يعود تاريخ الحصار الإسرائيلي المُشدَّد على قطاع غزة إلى ما يقارب عقدين من الزمن، وهي فترة لم يحظَ خلالها القطاع بأي وضع طبيعي على مستوى المعابر التجارية الخاضعة لسيطرة الاحتلال، فمنذ فرض الحصار، حافظت إسرائيل على قوائم مطوّلة من المحظورات الممنوع إدخالها إلى القطاع ضمن ما تُسمّى بقوائم “الاستخدام المزدوج”، التي تدّعي أنها قد تخدم المقاومة الفلسطينية.
ومع اندلاع حرب الإبادة، انتقل الحصار إلى مستوى أكثر قسوة، إذ تصاعدت تصريحات قادة الاحتلال حول فرض أقسى أشكال الخنق الاقتصادي والإنساني على القطاع، وصولًا إلى التعهد بعدم إدخال “حبّة إسبرين واحدة” ولا “حبّة قمح واحدة” إلى غزة، التي كانت تتعرض في الوقت ذاته لعدوان مكثّف استخدمت فيه إسرائيل مختلف صنوف القوة والقتل، بما في ذلك التجويع والحرمان من الدواء.
ومع السيطرة الإسرائيلية المباشرة على معبر رفح في السابع من مايو/أيار 2024، دخل الحصار طورًا جديدًا أكثر إحكامًا؛ إذ أصبحت جميع معابر القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، ماديًا وإجرائيًا، بما نسف عمليًا المنظومة السابقة لإدارة المعابر.
وفي هذا السياق، استحدث الاحتلال آليات عمل جديدة عبر عدد محدود من التجار في القطاع، مُنحوا امتيازات خاصة مكّنتهم من لعب دور الوسيط في تحديد ما يدخل وما لا يدخل، في وقت كان فيه سكان غزة يتساقطون جوعًا ومرضًا بفعل النقص الحاد في الإمدادات.
ورغم هذا الإحكام للحصار، برز خلال الأشهر الماضية لغز لافت: كيف ظهرت بعض البضائع في أسواق القطاع فجأة، دون إعلان عن تخفيف للحصار أو تعديل في آليات إدخال السلع؟ ومن يقف خلف تدفّقها في ظل منظومة يُفترض أنها من الأكثر تشددًا في العالم؟
هذا السؤال فتح الباب أمام مسارين تفسيريين رئيسيين: الأول اقتصادي، يرتبط بتعزيز نفوذ شبكات “تجّار الحرب” المتعاونين مع الاحتلال وإعادة تشكيل بنية السوق في القطاع؛ والثاني أمني–استخباراتي، يتصل بإمكانية استخدام البضائع المهرّبة كغطاء لعمليات اختراق أمني داخل غزة.
غير أن ما كشفته التحقيقات والتقارير الإسرائيلية لاحقًا أظهر أن ما يجري يتجاوز هذين المسارين، ليقود إلى شبكة معقّدة من التهريب والفساد والاغتناء على حساب معاناة السكان، ويطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة ما يحدث داخل منظومة الحصار ذاتها.
إشارات متعددة و”جرائم اقتصادية”
على الرغم من أن أطرافًا فلسطينية، بما في ذلك جهات حكومية في قطاع غزة وأجهزتها الأمنية، كانت قد شخصت مبكرًا وجود خطوط فساد، وأشارت إلى أن “ضباطًا كبارًا في جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك)، وكذلك في الجيش الإسرائيلي، متورطون في إدخال بعض البضائع المصنّفة محظورة، خصوصًا في الوقت الراهن، مقابل حصولهم على رشاوى طائلة من أموال التنسيق المدفوعة”، فإن تلك الاتهامات ظلّت، لفترة طويلة، في إطار الرواية الفلسطينية التي لم تجد صدى رسميًا إسرائيليًا.
غير أن المشهد بدأ يتبدّل مع ما كشفته قناة “12” العبرية في يوليو/تموز 2025، إذ أفادت بأن إسرائيليَّين، أحدهما عضو كنيست سابق عن حزب “الليكود”، والآخر نائب رئيس بلدية كريات جات حاليًا ويدعى يغئال واينبرغر، تمكّنا خلال أشهر من تهريب بضائع إلى غزة ضمن 80 شاحنة مساعدات، عبر غطاء من “منظمة دولية” تدعم الفلسطينيين في القطاع.
