شهدت الأسواق السورية مع حلول شهر رمضان ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار المنتجات الاستهلاكية ما زاد الضغط على المواطنين الذين يعانون من تآكل الدخل وضعف قدرتهم الشرائية، في ظل أزمة اقتصادية مزمنة ومستمرة.
دفع هذا الارتفاع وزير الاقتصاد السوري، نضال الشعار، إلى مناشدة التجار والصناعيين في منشور عبر حسابه على “فيس بوك” دعاهم من خلاله إلى “تحكيم وجدانهم في التسعير، ومراعاة أحوال الناس، وأن يعتبروا تنازلهم عن بعض الربح صدقة جارية على أرواح الشهداء”.
إلّا أن مناشدته لاقت استنكارًا وانتقادات من مواطنين تساءلوا عن جدوى التعويل على الرقابة الأخلاقية أو ضمائر التجار في ضبط الأسواق، دون وجود قوانين رادعة أو تدخل حكومي مباشر.
ردًا على ذلك، برر الوزير في منشور جديد بأن الدولة لا يمكنها وضع مفتش على كل باب دكان، مشيرًا إلى أن تطبيق القانون واجب وسيقوم به ضمن ما تملكه الوزارة من أدوات وصلاحيات.
المناشدة وسيلة “إقناع أدبي”
هذه المناشدة بحسب اقتصاديين، لا تخرج عن إطار الأدوات غير المباشرة لضبط السوق، إذ يرى الخبير الاقتصادي خالد تركاوي أن دعوة وزير الاقتصاد التجار إلى تحكيم ضمائرهم في ضبط الأسعار جاءت ضمن ما يُسمى بـ”الإقناع الأدبي”، وهو أحد الوسائل المهمّة التي يمكن أن تستخدمها الحكومة في ضبط الأسواق، مؤكدًا أن القوانين والمراسيم والسياسات كلّها أدوات متاحة للحكومة في هذا الإطار.
وقال تركاوي في حديث لـ”نون بوست” إن الشعار له وزن في حلب على أقلّ تقدير، واليوم صار له وزن لا بأس به في دمشق، وهو وزير يمثل الحكومة وبالتالي عندما يكتب منشورًا يدعو فيه التجار إلى مراعاة المواطنين فهو يحاول التأثير فيهم.
وأوضح أن هذه الخطوة تأتي ضمن الحملة الإعلامية التي يمكن أن تقوم بها الوزارة، كأن يخرج الوزير ليقول: “يجب أن تخففوا على الناس وأن تقللوا أرباحكم”، وما إلى ذلك.
وأضاف تركاوي أن هذا النموذج مستخدم في تركيا في كثير من الحالات، إذ يستخدم المسؤولون أحيانًا هذا الأسلوب في دعوة التجار إلى خفض الأرباح، وهو أمر “جيد” ونوع من “الإقناع الأدبي”.
وحول إمكانية التعويل عليه، أوضح تركاوي أنه يمكن التعويل على “الإقناع الأدبي” في شهر رمضان نسبيًا، لكن بشرط وضعه إلى جانب أدوات أخرى، مشيرًا إلى أنه يمكن أن ينفذ بشكل جزئي خاصة في ظل إشكالية عدم وجود أتمتة.
وبيّن أن ضبط الأسعار لا يمكن أن تقوم به الحكومة عبر الإقناع فقط، وإنما يحتاج إلى مجموعة من الأدوات، منها تخفيض بعض الرسوم أو إجراء تعديلات معينة على الضرائب خلال شهر رمضان، على سبيل المثال.
واليوم في ظل سوق حرة لا يمكن للحكومة أن تفعل الكثير، بحسب تركاوي، إلا في تشجيع وتنشيط الإنتاج، ومنع احتكار السلع من قبل مجموعة من التجار، لأن هذا ما يعزّز التنافس الذي يؤدي إلى انخفاض الأسعار.
