في زيارة هي الثانية له منذ 2017، يصل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى “تل أبيب” في 25 فبراير/شباط ليخطب في الكنيست ويلتقي نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي لا يخفي طموحه لتشكيل تحالف إقليمي جديد يضم الهند ودولاً عربية وإفريقية وأوروبية ضد خصومه.
الزيارة تأتي في ظل تسارع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين الجانبين، بينما يترسخ مشروع الممر الاقتصادي الهند‑الشرق الأوسط‑أوروبا (IMEC)، ووسط ما يشبه عزلة دولية لـ”تل أبيب”. فماذا يريد كل من طرف من الآخر؟
لماذا تحتاج “إسرائيل” إلى الهند؟
1- مجابهة الضغوط الدولية
في ظل ضغوط دولية غير مسبوقة تواجهها “إسرائيل”، يسعى نتنياهو لاستخدام الهند كرافعة دبلوماسية استراتيجية لتخفيف العزلة الناتجة عن جرائم حربه في غزة وتشكيل جبهة إقليمية جديدة تعيد تقريب “تل أبيب” من دول المنطقة.
وقال نتنياهو في 22 فبراير/شباط إن “إسرائيل” تعمل على إنشاء “تحالف سداسي” حول الشرق الأوسط يضم الهند واليونان وقبرص، إلى جانب دول عربية وإفريقية وآسيوية لم يسمها، وأنه سيعمل على تطويره خلال زيارة مودي.
وادعى أن الهدف “إنشاء محور من الدول التي ترى الواقع والتحديات والأهداف بعين واحدة، في مقابل المحاور الراديكالية (متشددة) التي تتضمن المحور الشيعي، الذي وجهنا له ضربات قوية جدا (إيران)، وكذلك المحور السني الراديكالي الآخذ بالتشكل”، وفق تعبيره.
وفي وقت لم يوضح نتنياهو الدول المقصودة بالمحور السني، فقد ألمح في السابق إلى كل من تركيا وقطر إضافة إلى السعودية التي تحدثت تقارير عديدة عن تعديل نظرتها بشأن إمكانية التطبيع مع “إسرائيل” بعد العدوان الإسرائيلي على غزة.
وترى “إسرائيل” في الهند، بتعداد سكانها البالغ 1.4 مليار نسمة واقتصادها القوي، ثقلًا حيويًا يمنح هذا التحالف “شرعية” دولية كبرى، وينقل “تل أبيب” من حالة الدفاع الدبلوماسي إلى موقع القيادة في شبكة تحالفات عالمية تمتد من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط.
2- زيادة التجارة والاستثمارات
شهدت التجارة الثنائية بين الهند و”إسرائيل” نموًا هائلًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1992؛ فبعد أن كانت أقل من 200 مليون دولار، بلغت 6.3 مليار دولار في 2021، وتراجعت إلى 3.9 مليار دولار في 2024 بسبب العدوان على غزة.
تسعى “إسرائيل” إلى توقيع اتفاقية لحماية الاستثمارات واتفاقية تجارة حرة لتعويم اقتصادها وتنمية صادراتها وجذب الاستثمارات الهندية إلى التكنولوجيا والبنية التحتية، فقد وصف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش الهند عام 2025 بأنها “إحدى أهم شركائنا فى آسيا”، وأعلن عن مفاوضات متقدمة لتوقيع معاهدة حماية الاستثمارات.
وفى سبتمبر/أيلول 2025 وقع الجانبان أول اتفاق لحماية وتشجيع الاستثمارات المتبادلة، وهو الأول من نوعه بين الهند ودولة عضو بمنظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، ما يمهد الطريق لتقليل المخاطر القانونية وتعزيز التعاون الاقتصادي.
3- مشروع الممر الاقتصادي وتعظيم دور الموانئ
ترى دولة الاحتلال في مشروع الممر الاقتصادي الهند‑الشرق الأوسط‑أوروبا (IMEC) فرصة لدمجها اقتصاديا في المنطقة عبر البنية التحتية وتحويل الموانئ إلى أداة تطبيع جديدة.