وبحسب القناة، جرى وضع علب سجائر ومنتجات تبغ الأرجيلة بدلًا من معجون الطماطم (الصلصة)، على أن تُباع هذه البضائع بأسعار باهظة جدًا داخل القطاع. وأورد التقرير أن المتورطين طلبا من رجل أعمال إسرائيلي استثمار خمسة ملايين شيقل في المؤسسة الخيرية الدولية التي يتزعمان فرعها في إسرائيل، مقابل صافي أرباح بنسبة 25%، مستندين إلى عقد شراكة صوري.
ليتبيّن لاحقًا أن الهدف الفعلي كان تأمين تمويل لشراء كميات هائلة من التبغ والسجائر تمهيدًا لتهريبها إلى غزة. وأشارت القناة إلى أن الجيش الإسرائيلي أوقف إحدى الشاحنات، وبعد مخاطبة المنظمة الدولية التي استُخدم شعارها، تبيّن أنها لم تكن على علم بما يُفعل باسمها.
وفي السياق ذاته، نشرت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، في مايو/أيار 2025، تقريرًا حول اعتقال السلطات الإسرائيلية عددًا من الجنود المنظمين في الجيش، إلى جانب مدنيين، للاشتباه بتورطهم في تهريب بضائع وسلع إلى قطاع غزة.

ووفق التقرير، فإن المشتبه بهم ضمّوا جنودًا إسرائيليين، يهودًا وعربًا، إضافة إلى مدنيين من البدو في النقب، خططوا لتهريب مئات علب السجائر وكميات كبيرة من المواد المخدّرة عبر شاحنات المساعدات الداخلة إلى غزة من خلال معبر كرم أبو سالم.
وجاء في التقرير أن قيمة البضائع المضبوطة تُقدّر بملايين الشواقل، إذ تُباع علبة السجائر الواحدة في غزة بنحو 2000 شيقل (على أساس أن الدولار يساوي نحو 3.5 شيقل)، فيما يصل سعر الكرتونة إلى قرابة 20 ألف شيقل، في ظل الحصار المطبق الذي تفرضه سلطات الاحتلال على القطاع خلال حرب الإبادة المتواصلة.
كما أشار التقرير إلى أن الاعتقالات جاءت بعد دخول الشاحنات المحمّلة بالبضائع المهرّبة عبر معبر كرم أبو سالم، حيث ضُبطت البضائع داخل بعض الأكياس، وضُبط بحوزة أحد الجنود المعتقلين مئات آلاف الشواقل نقدًا.
وفي تطور موازٍ، أقرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، في تقرير حديث، بوجود تواطؤ من أجهزة أمنية إسرائيلية، بما في ذلك الجيش والشرطة، في عمليات تهريب واسعة النطاق من إسرائيل إلى قطاع غزة عبر معبر “كيسوفيم”. وذكرت الصحيفة أنه رغم كشف جانب من هذه العمليات في نهاية عام 2025، فإن الأجهزة الأمنية لم تصنّفها على أنها “تهديد أمني”، بل حُصرت في إطار “جرائم اقتصادية” فحسب.
وتشير المعلومات التي سمحت المحكمة الإسرائيلية بنشرها إلى أن عمليات التهريب تواصلت على مدى أشهر، وشملت بضائع مرتفعة القيمة مثل هواتف خليوية متقدمة، حواسيب محمولة، بطاريات، ألواح شمسية، مواد بناء، مركبات، ودراجات نارية. وتقدّر جهات عسكرية أن قيمة شاحنة بضائع تُقدّر بنحو 100 ألف شيقل داخل إسرائيل قد تصل إلى نحو نصف مليون شيقل داخل غزة، بفعل الفجوة السعرية الناجمة عن الحصار.
ورغم تعدد الإشارات الواضحة التي توحي بأن الأمر يتجاوز كونه حوادث معزولة، تجنّب الاحتلال لأشهر الخوض في مسارات تحقيق جديّة تكشف الخلفيات الكاملة لما يجري على معابر القطاع، وهو ما عزّز المخاوف الفلسطينية حتى بعد انكشاف عدد من خيوط عمليات التهريب.
