دخلت العمارة الإسلامية مرحلة جديدة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك (705–715م)، جسدت طموحات الدولة الأموية وهويتها السياسية والدينية، إذ أشرف الوليد شخصيًا على مشاريعه المعمارية الكبرى، وجمع فريقًا من الحرفيين المحليين والوافدين، مستخدمًا مواد جُلِبت من أنحاء العالم الأموي، ليبلور أسلوبًا معماريًا يمزج بين التقاليد الكلاسيكية والشرقية ضمن رؤية إسلامية ناشئة.
وقد بنى الأمويون مدنًا جديدة مثل الرملة والقيروان، وطوروا مراكز عمرانية قائمة كالرصافة، وشيدوا قصورًا ومجمعات في بادية الشام والأردن، كما أطلقوا برنامجًا عمرانيًا واسعًا شمل توسعة وتجديد المساجد، مثل المسجد النبوي ومسجد عمرو بن العاص، إلى جانب بناء التحصينات وشبكات الطرق والري، وإنشاء دور سك العملة والمستشفيات (بيمارستانات)، ورغم قصر عمر دولتهم، فقد ظل أثرهم المعماري حاضرًا في العصور اللاحقة.
ذروة الجمال: عمارة المجد في قلب دمشق
في عام 705م، شرع الخليفة الوليد بن عبد الملك (705–715م) في تشييد الجامع الأموي الكبير في قلب دمشق، وفي موقع ذي جذور تاريخية عميقة، لم يكن المشروع مجرد إنشاء مسجد عادي، بل صرحًا معماريًا ضخمًا أعلن ميلاد نموذج عمراني جديد، وقد سخر له الوليد موارد ضخمة قُدرت بنحو 5,600,000 دينار، واستغرق بناؤه قرابة عشر سنوات.

جمع التصميم بين الأعمدة الرومانية والفسيفساء البيزنطية بروح إسلامية، وزُينت أروقته بالرخام والخشب المذهب والفسيفساء التي تصور مناظر طبيعية من أنهار وحدائق، دون تصوير بشري أو حيواني، كما ضم الجامع ضريح نبيّ الله يحيى (يوحنا المعمدان)، وزُود بأنظمة مياه لتلبية حاجات المصلين، ويظل حتى اليوم شاهدًا حيًا على ذروة المجد الأموي.
الأمويون في القدس: الفن في الحرم الشريف
في دراسته عن القدس في العصر الأموي، يشير سليمان مراد إلى أن الأمويين اعتبروا القدس محورًا دينيًا وسياسيًا ضمن مشروع الدولة، فعملوا على ترسيخ قدسية الحرم الشريف وتعزيز مكانة المدينة لدى المسلمين من خلال تطوير العمران الديني والبنية التحتية للقدس.

ويُذكر أن الخليفة عمر بن الخطاب كان أول من فكر في حماية صخرة المعراج التي أسرى منها النبي محمد ﷺ إلى السماء، فأمر بإنشاء مظلة خشبية فوقها لحمايتها من الشمس والمطر، كما بنى عمر بن الخطاب مسجدًا بسيطًا في الجهة الجنوبية من الحرم القدسي بعد الفتح الإسلامي سنة 15هـ/636م، لتكون تلك الخطوة نواةً أولى لتشكل معالم المسجد الأقصى.
ثم انتقل الاهتمام بالقدس إلى مرحلة عمرانية أكثر اتساعًا في العهد الأموي، إذ شهدت المدينة في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان (685–705م) تحولًا نوعيًا حين أطلق مشروع بناء قبة الصخرة (691–692م) في قلب الحرم القدسي، مقدمًا صرحًا مهيبًا جمع بين الابتكار المعماري الإسلامي وفن الكتابة الكوفية.

وتُعد النقوش الداخلية لقبة الصخرة المكونة من آيات قرآنية تؤكد وحدانية الله ونبوة محمد ﷺ من أقدم النصوص العربية الأثرية الباقية، وقد سُجل فيها اسم عبد الملك كراعٍ للمشروع، قبل أن يُستبدل لاحقًا باسم الخليفة المأمون.
ثم تواصل هذا المشروع في عهد ابنه الوليد بن عبد الملك (705–715م) الذي عزز الحضور الإسلامي في القدس بتوسعة وتجديد المسجد الأقصى، كما أمر بإقامة مجمع إداري ملاصق للجانب الجنوبي من الحرم. وكشفت التنقيبات الأثرية الحديثة عن مجموعة مبانٍ تعود إلى العصر الأموي، تضم قصرين ومباني إدارية.
المدن الأموية: عبقرية التخطيط العمراني
امتد الابتكار المعماري في العهد الأموي إلى المدن، فطور الوليد بن عبد الملك أسلوبًا يعكس طموح الدولة، وتواصل الازدهار المعماري في عهد هشام بن عبد الملك، كما لم يقتصر العمران على دمشق، بل شمل تأسيس مدن ومراكز جديدة لخدمة الأهداف الإدارية والعسكرية والاقتصادية والدينية.

