ساعةً بعد أخرى تتسارع تطورات المشهد الإقليمي على نحو يوحي باقتراب “ساعة الصفر” لمواجهة أمريكية إيرانية محتملة، ففي الوقت الذي تواصل فيه الولايات المتحدة حشدًا عسكريًا لافتًا في المنطقة، تزامنًا مع تقارير عن اقتراب وصول حاملة الطائرات العملاقة “جيرالد فورد” إلى مسرح العمليات، إلى جانب حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، تشير معطيات أخرى إلى أن طهران بدورها لا تقف موقف المتفرج.
ووفق ما تداولته صحف أمريكية، تُكثّف إيران استعداداتها تحسبًا للحظة المواجهة على أكثر من مسار، سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا، وسط حديث عن حضور روسي صيني هذه المرة؛ بما يجعل أي ضربة محتملة سيناريو مغايرًا تمامًا لما شهدته المنطقة خلال حرب الأيام الـ 12 الماضية، سواء من حيث التوازنات أو حدود الاشتباك.
يأتي ذلك فيما لا يزال المسار التفاوضي قائمًا، مع الاستعداد لجولة ثالثة من المحادثات في جنيف، وهي جولة يعوّل عليها مراقبون باعتبارها قد تفتح نافذة لتنازلات متبادلة تُبعد شبح الحرب وتنحي الأيدي بعيدًا عن الزناد، لكن سقف التصعيد يبقى حاضرًا في الخلفية، في ظل تهديدات الرئيس دونالد ترامب، الذي لوّح بأن فشل المفاوضات في تحقيق اختراق ملموس قد يدفع نحو خيار المواجهة المفتوحة، وهي رسائل قابلتها طهران بتأكيد جاهزيتها لأي سيناريو.
في هذه الإطلالة، نسلّط الضوء على ملامح الاستعداد الإيراني لفرضية الصدام مع أمريكا، وكيف يقرأ النظام في طهران إشارات التهديد المباشر الصادرة عن واشنطن، وما الاستراتيجيات التي يمكن أن يستند إليها لتعطيل الضربة أو تقليص أثرها وإرباك قدرتها على تحقيق أهدافها كاملة.
إعادة ترتيب هرم القيادة
من بين الخطوات الأكثر دلالة في سياق الاستعداد الإيراني لسيناريوهات التصعيد، ما كشفته صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير استقصائي تحدث عن أن المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، أصدر حزمة توجيهات داخلية سرّية تستهدف منع حدوث أي “فراغ قيادي” في حال انقطاع التواصل معه أو تعرضه لعملية اغتيال، وذلك في إطار التحسب لما وصفته الصحيفة بـ”مرحلة اضطراب غير مسبوقة” قد تفرضها احتمالات اندلاع مواجهة مباشرة مع أمريكا أو إسرائيل، وما قد يتبعها من تهديدات تمس تماسك النظام وآليات وراثة منصب المرشد ذاته.
وبحسب التقرير، تتضمن هذه التوجيهات تسمية أربعة مستويات من البدلاء لكل منصب عسكري أو حكومي حساس يعيّنه المرشد شخصيًا، بما يضمن استمرارية عمل مؤسسات الدولة وسلاسة القرار التنفيذي حتى في حال تعرض سلسلة القيادة العليا للشلل أو الانقطاع.
كما أشارت الصحيفة إلى أنه خلال فترة اختفاء خامنئي في حرب الـ 12 يومًا الماضية، كان قد حدد بالفعل ثلاثة أسماء مرشحة لخلافته، ظلت طيّ الكتمان بهدف ضمان انتقال منضبط للسلطة في “اللحظة الحرجة”، فيما برز اسم أمين مجلس الأمن القومي، علي لاريجاني بوصفه أحد أكثر الشخصيات نفوذًا في المشهد الحالي، يليه الرئيس الأسبق حسن روحاني.
• كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي كلّف رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي وعددًا من المقربين بإدارة شؤون البلاد وضمان استمرارية الحكم في حال اندلاع حرب أو تعرضه لاغتيال.
• أوضح التقرير أن خامنئي وضع خطة طوارئ تتضمن أربع طبقات للخلافة في… pic.twitter.com/SfSTbGWzbS
— نون بوست (@NoonPost) February 22, 2026
وتضيف الصحيفة، نقلًا عن مصادرها الخاصة، أن المرشد اتجه إلى توزيع جانب من الصلاحيات التنفيذية ضمن ما يمكن وصفه بـ”مثلث قوة” يضم علي لاريجاني، و رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، والمستشار العسكري للمرشد، اللواء رحيم صفوي، بما يعكس توجهًا نحو تعزيز مبدأ “استمرارية الحكم” وتحصين مركز القرار من أي ارتباك محتمل في لحظات الضغط القصوى.