التفسير الرسمي لارتفاع الأسعار
في مقابلة تلفزيونية على “الإخبارية السورية”، أرجع معاون وزير الاقتصاد والتجارة لشؤون التجارة الداخلية، ماهر خليل الحسن، ارتفاع الأسعار في رمضان وسطيًا بين 20 و30% في بعض السلع إلى زيادة الطلب وضغوط معيشيّة على المواطنين، مشيرًا إلى أن جزءًا من هذا الغلاء يعد موسميًا، ويتكرر سنويًا نتيجة لزيادة الطلب.
وبيّن الحسن أن الوزارة تعمل وفق “روزنامة تموينية” على مدار العام، تشمل مواسم رمضان والأعياد وغيرها، لافتًا إلى أن الإجراءات بدأت قبل رمضان بأكثر من شهر، وشملت إقامة أسواق شعبية وإلزام الشركات بتقديم عروض وتخفيضات تتجاوز 20 و30% على بعض المنتجات.
غير أن توصيف الارتفاعات باعتبارها “موسمية” فحسب، لا يفسر حجم التقلبات السعرية التي شهدتها الأسواق السورية خلال العامين الماضيين، ولا يجيب عن التساؤلات المتعلقة بمدى فعالية السياسات الاقتصادية التي تتبعها الحكومة.
وكانت الحكومة السورية الجديدة تبنت بعد زوال النظام البائد نموذج اقتصاد السوق الحر القائم على تحرير الأسعار وتركها لآليات العرض والطلب بعيدًا عن التدخل الحكومي المباشر.
إلّا أن دراسة بعنوان “تدخل الحكومة السورية في الأسعار: الآليات والآثار” صادرة عن مركز جسور للدراسات في 3 من شباط 2026، تشير إلى أن مقاربة الحكومة السورية الجديدة تجاه الأسعار اتّسمت بالاضطراب منذ عام 2025.
وفسرت الدراسة هذا الاضطراب بأن التحول في السياسات الاقتصادية للحكومة لم يكن مصحوبًا بتهيئة مناسبة للسوق، مما أدى إلى ظهور حالات من الربح الفاحش وتَذَبذُبات سعرية حادّة.
وأرجعت الدراسة التغير في سلوك التجار الذي تواجهه الأسواق المحلية في سوريا إلى سعيهم لحماية أرباحهم وتقليل خسائرهم، في ظل عدم الثقة في استقرار السياسات وغياب السياسات النقدية القوية، إذ يميلون إلى رفع الأسعار، والاحتفاظ بالمخزون بعيدًا عن الرقابة لتوقُّعهم ارتفاع الأسعار لاحقًا، والتحول إلى التسعير غير الرسمي خارج الرقابة الحكومية.
وخلُصت الدراسة إلى أن الجمع بين تحرير غير مكتمل للسوق وتدخلات سعرية جزئية ومنع انتقائي للاستيراد، عمّق التشوهات، ووسّع الاقتصاد الموازي، وأضعف القدرة الشرائية، دون أن يحقق استقرارًا فعليًا في الأسعار.
وفي ظل هذه المعطيات، يمكن تفسير الغضب الشعبي تجاه تصريحات الوزير بتضاعف تكلفة المعيشة ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الماضية، إذ أصبح الحد الأدنى للأجور لا يغطي سوى خُمس الاحتياجات الغذائية الأساسية للأسرة، وعُشر احتياجاتها الأساسية عمومًا، بحسب بيانات برنامج الأغذية العالمي (WFP) التابع للأمم المتحدة.
وأوضح البيان الأممي أن السوريين يجدون صعوبة متزايدة في إعالة أسرهم، إذ يعاني نحو 9.1 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، فيما بلغ سوء تغذية الأمهات وسوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سن الخامسة مستويات الطوارئ العالمية.
وبينما تُقدم دعوات “الإقناع الأدبي” والتدخلات الجزئية كأدوات لضبط الأسعار، تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن المشكلة تتجاوز ضمائر التجار، لتكمن في بيئة سوق غير مستقرة، لا يمكن ضبطها دون بناء ثقة حقيقية في السياسات والقواعد الناظمة.