ووفقًا لتحليل “يديعوت أحرونوت”، فإنه على الرغم من اتساع نطاق التهريب، وطبيعة البضائع، وكون بعضها يُصنّف ضمن مواد “الاستخدام المزدوج” التي قد تُعزّز نفوذ حركة حماس في غزة، لم تتعامل الأجهزة الأمنية مع الوقائع باعتبارها مسألة أمنية. بل أُحيلت القضية إلى المسار المدني–الاقتصادي، كما لو كانت مخالفة جمركية اعتيادية، وتولّت مصلحة الضرائب وشعبة الجمارك التحقيق فيها، في تصنيف يعكس تقليلًا متعمدًا من دلالاتها الأمنية والسياسية.
مسارات مُعقّدة ومبالغ طائلة
وفقًا للوائح الاتهام الإسرائيلية، فإن المتهمين – وبعضهم من جنود الاحتياط في جيش الاحتلال – تورّطوا، إلى جانب آخرين، في تهريب بضائع تصنّفها إسرائيل على أنها ممنوعة إلى قطاع غزة، بصورة منهجية ومُحكمة. واستغلّوا في ذلك نقاط الضعف في المعابر والأنشطة العسكرية في المنطقة، مقدّمين عروضًا كاذبة توحي بأن دخولهم إلى القطاع يتم في إطار نشاط أمني مشروع.
وجاء في نص الاتهام أنه “بعد تسليم البضاعة إلى نقطة اللقاء، جرى نقلها لإعادة تغليفها وتمويهها، ثم تحميلها ونقلها عبر مسار محدد مسبقًا. وقد نُفّذت هذه العمليات باستخدام وسائل تمويه، بما في ذلك ارتداء زيّ عسكري وإظهار مظهر يوحي بأن النشاط مرتبط بالجيش الإسرائيلي.
وبعد عبور الحدود، وُضعت البضاعة في نقطة تسليم متفق عليها داخل القطاع، وفقًا للتنسيق مع الجهة الغزّية، ثم عاد المنفذون إلى داخل إسرائيل. وفي بعض الحالات، أُدخلت البضائع إلى القطاع مقابل دفعات مالية للمتهمين الذين كانوا يخدمون حينها في خدمة احتياط نشطة في الجيش، وهم متهمون بتلقي رشاوى”.
من جهتها، أشارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إلى أنه مع تعمّق عملية البحث وتقصّي الحقائق، تبيّن تهريب سلع إسرائيلية ذات استخدام مزدوج، أودعها المهرّبون داخل صناديق في شاحنات يُفترض أنها تنقل مساعدات إلى قطاع غزة.
وضمّت تلك الصناديق كميات هائلة من السجائر مخبّأة في عبوات ملوّنة، إلى جانب أنظمة طاقة شمسية، وبطاريات، وهواتف محمولة، ومواد كيميائية متنوعة؛ وهي مواد يمكن استخدامها في أغراض مدنية، كما قد تُستخدم في أغراض عسكرية أيضًا.
إجمالًا، أفادت عمليات رصد إسرائيلية خلال شهر ديسمبر/كانون الأول 2025 بضبط 317,239 “قاروصة” سجائر، ونحو 255 كيلوغرامًا من التبغ، و1,983 هاتفًا محمولًا من أنواع مختلفة. وقد قُدّرت القيمة الإجمالية للبضائع المهرّبة بنحو 8,198,565 شيقل، أي ما يزيد على 2.5 مليون دولار تقريبًا.
وفي شحنة أخرى، عُثر على 48,260 “قاروصة” سجائر إضافية، و6 أطنان من التبغ، و535 كيلوغرامًا من تبغ الأرجيلة، و4,400 سيجارة إلكترونية، و38,100 ملليلتر من سوائل السجائر الإلكترونية.
وتوقعت “يديعوت أحرونوت” أن تباشر سلطة الضرائب، توجيه لائحة اتهام ضد سائق الشاحنة الذي حاول تهريب البضائع إلى قطاع غزة، مع إدراج الاتهامات ضمن الجرائم الخاصة بالجمارك والتهريب.
