم شبه المطلق لإسرائيل. وهنا تكمن حساسية الطرح، لأنه يمس تقاطعًا معقدًا بين الاعتقاد الديني، والالتزام السياسي، والحسابات الاستراتيجية في السياسة الخارجية الأمريكية.
الملابسات الأولية.. الدولة البوليسية تكشف عن وجهها مبكرًا
الملابسات التي سبقت إجراء اللقاء بدت، في تقدير كارلسون، كاشفةً إلى حدٍ بعيد، وربما أكثر دلالة من المقابلة نفسها، فقد وصف الأجواء العامة بأنها أقرب إلى بيئة “دولة بوليسية”، تحكمها عقلية أمنية استخباراتية صارمة، وتغيب عنها – بحسب تعبيره – المعايير الإنسانية المتعارف عليها في التعامل مع الضيوف والإعلاميين، في ظل ما اعتبره سلوكًا فوقيًا وإقصائيًا في التعاطي مع الآخر، وهو ما يضرب بعرض الحائط الشعارات المزيفة عن الدولة الحضارية المزعومة.
البداية تمثلت في رفض الجانب الإسرائيلي والسفارة الأمريكية توفير حماية لكارلسون وفريقه، ما اضطرهم لتحمل مسؤولية أمنهم الشخصي والمضي في إجراء اللقاء رغم حساسية السياق، وكان من المقرر أن يُعقد الحوار داخل مقر السفارة الأمريكية، قبل أن يُنقل إلى الصالة الدبلوماسية في مطار بن غوريون، وهي الصالة التي انتقد كارلسون حالتها ووصفها بعبارات حادة ( قذرة)، كما أشار إلى أن هاكابي كان محاطًا بأشخاص وصفهم بأنهم أقرب إلى عناصر حماية غير رسمية ( بلطجية).
الأكثر إثارة للجدل، وفق روايته، أن السفارة الأمريكية لم توفر له الغطاء الأمني، بل إن إجراءات تفتيش وُصفت بالمهينة طالت كارلسون وفريقه عقب انتهاء المقابلة، مع احتجاز ثلاثة من أفراد الطاقم لفترة وجيزة قبل إطلاق سراحهم، وأبدى استغرابه من وقوع هذه الإجراءات في وقت كان فيه السفير الأمريكي لا يزال في المطار، من دون تدخل واضح لوقف ما حدث أو تخفيف حدته.
هذه الوقائع دفعت كارلسون إلى طرح تساؤلات علنية حول طبيعة التمثيل الدبلوماسي: هل يتصرف السفير بوصفه ممثلًا لمصالح أمريكا أم لمصالح إسرائيل؟ بل وتجاوز ذلك إلى سؤال أوسع يتعلق بطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، هل تعمل الحكومة الأمريكية لصالح أبنائها أم لصالح تل أبيب؟
ومن بين الملاحظات التي سجّلها خلال اللقاء، أشار كارلسون إلى أن هاكابي بدا -في تقديره – متحفظًا وحذرًا ومرتبكًا في بعض إجاباته، وكأن هناك اعتبارات تحول دون إبداء مواقف قد تُفسَّر على أنها خروج عن الخط الرسمي الإسرائيلي.
وفي قراءة كارلسون، فإن هذا الحذر لم يكن خشيةً من انتقاد المؤسسة الأمريكية، فقد انتقد الجيش الأمريكي خلال المقابلة، بل من إغضاب الجانب الإسرائيلي، ما عزز لديه الانطباع بأن ثمة تقاطعًا عميقًا بين موقع هاكابي الدبلوماسي وأجندة الحكومة الإسرائيلية التي يبدو أنه ينفذها بشكل كبير.
تنبع حساسية هذه المقابلة من طبيعة الأسئلة التي طُرحت خلالها، إذ بدت بسيطة ومباشرة في ظاهرها، لكنها تمس قضايا مصيرية تتعلق بنشأة الكيان الإسرائيلي، وأسس شرعيته السياسية والتاريخية، ورؤيته لمستقبل المنطقة، إضافة إلى النقاش حول ادعاءات الارتباط التاريخي والديني لليهود بالأراضي الفلسطينية.
ورغم بساطة هذه التساؤلات من حيث الصياغة والمنطق، لكنها ناسفة وبشكل كبير للسردية الإسرائيلية والمشروع الصهيوني برمته، ولهذا ظلت تابوهات ممنوع الاقتراب منها لفترات طويلة محفوفًا بالمخاطر، ومقامرة قد تكلف صاحبها سلامته وحياته، إذ كان من يطرحها يواجه في كثير من الأحيان انتقادات حادة أو اتهامات سياسية وأيديولوجية، على رأسها معاداة السامية.
وهنا يرجع الفضل إلى غزة في كسر تلك التابوهات، حيث ساهم الصمود الفلسطيني في مواجهة آلة الحرب الإبادية الإسرائيلية في تعريف العالم بحقوق الشعب الفلسطيني، وإعادة تموضع القضية الفلسطينية على طاولة الاهتمام العالمي بعد سنوات من الغياب.