كانت البداية في الفسطاط بمصر التي أسسها عمرو بن العاص عام 641م كأول مدينة إسلامية جديدة، وقسمت إلى قطاعات إدارية ودينية وسكنية واقتصادية، وضمت مسجدًا كبيرًا ومجمعًا قصريًا ضخمًا.
وقد شهدت الفسطاط نهضة عمرانية كبيرة في العهد الأموي، فبنى الأمويون مقياسًا للنيل ووسعوا جامع عمرو بن العاص، وشُيدت في المدينة الكنائس أيضًا، وكما يوضح خالد عزب في “كتابه الفسطاط: النشأة.. الإزدهار.. الانحسار”، فقد تحولت مدينة الفسطاط خلال العهد الأموي إلى نموذج متكامل للمدينة الحقيقية المختلطة سكانيًا.

وعلى غرار الفسطاط، أنشأ الأمويون مدنًا أخرى مثل الرملة والقيروان التي تأسست في سبعينيات القرن السابع عاصمةً لإفريقية، ومنها امتد الفتح إلى طنجة، قبل عبور المضيق إلى الأندلس سنة 711م، وكانت القيروان أعظم مدينة في المغرب، وأكثرها تجارة وأموالًا وأحسنها منزلًا وأسواقًا.
ويذكر الدكتور علي محمد الصلابي في كتابه الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار، المجلد الأول، أن الحركة العلمية المنظمة في بلاد المغرب لم تبدأ إلا بعد تأسيس مدينة القيروان سنة 50هـ، والتي تحولت إلى مركزٍ للحضارة الإسلامية في المغرب، واستقطبت أعدادًا كبيرة من البربر الذين قصدوا القيروان لتعلم الدين.

كما تمثل قلعة عمان نموذجًا بارزًا للمدينة على هضبة الوادي في العالم الإسلامي، شُيدت القلعة في النصف الأول من القرن الثامن لتكون مقرًا لحاكم البلقاء، وانقسمت إلى المدينة السفلى التي احتفظت بالكنائس إلى جانب المسجد الجديد، والقلعة العليا التي ضمت قصرًا كبيرًا ومسجدًا مركزيًا وسوقًا ومساكن، إضافة إلى مرافق إدارية وعسكرية مثل دار سك العملة والحامية العسكرية.
أما في فلسطين، فقد أسس سليمان بن عبد الملك (715–717م) مدينة الرملة لتكون مركزًا إداريًا جديدًا، وأقام فيها قصرًا ومسجدًا، إلى جانب بنية تحتية لإمداد المياه، مع تنظيم عمراني أتاح للسكان البناء ضمن إطار تخطيطي محدد.

وفي السياق نفسه شهدت مدن مثل بيسان وجرش خلال القرن الثامن الميلادي عمليات إعادة تنظيم وتطوير، شملت إنشاء مساجد كبرى ومبانٍ تجارية وإدارية، ولم يقتصر النشاط العمراني على المدن، بل امتد إلى الريف، حيث ظهرت مجمعات عمرانية في منطقة البلقاء جنوب عمان، مثل موقع أم الوليد، الذي ضم منشآت محصنة ومسجدًا وثلاث قلاع وبنى مرتبطة بالنشاط الزراعي وإدارة الموارد المائية.
كذلك شهدت الرصافة نشاطًا عمرانيًا مكثفًا في عهد هشام بن عبد الملك (724–743م) الذي أنشأ مجمعين قصريين على طريق دمشق وشمال سوريا، مع إعطاء الأولوية للمناطق الحدودية شمال الفرات لتعزيز السيطرة العسكرية والاقتصادية، وإقامة مراكز محصنة تتحكم في الطرق والممرات الاستراتيجية.