المال الفاسد أقوى من الأيديولوجيا
اللافت في هذا السياق أن حالة التكسب من معاناة أهالي قطاع غزة، وحجم المبالغ الطائلة التي تدرّها عمليات التهريب، بدت أقوى بكثير من الانحيازات الأيديولوجية وحتى من الاعتبارات الأمنية لدى بعض المتورطين في هذه القضايا. فقد قدّمت “نيابة لواء الجنوب” الإسرائيلية 12 لائحة اتهام في قضية تهريب بضائع إلى قطاع غزة، وُصفت بأنها قضية أمنية خطيرة.
وجاء في بيان مشترك لشرطة الاحتلال وجهاز الشاباك أن المتورطين في القضية هم مواطنون إسرائيليون وسكان من قطاع غزة، عملوا على تهريب بضائع يُحظر إدخالها إلى القطاع، “مستغلّين وقف إطلاق النار ودخول المساعدات الإنسانية”. ومن بين هؤلاء أيضًا جنود احتياط جرى ضبطهم في عملية مشتركة بين الشاباك والوحدة المركزية في شرطة الجنوب.
ونُسبت إلى المتهمين جميعًا تهم “مساعدة العدو في زمن الحرب”، والتصرف في ممتلكات لأغراض “إرهابية”، والحصول على شيء بالخداع في ظروف مشددة، وتقديم رشوة، فيما نُسب لبعضهم أيضًا تلقي رشوة. كما وُجّهت إليهم مخالفات ضريبية، إلى جانب مخالفات وفق قانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي.
ومن بين الأسماء البارزة في القضية، بتسلئيل زيني، شقيق رئيس الشاباك دافيد زيني، وإسرائيلي آخر كانا يخدمان آنذاك في الاحتياط ضمن “قوّة أوريا”؛ وهي قوة ارتبط اسمها بعمليات تدمير منهجية واسعة للمباني في قطاع غزة. وكان الاثنان يملكان تصاريح لإدخال قوافل من المركبات إلى داخل القطاع، قبل أن يُعرض عليهما تنفيذ عمليات تهريب مقابل جزء من الأرباح. وفي إحدى الحالات، نُقلت كرتونة سجائر إلى مركبة بتسلئيل زيني، ومن هناك مرّر هو وشريكه البضاعة إلى داخل قطاع غزة.

وكانت صحيفة “هآرتس” العبرية قد أفردت تقريرًا موسّعًا في سبتمبر/أيلول الماضي حول “قوّة أوريا“، التي تعمل تحت رعاية جيش الاحتلال وترتكب، وفق التقرير، عمليات تدمير واسعة للمباني وتسويتها بالأرض في قطاع غزة، فضلًا عن استخدام فلسطينيين دروعًا بشرية عبر ما يُعرف بـ”إجراء المنصّة”، وهو إجراء يختبئ خلف تسمية غامضة لكنه محظور بموجب قوانين الحرب.
وذكر التقرير أن هذه القوة تُدخل الجنود إلى أنفاق ومبانٍ قد تحتوي على عبوات ناسفة ومقاتلين، وتتخذ من الفلسطينيين دروعًا بشرية، ويُشاهد عناصرها في معظم أنحاء قطاع غزة بهدف “تسوية غزة بالأرض”.
وتكشف حالة زيني مفارقة صارخة حول قدرة المال على دفع نماذج من أكثر التيارات تشددًا إلى الانخراط في مسارات تتعارض كليًا مع “المهمة” التي ينخرطون فيها، والمرتبطة مباشرة بالقضاء على مظاهر الحياة في القطاع عبر التدمير المنهجي لكل ما تطاله آلة الحرب الإسرائيلية.
ولم تتوقف حدود القضية عند هذه الأسماء والمستويات؛ إذ كشفت قناة i24NEWS الإسرائيلية عن قضية تهريب جديدة إلى قطاع غزة، يُشتبه بتورط جهات أجنبية فيها تنشط داخل المقر المدني–العسكري الأميركي في “كريات جات” في محيط غلاف غزة.