ومن هنا بات طرح مثل هذه الأسئلة أكثر حضورًا في الإعلام الغربي، ومسألة مقبولة لدى كثيرين ممن كانت تمثل لهم في السابق خطوطًا حمراء لا يمكن الاقتراب منها، ولذا نقول إن كارلسون ما كان له أين يطرح مثل تلك الأسئلة – رغم بساطتها- على هاكابي، لولا غزة التي غيرت المزاج الشعبي العالمي.
تفكيك السردية الصهيونية
ترتكز السردية الصهيونية، في جوهرها، على عدد من المرتكزات الفكرية والتاريخية التي جرى توظيفها سياسيًا عبر عقود، من أبرزها فكرة “الأرض الموعودة” المرتبطة بتفسيرات دينية توراتية تمتد من النيل إلى الفرات، وما يرتبط بذلك من أطروحات حول الاصطفاء الديني ومفهوم “الشعب المختار”، إضافة إلى التأكيد على وجود صلة تاريخية ممتدة بين اليهود المعاصرين وأرض فلسطين.
غير أن المقابلة كشفت أن هذه السردية ليست محل إجماع حتى داخل الأوساط المسيحية الغربية الداعمة تقليديًا لإسرائيل، إذ برز خلال الحوار قدر من التشكيك والمساءلة حول بعض هذه المرتكزات، فكارلسون، رغم انتمائه إلى البيئة المسيحية المحافظة، طرح تساؤلات حول مدى انطباق النصوص الدينية القديمة على الواقع السياسي المعاصر، وألمح إلى وجود جدل تاريخي وديني حول هوية الجماعات المقصودة في تلك النصوص، وحول العلاقة الفعلية بين اليهود المعاصرين وبني إسرائيل تاريخيًا.
كما امتد النقاش إلى مسألة الجذور التاريخية للسكان في فلسطين، حيث أشار كارلسون إلى تعددية الأعراق والديانات التي تعاقبت على المنطقة عبر القرون، من الكنعانيين والسامريين إلى المسيحيين والمسلمين، في محاولة لإبراز تعقيد المسألة التاريخية وصعوبة اختزالها في سردية أحادية تمنح اليهود وحدهم الحق في الأرض.
ومن النماذج الفاضحة التي ساقها كارلسون لتفنيد مزاعم السفير الأمريكي، الجذور العائلية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لافتا أنه جاء من أصول أوروبية شرقية، فكيف يستطيع أن يزعم أن أجداده عاشوا على هذه الأرض وكيف يمكن إثبات هذا الادعاء، وهو ما أصاب هاكابي بالارتباك وعدم القدرة على الرد.
كما ضرب الإعلامي الأمريكي فكرة السلام المزعوم الذي ترفعه الولايات المتحدة وإدارة ترامب التي دشنت مجلسًا عالميًا خاص بنشر السلام في الشرق الأوسط، فكيف لدولة تدعي السلام أن يتحدث سفيرها عن حق إسرائيل في ضم دول أخرى يفترض أن بعضها حليف لأمريكا، وهو ما يضع واشنطن في مأزق كبير أمام حلفائها، ويضرب مصداقيتها في مقتل.
– 14 دولة عربية وإسلامية إضافة إلى الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي أصدرت بيانًا مشتركًا يُدين تصريحات السفير الأميركي لدى "إسرائيل" مايك هاكابي.
– البيان عبّر عن “إدانة شديدة وقلق بالغ” من تصريحات هاكابي التي أبدى فيها قبول سيطرة… pic.twitter.com/mEB4yA695R
— نون بوست (@NoonPost) February 22, 2026
كما أثيرت مسألة الأساس القانوني لقيام إسرائيل، حيث أبدى كارلسون تحفظًا على اعتبار وعد بلفور سندًا قانونيًا دوليًا، واعتبره أقرب إلى تعبير سياسي صادر عن قوة استعمارية في سياق تاريخي معين، وهو طرح يعكس جدلًا أكاديميًا وسياسيًا قائمًا حول مصادر الشرعية التاريخية والقانونية.
وأخيرًا، تطرّق الحوار إلى واقع الصراع على الأرض الفلسطينية، حيث أقرّ هاكابي – كما جاء على لسانه خلال المقابلة- بوجود احتلال قائم، وهو توصيف يحمل دلالات سياسية وقانونية حساسة، كما شهد النقاش سجالًا حول مبررات استخدام القوة ضد الأطفال في غزة.
ففي الوقت الذي أقر هاكابي هذا الحق لجيش الاحتلال رفض كارلسون الأمر من جذوره مهما كانت المبررات، ما أضفى على الحوار بعدًا أخلاقيًا وإنسانيًا واضحًا سقط فيه السفير الأمريكي بامتياز.