إذ تشير دراسة للمجلس الأطلسي إلى أن الممر يمكن أن يخفض تكلفة الشحن بنسبة 30٪ ويقلل زمن الرحلة بنسبة 40٪ مقارنة بقناة السويس. يعني ذلك تقليل زمن الشحن بين الهند وأوروبا من حوالي 22 يومًا إلى نحو 12 يومًا، ما يوفر مليارات الدولارات سنويًا.
يُعد ميناء حيفا مركز هذه الرؤية. أوضح رئيس مجلس إدارة الميناء رون مالكا فى نوفمبر/تشرين الثاني 2023 أن فتح الممر بين الهند وأوروبا عبر الخليج والسعودية والأردن وصولًا إلى حيفا سيختصر مدة الشحن بنحو أسبوعين أو أكثر.
اشترت شركة “أداني بورتس” الهندية (Adani Ports) 70٪ من أسهم الميناء في 2022، وتعهدت بتطويره لربط الموانئ الهندية بالساحل الشرقي للمتوسط. وقال المدير التنفيذي كاران أداني إن الاستحواذ سيوفر طرق تجارة استراتيجية ويخفض أسعار الاستيراد ويقلص فترات الانتظار.
4- توطيد شراكات التكنولوجيا والدفاع
التكنولوجيا الزراعية والمياه: تبحث “إسرائيل” عن أسواق واسعة لتقنياتها الزراعية والمائية. خلال زيارة وزير التجارة والصناعة الهندي بيوش غويال إلى “تل أبيب” في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قدم له المسؤولون الإسرائيليون خريطة طريق للأمن الغذائي مدتها 25 عامًا وأطلعوه على تقنيات متقدمة لتحسين البذور وإعادة استخدام المياه.
زار غويال مركز بيريس للسلام والابتكار حيث شاهد أنظمة الري بالتنقيط وتقنيات تحلية المياه، كما التقى بشركات مثل Netafim (الري الذكي) وIDE (تحلية المياه) لمناقشة نقل التقنيات إلى الهند. تعتمد “إسرائيل” على دخول السوق الهندية الضخمة لتعزيز صادراتها من التكنولوجيا الزراعية، وفي الوقت ذاته تروج نفسها كحليف في معالجة الأمن الغذائي والمائي.
التكنولوجيا الرقمية والطاقة: يشمل مشروع IMEC ربط شبكات الألياف الضوئية وتأسيس خطوط كهرباء عابرة للقارات. تواصل “إسرائيل” العمل ضمن مجموعة I2U2 التى تضم الهند والإمارات والولايات المتحدة.
ويهدف المشروع إلى تنفيذ حدائق غذاء متكاملة فى الهند باستثمارات إماراتية تبلغ ملياري دولار، تستخدم تقنيات ذكية لتقليل فاقد الغذاء وتوفير المياه، بينما توفر نيودلهي الأرض ويقدم القطاع الخاص الإسرائيلي والأمريكي الخبرة. كما سيساعد المشروع على بناء شبكة طاقة هجينة من الرياح والطاقة الشمسية فى ولاية غوجارات الهندية.
5- تمديد التعاون الأمني
يُعد المجال العسكري من أهم أسباب اهتمام “إسرائيل” بالهند. فقد تجاوزت صادراتها العسكرية إلى نيودلهي 2.9 مليار دولار خلال العقد الماضي، بحسب تقرير لرويترز في فبراير/شباط 2024؛ وتشمل هذه الصادرات رادارات وطائرات مسيرة ومعدات صواريخ.
وأشار التقرير إلى أن حرب غزة لم تؤثر على إمدادات الأسلحة إلى الهند، حيث حرصت “إسرائيل” على الحفاظ على تدفق الأسلحة.
إلى جانب ذلك، باتت “إسرائيل” من أكبر مصادر الأسلحة للهند بعد روسيا وفرنسا والولايات المتحدة. وتنظر نيودلهي إلى “تل أبيب” كمصدر خبرةٍ أمنية مجرَّبة في بيئات قمع واحتلال.
لا تخفي “إسرائيل” رغبتها في بيع المزيد من الأنظمة مثل صواريخ SPICE والرادارات المتطورة، وهو ما يعزز الصناعة العسكرية للاحتلال ويعمق الاعتماد الهندى على تكنولوجيته.