وبحسب القناة، تجري الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تحقيقًا في شبهة قيام عناصر إجرامية رفيعة المستوى برشوة عناصر أجنبية في المقر الأميركي المسؤول عن شؤون إعادة إعمار غزة، بهدف تمرير بضائع ممنوعة إلى القطاع. وتشير الشبهات إلى وجود تعاون بين مجرمين إسرائيليين وعناصر أجنبية داخل المقر الأميركي، بما أتاح تهريب البضائع وتحويل مبالغ مالية كبيرة إلى جيوب الشبكات المتورطة، في مسار يكشف تشابكًا متزايدًا بين المال غير المشروع والبنية الأمنية والإدارية المحيطة بقطاع غزة.
خرق محسوب أم فشل أمني بنيوي
على الرغم من أن قضايا التهريب لم تتوقف، ولا التحقيقات المرتبطة بها، فإن هذا الملف ما يزال مزدحمًا بجملة من التساؤلات حول حدوده الفعلية وسقفه الحقيقي، في ظل حرب الإبادة التي لم يتورّع الاحتلال الإسرائيلي خلالها عن استخدام مختلف الأدوات اللاأخلاقية لتدمير بنية القطاع وبيئته الوطنية وتفتيتها بصورة شاملة.
ويبقى السؤال المركزي: هل ما يحدث على معابر القطاع يندرج ضمن منظومة فشل أمني بنيوي واسع أصاب بنية الحصار المشدّد، وكشف حدود السيطرة الإسرائيلية الفعلية على ما يجري في القطاع، في ظل إطالة أمد العمليات الحربية واتساع السيطرة العسكرية على مساحات كبيرة منه؟
فقد نقل الإعلام العبري عن قادة ميدانيين أن حالة الفوضى العارمة في المنطقة العازلة والمناطق الحدودية حوّلتها إلى بيئة مثالية للتهريب. ومع الاتفاق على دخول نحو 600 شاحنة إمداد يوميًا عبر معبر “كرم أبو سالم”، يقرّ هؤلاء القادة بصعوبة فرض رقابة دقيقة أو إجراء تفتيش شامل، إذ يمكن لأي جندي إيقاف شاحنة وتمرير بضائع – وربما أسلحة – تحت غطاء “التفتيش”.

وتتضاعف المخاوف مع اقتراب انطلاق مشاريع إعادة إعمار غزة، التي تُقدّر بمئات المليارات من الشواقل، والتي ستتطلب دخول آلاف الشاحنات المحمّلة بالإسمنت والحديد ومواد البناء، ما يفتح الباب أمام شبكات فساد، وربما أمام بعض الجنود، لجني أرباح طائلة على حساب الكوارث الكبرى في قطاع غزة.
غير أن المتابع من الجهة الفلسطينية لا يمكنه النظر إلى الأمر بهذه البراءة التفسيرية، فقد تحدثت مصادر أمنية في القطاع سابقًا عن رصد أدوات تجسسية دخلت ضمن قوافل البضائع والمساعدات، في ظل تغاضٍ متعمّد من أجهزة أمن الاحتلال عن بعض شحنات التهريب، بهدف تمريرها إلى داخل البنية الداخلية للقطاع، أملًا في اختراق بنية المقاومة.
كما صدرت تحذيرات من جهات أمنية في غزة للمقاومين بشأن التعامل مع جزء من البضائع المهرّبة، خصوصًا الأجهزة الإلكترونية والهواتف المحمولة، خشية احتوائها على أدوات تعقّب أو تنصّت قد تسهّل عمليات أمنية إسرائيلية، لم تتوقف حتى بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
وهو ما يعزّز فرضية أن بعض عمليات التهريب ربما بدأت أصلًا ضمن إطار “خرق محسوب” أعدّته الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لأهداف استخباراتية، إلى جانب الأهداف المرتبطة بالعبث بالبنية الاقتصادية داخل القطاع وإعادة تشكيلها، غير أن هذا الخرق، إن صحّت فرضيته، قد يكون تدحرج لاحقًا من كونه مسارًا محسوبًا وموجّهًا، إلى شبكة فساد متعددة الأطراف والمصالح، تجاوزت حدود السيطرة، وفرضت على المنظومة الإسرائيلية ذاتها استحقاق الملاحقة الأمنية، وفتح التحقيقات، وصولًا إلى المحاكمات.