بهذا المعنى، تحولت المقابلة من منصة للتأكيد على السردية الإسرائيلية الصهيونية وتبريرها إقليميًا والرد على ما أثير خلال المقابلات السابقة، إلى مساحة كبيرة لتفكيك تلك السردية من جذورها، وإعادة طرح الأسئلة المحرمة قديمًا، والتي كشفت هشاشة الكيان وسرديته المزيفة.
ربما يقول قائل إن ما ورد على لسان هاكابي ليس طرحًا جديدًا؛ فقد سبقه إلى مثل هذه التصريحات التوراتية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من رموز اليمين الإسرائيلي المتطرف، ممن اعتادوا تسويق رؤى توسعية أو تبريرات أيديولوجية للصراع.
غير أن الفارق الجوهري هنا لا يتعلق بجِدّة المضمون بقدر ما يتعلق بهوية المتحدث وموقعه الرسمي، فعندما تصدر هذه اللغة عن سفير أمريكا وممثلها الدبلوماسي لدى إسرائيل، تتبدّل طبيعة التصريحات ووزنها السياسي، ويتحوّل وقعها من خطاب داخلي إسرائيلي موجّه لقاعدته المحلية إلى رسالة ذات أبعاد دولية تُقرأ بوصفها مؤشرًا على اتجاهات داخل المؤسسة الأمريكية أو على الأقل حدود ما يُتاح تداوله من داخلها.
ومن ثم، فإن الدلالات التي تحملها هذه التصريحات، والرسائل التي تلتقطها الأطراف الإقليمية والدولية منها، تكون مختلفة تمامًا وأكثر حساسية وتأثيرًا.
اللوبي الصهيوني
لم يكن في الحسبان أن يترك لقاء من هذا النوع كل ذلك الأثر، وأن يُحدث تلك الصدمة الواسعة وما تبعها من تفاعلات، إذ للمرة الأولى يخرج هذا القدر من الخطاب اليميني المحافظ ، الذي طالما عُدّ أقرب بيئةٍ حاضنةٍ للسردية المؤيدة لإسرائيل، ليطرح أسئلةً من هذا النوع نجحت إلى حد ما في تفكيك السردية الصهيونية وكشف ما يعتريها من هشاشة وتناقضات، على نحو يخالف الصورة الصلبة المتماسكة التي جرى الترويج لها طوال سنوات.
وبهذا المعنى، أحدثت المقابلة هزة واضحة داخل بنية لوبيات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الداخل الأمريكي؛ إذ لم يكن متوقعًا أن تصل مخرجاتها إلى هذا المستوى من التشكيك العلني في المسلمات الصهيونية المتداولة، وأن يتحول النقاش إلى معركة سرديات من داخل التيار المسيحي نفسه—وهي النقطة الأبرز والأكثر إزعاجًا في دلالات المشهد، فهذا ليس اعتراضًا من “الخارج”، بل مراجعة تصدر من “الداخل” الذي كان يُحسب تقليديًا على جبهة الدعم الأشد صلابة.
ومن المرجح، في ضوء طبيعة الاصطفافات داخل السياسة والإعلام الأمريكيين، أن يواجه كارلسون على خلفية هذه الحلقة حملات ضغط وتشويه منظمة من دوائر مؤيدة لإسرائيل، خصوصًا مع بدء ظهور مؤشرات مبكرة لهذا المسار في السجال العام.
President Trump @POTUS
As someone who truly loves you and would take a bullet for you, I really need to know…
Are you seriously going to allow for @TuckerCarlson to disrespect your Jewish daughter @IvankaTrump, your Jewish grandchildren and your Jewish son in law… https://t.co/M8C6dfUBIK
— Laura Loomer (@LauraLoomer) February 22, 2026
فقد بادرت الناشطة الصهيونية لورا لومر إلى إطلاق هجومٍ حاد، داعية في منشور لها على توتير، إلى تحريض الرئيس دونالد ترامب على كارلسون، والمطالبة بقطع الصلة السياسية معه وإبعاده عن دائرة البيت الأبيض، مع الإيحاء بوجود تحركات داخل أوساط جمهورية للضغط في هذا الاتجاه واعتبار ما جرى “انقسامًا” داخل الحزب عشية انتخابات التجديد النصفي.
في المحصلة، أسقطت تلك المقابلة كثيرًا من الأقنعة التي أحاطت طويلاً بسرديات مُعلّبة، وكشفت هشاشة عدد من ركائز الخطاب الصهيوني حين وُضع تحت اختبار الأسئلة المباشرة والمنطقية.
وفي الوقت نفسه، دفعت واشنطن إلى زاوية حرجة أمام المجتمع الدولي، فضلًا عن حلفائها العرب والمسلمين، بعدما أظهرت فجوةً واضحة بين خطابها المعلن حول السلام واحترام السيادة، وبين ما يُقال في سياقات تمثيلها الدبلوماسي على الأرض.