وتنطوي هذه الإجراءات على هدف مركزي يتمثل في تعطيل منطق “الضربة القاضية” الذي يقوم على افتراض أن استهداف رأس النظام—وتحديدًا المرشد—قد يفضي سريعًا إلى انهيار البنية السياسية، فالرسالة التي يسعى النظام الإيراني إلى تثبيتها هنا هي أنه قادر على الاستمرار حتى في أكثر السيناريوهات قسوة، وهو ما يعزز من معادلات الردع عبر تقليص جدوى الرهان على استهداف القيادة العليا كمدخل لحسم المواجهة.
وفي الوقت ذاته، تحمل هذه الترتيبات رسائل تطمين للداخل، خاصة أن النظم ذات الطابع الشخصاني ترتبط فيها درجة التماسك العام بوزن القائد وموقعه المركزي، ومن ثم، فإن تحديد البدائل مبكرًا وإعادة ترتيب الهرم القيادي يهدف إلى قطع الطريق على أي سباق نفوذ داخل النخبة، وضبط توازنات مراكز القوة—لا سيما بين المؤسسة الدينية وقيادات الحرس الثوري—إضافة إلى ترسيخ قناعة لدى القواعد الحاضنة للنظام بأن الانتقال، إن وقع، سيكون سلسًا ومحسوبًا ومُدارًا مسبقًا لا وليد ارتباك اللحظة.
تعزيز القدرات العسكرية
على الصعيد العسكري، تسير طهران وفق ثلاثة مسارات متوازية لتعظيم قدراتها ورفع كلفة أي ضربة محتملة، تجمع بين تعزيز الدفاعات، واستعادة قوة الردع الصاروخي، وتحصين الأصول الحساسة.
المسار الأول يتعلق بإنعاش الجهوزية عبر صفقات وتسليح من “المعسكر الشرقي”، فبحسب ما كشفت عنه تقارير غربية، اتجهت إيران إلى تفعيل قنوات التسليح مع حلفائها، وفي مقدمتهم روسيا والصين.
وفي هذا السياق، تحدثت تقارير عن إبرام طهران وموسكو صفقة تزوّد روسيا بموجبها إيران بمنظومات دفاع جوي محمولة على الكتف من طراز Verba، بما يعزز قدرات التصدي للأهداف الجوية على الارتفاعات المنخفضة—لا سيما الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز وبعض أنماط الطيران المنخفض—ويضيف طبقة دفاعية مُربِكة لسيناريوهات الهجوم الجوي.
وفي الإطار ذاته، أشارت تقارير موازية إلى ما يشبه جسرًا جويًا لطائرات شحن صينية من طراز Y-20 إلى مطارات إيرانية، ترافقه تكهنات بشأن احتمالات دعم تقني أشمل—من بينها تزويد طهران برادارات متقدمة قادرة على تحسين كشف الأهداف ذات البصمة المنخفضة، مثل YLC-8B، إضافة إلى إسناد فني في مجالات الملاحة والخرائط الفضائية ورفع كفاءة الوعي الميداني.
• كشفت صحيفة فاينانشال تايمز عن صفقة سرية أبرمتها إيران مع روسيا بقيمة 500 مليون يورو، لشراء آلاف الصواريخ المتطورة المحمولة على الكتف.
• ينص الاتفاق الموقع في موسكو خلال ديسمبر على تزويد طهران بـ500 وحدة إطلاق من طراز "فيربا" و2500 صاروخ من طراز "9إم336" على ثلاث دفعات بين… pic.twitter.com/I1WTVrMsAo
— نون بوست (@NoonPost) February 22, 2026
أما المسار الثاني فيتعلق بترميم وتحديث الذراع الصاروخية والمسيّرات بعد أضرار الحرب الأخيرة، ويرتبط هذا المسار بمحاولة استعادة توازن الردع الذي تضرر خلال المواجهة الماضية، عبر إعادة بناء المخزون وتطويره.
ووفق تقارير متعددة، كثّفت إيران خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة إنتاجها من المسيّرات، إلى جانب تصنيع دفعات جديدة من الصواريخ الباليستية، وهي خطوات أعادت إثارة القلق لدى الولايات المتحدة وإسرائيل بالنظر إلى ما تمثله من تهديد كمي ونوعي في أي تصعيد قادم.
فيما يتعلق المسار الثالث بالتحصين والتأمين، خصوصًا للمنشآت النووية ومخزون اليورانيوم المخصب، عبر رفع مستوى التحصينات وإعادة توزيع بعض الأصول ذات القيمة الاستراتيجية، وتشديد الإجراءات الأمنية حول المراكز المرتبطة بالبرنامج النووي، حيث تُشير قراءات متداولة لصور الأقمار الصناعية إلى إجراءات تهدف إلى تعقيد مهمة الاستهداف المباشر وتقليل فرص إحداث “ضربة حاسمة” تُصيب القلب التشغيلي للبرنامج أو مخزونه.