أما مدن شمال بلاد الشام مثل حلب والرها، فقد برهنت على التنوع الحضاري في العصر الأموي، حيث تفاعلت فيها العناصر اليونانية والعربية والسريانية واليهودية، وشهدت هذه المدن مرحلتين من البناء، الأولى بعد الفتح لإنشاء أماكن عبادة صغيرة، والثانية في القرن الثامن ببناء مساجد بارزة في وسط المدن، مع الحفاظ على دور العبادة للطوائف الأخرى.
ويرى عددٌ من الباحثين أن المدن الأموية تمثل إحدى أبرز صور التشكل الحضري المبكر في العالم الإسلامي، إذ أُنشئت لتؤدي وظائف إدارية وعسكرية واقتصادية ودينية متداخلة، ويمكن النظر إلى التجربة الأموية بوصفها مرحلة تأسيسية في مسار تطور التخطيط الحضري الإسلامي.

قلاع الصحراء الأموية: ابتكار في قلب الصحراء
شكلت القصور الأموية في العهد الأموي مراكز للسلطة السياسية والعسكرية والإدارة الاقتصادية، كما كانت هذه القصور مختبرًا للابتكار المعماري والفني بعيدًا عن التقليد البيزنطي أو الفارسي، حيث ظهرت فيها جداريات مزخرفة بمشاهد بشرية ونباتية، إلى جانب استخدام القباب.

ويُعد قصر عمرة نموذجًا مهمًا لفهم التحولات العمرانية في سوريا تحت الحكم الأموي، إذ جسد التفاعل بين التأثيرات العربية والبيزنطية والساسانية والمحلية، وكان جزءًا من شبكة أوسع من القصور الصحراوية المرتبطة بأنظمة الري والزراعة والتحصينات والمساجد، والتي امتدت على طول طرق التجارة والحج، وقد تم تنفيذ هذه المشاريع بمعرفة حرفيين محليين، مع مشاركة بعض الحرفيين الوافدين المهرة.

كذلك يبرز قصر الحير الشرقي كأحد أهم القصور الأموية، يقع بين تدمر ونهر الفرات، ونُسب تأسيسه إلى هشام بن عبد الملك، وينقسم إلى جزأين، الأول قصر للاجتماعات مع القبائل، والثاني أكبر ويضم مساكن للنخبة ومسجدًا وخزان ماء وحمامات ومعاصر زيتون ومناطق سكنية وزراعية واسعة.
ووفقًا لدراسة دينيس جينيكواند عن العوامل الاقتصادية والسياسية وراء قلاع الصحراء الأموية، فلم تكن تلك القصور قائمة بمعزل عن محيطها، بل كانت نواة لمجمعات أكبر تضم مساجد وحمامات ومساكن وأنظمة ري وسدود، إضافة إلى منشآت صناعية لمعالجة المنتجات الزراعية كمعاصر الزيت وطواحين المياه.

ومع تولي هشام بن عبد الملك الحكم (724–743م)، تعزز الاهتمام بالأقاليم الشمالية والثغور البيزنطية، فشهدت منطقة الجزيرة الفراتية والطرق الواصلة بين دمشق والرصافة نشاطًا عمرانيًا ملحوظًا. ويُنسب إلى هشام تشيد مجمعين على الطريق بين دمشق والرصافة، وتطوير المراكز الحدودية شمال الفرات ووادي البليخ، بما في ذلك حصن مسلمة وأراضي باليس لتأمين الطرق الاستراتيجية.

ويُقدر عدد هذه القلاع الأموية بحوالي 41 متناثرة بين صحاري سوريا والأردن. وبالتالي تشكل “قلاع الصحراء الأموية” أحد أبرز الشواهد المادية على الحضور الأموي في المجال المعماري، وتتيح اليوم قراءة متكاملة للأبعاد المعمارية والسياسية والاقتصادية لذلك العصر.
ختامًا، رغم أفول دولة الأمويين، بقي عمرانها شاهدًا على مجدٍ خالد في ذاكرة الحضارة الإسلامية، وتبدو تجربة الأمويين في التخطيط العمراني أقرب إلى رسالةٍ مفتوحة لدمشق اليوم وهي تبحث عن صيغةٍ جديدة تعيد بها ترتيب فضائها بعد ما مرت به من تحولات، فقد قدمت المدن الأموية نموذجًا لمدن قادرة على احتضان التنوع وتنظيم شؤونها الدينية والإدارية والاقتصادية في نسيجٍ واحد متكامل.