ماذا تريد الهند من “إسرائيل”؟
1- الحصول على أسلحة متقدمة وتقنيات دفاعية
تتيح الشراكة مع “إسرائيل” للهند الوصول إلى تكنولوجيا متقدمة والاستفادة من التجارب الإسرائيلية فى حرب المدن و”الدفاع الصاروخي”، ويعد صاروخ “باراك‑8” أبرز مثال على ذلك، وهو نظام دفاع جوي مشترك طورته منظمة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) ومنظمة البحث والتطوير الدفاعي الهندية (DRDO).
يستخدم النظام في السفن الحربية الهندية ويعمل كدرع بري وبحري ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، وقد وصفته وزارة الدفاع الهندية بأنه “درع متعدد الاستخدامات”. كما تدرس الهند شراء صواريخ أخرى مثل SPICE وLRAD لتعزيز قدرتها على ضرب أهداف معادية.
2- نقل تكنولوجيا الزراعة والمياه
تواجه الهند تحديات ضخمة فى إدارة المياه وتأمين الغذاء لسكانها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة. لذلك تطمح للاستفادة من خبرة “إسرائيل” في الري بالتنقيط واستصلاح المياه.
خلال زيارة الوزير بيوش غويال إلى “تل أبيب” عام 2025، برز الاهتمام الهندي بنقل تقنيات وتكنولوجيا تحسين البذور وإعادة استخدام المياه من “إسرائيل” إلى الهند.
كما عقد اتفاقًا مع شركات مثل Netafim وIDE لبحث إنشاء مراكز تميز زراعية فى الهند تشبه المراكز الموجودة بالفعل كجزء من مشروع الزراعة الهندى‑الإسرائيلي.
هذه المراكز تهدف إلى نشر التقنيات الإسرائيلية مثل الزراعة في البيوت الزجاجية والري الذكي، ما يعزز الإنتاجية الزراعية ويحافظ على الموارد المائية.
3- تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري
نمو التجارة الثنائية إلى 6.3 مليار دولار فى 2021، والاتجاه نحو توقيع اتفاقية تجارة حرة، يفتح آفاقًا لاستثمارات هندية في قطاعات التكنولوجيا والبنية التحتية.
ويأمل الجانب الهندى فى الحصول على امتيازات جمركية وتسهيل دخول المنتجات الهندية إلى الأسواق الإسرائيلية، خاصة فى مجال الأدوية والمنتجات الزراعية.
من جانب آخر، تسمح اتفاقية حماية الاستثمارات الموقعة في 2025 بحماية حقوق المستثمرين وتقليل المخاطر القانونية، ما يشجع الشركات الهندية على ضخ المزيد من الاستثمارات.
4- الاستفادة من الممر الاقتصادي والمشاريع الإقليمية
بالنسبة للهند، يمثل مشروع IMEC فرصة استراتيجية لتنويع طرق التجارة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية الخاضعة للمخاطر الجيوسياسية مثل قناة السويس.
كما أن امتلاك شركة أداني لنسبة 70٪ من ميناء حيفا يمنح الهند دورًا حيويًا فى إدارة أحد أهم مراكز المشروع، ويتيح لها التأثير في القرارات اللوجستية. هذا يعزز آمال نيودلهي بأن تصبح لاعبا محوريا فى سلاسل الإمداد العالمية.
5- شراكات في الابتكار والفضاء والذكاء الاصطناعي
تركز الهند أيضًا على التعاون مع “إسرائيل” فى مجالات الابتكار، كالذكاء الاصطناعي والفضاء والأمن السيبراني، فخلال زيارة غويال لعام 2025، عقد منتدى لرجال الأعمال جرى فيه بحث فرص التعاون في الذكاء الاصطناعي والكم والفضاء والأمن الرقمي.
كما تستثمر الهند فى مشاريع مشتركة لإطلاق أقمار صناعية ومبادرات الأمن السيبراني، مستفيدة من خبرات الشركات الإسرائيلية مثل Check Point في مجال الحماية الرقمية. هذا التعاون يساعد الهند فى تطوير اقتصاد المعرفة وخلق وظائف عالية المهارة.
ولذلك، فإن عمق المصالح المتبادلة ومستوى التعاون الحالي يشيران إلى أن العلاقات بين نيودلهى و”تل أبيب” مرشحة لمزيد من التطور فى السنوات المقبلة.