بهذه المسارات الثلاثة، تعمل إيران على الجمع بين طبقات دفاع أقرب للميدان، وقدرة ردع هجومية قابلة للاستعادة، وإجراءات تأمين تمنع أمريكا من تحقيق أهدافه كاملة—وهو ما يفسر لماذا تُقرأ أي مواجهة قادمة، إن وقعت، باعتبارها مختلفة من حيث التعقيد والامتدادات مقارنة بما سبق.
الإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحًا
بالتوازي مع إعادة ترتيب هرم القيادة وتعزيز الجاهزية العسكرية، تُبقي طهران باب الدبلوماسية مواربًا مع واشنطن، في محاولة لخلق مسار موازٍ يحدّ من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
وخلال جولتي التفاوض الماضيتين، في مسقط وجنيف، أظهرت إيران قدرًا لافتًا من المرونة، عبر طرح أفكار وتنازلات مرتبطة بملفها النووي كانت تُعدّ في مراحل سابقة من “الخطوط الحمراء”، من بينها الحديث عن نقل جزء من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى دول أخرى، وخفض مستوى التخصيب لفترة زمنية ممتدة قد تصل إلى خمس سنوات إلى جانب توسيع نطاق رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
• أظهرت بيانات استخبارات مفتوحة أن الولايات المتحدة رفعت وجودها العسكري في الشرق الأوسط إلى أعلى مستوى منذ احتلال العراق عام 2003، وسط تصاعد التوتر مع إيران.
• عمليات الرصد كشفت عن نشر عشرات المقاتلات وطائرات الإنذار المبكر، بينها 12 طائرة إف-22 انتقلت من قاعدة لانغلي-يوستيس… pic.twitter.com/YpXSXabKj4
— نون بوست (@NoonPost) February 22, 2026
وتسعى طهران من خلال تلك المرونة التفاوضية إلى تحقيق جملة أهداف متداخلة، في مقدمتها رفع أو تخفيف العقوبات التي تُثقل اقتصادها، وشراء الوقت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، عبر تقليص الذرائع التي قد تُستخدم لتبرير ضربة عسكرية، وتفريغ الزخم السياسي والأمني المصاحب لها، وإعادة توجيه الصراع إلى مساحة تفاوضية أقل تكلفة.
وفي السياق نفسه، تُكثّف إيران حراكها الدبلوماسي إقليميًا، عبر مسارات الوساطة التي تنخرط فيها بعض الدول، وفي مقدمتها عُمان، بهدف الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة لأطول فترة ممكنة، فيما تقدم تلك المقاربة بوصفها إشارة حسن نية للجانب الأمريكي، تؤكد من خلالها استعدادها للاستمرار في منطق التفاوض والدبلوماسية، خصوصًا في ظل إدراك الطرفين أن أي عمل عسكري واسع قد يفرض كلفة باهظة وغير مضمونة النتائج على الجميع.
كيف تُقرأ تلك الاستعدادات؟
بطبيعة الحال لا تُقرأ هذه الاستعدادات على اختلاف مستوياتها بوصفها تجهيزات لمعركة خاطفة أو ضربة محدودة، بقدر ما تبدو أقرب إلى إدارة مركّزة لسيناريو حرب شاملة طويلة الأمد؛ سيناريو يتطلب إبقاء كل البدائل والاحتمالات حاضرة على طاولة التخطيط، من استمرارية القيادة إلى حماية البنية الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.
وتشير كثافة هذا الحشد إلى أن طهران باتت تتعامل مع التهديدات العسكرية الأمريكية باعتبارها خطرًا وجوديًا لا مجرد أداة ضغط لإجبارها على تنازلات إضافية، فإعداد ترتيبات تضمن استمرار النظام حتى في حال استهداف رأسه، بالتوازي مع تعزيز القدرات العسكرية وفتح مسارات تعاون لوجستي وتقني مع روسيا والصين، يعكس انتقال القيادة الإيرانية من مرحلة دراسة السيناريوهات المتعددة إلى تبني “السيناريو الأسوأ” باعتباره الأكثر ترجيحًا على أرض الواقع.
وفي مقابل ذلك، تشير التقارير إلى أن ترامب أبلغ مستشاريه أنه إذا أخفق المسار الدبلوماسي أو حتى ضربة أمريكية محدودة في دفع إيران إلى التخلي عن برنامجها النووي، فقد يتجه خلال الأشهر المقبلة إلى بحث خيار هجوم أوسع نطاقًا، تتجاوز أهدافه حدود “الردع” إلى محاولة تقويض النظام نفسه.
ضمن هذا المناخ المشحون، تنطلق الجولة الثالثة من المفاوضات يوم الخميس 26 من الشهر الجاري في جنيف على وقع تهديدات غير مسبوقة، ورغم أن “ساعة الصفر” لم تُحدَّد بعد، فإن المشهد يظل مفتوحًا على مسارات متقاربة الاحتمال، من تسوية دبلوماسية تُنهي الأزمة على طاولة التفاوض، إلى انزلاق نحو حرب شاملة قد تعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط برمّته، وربما تذهب إلى ماهو أبعد من ذلك.