أطلقت “القيادة المركزية الأمريكية” (سنتكوم) مهمة جديدة لنقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من شمال شرق سوريا إلى العراق، في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، للمساعدة في ضمان بقاء المعتقلين في مرافق احتجاز آمنة، بحسب بيان (سنتكوم).
ونقلت القوات الأمريكية 150 معتقلًا من التنظيم كانوا محتجزين في أحد مرافق الاحتجاز في الحسكة بسوريا، إلى موقع آمن في العراق، وقال الأدميرال براد كوبر، قائد (سنتكوم): “إن تسهيل نقل معتقلي التنظيم بشكل منظم وآمن أمر بالغ الأهمية لمنع أي هروب قد يشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة والأمن الإقليمي”.
ينتمون إلى 42 جنسية مختلفة.. آخر مستجدات نقل معتقلي داعش من سوريا إلى العراق. pic.twitter.com/gY6X0GCpWy
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 11, 2026
وبلغ عدد المعتقلين المنقولين من مرافق الاحتجاز في سوريا إلى العراق أكثر من 5,700 مقاتل، من بينهم 3 آلاف و543 معتقلًا سوريًا، وبالرغم من كونهم سوريين موقوفين في الأراضي السورية، إلا أن القيادة الأمريكية فضّلت نقلهم إلى العراق ليتم محاكمتهم هناك.
تبحث “نون بوست” مع الخبراء والباحثين في قانونية نقل المعتقلين السوريين من سوريا إلى العراق، والأسباب التي دفعت الولايات المتحدة لنقلهم إلى العراق وعدم إبقائهم في سوريا.
القضية من منظور قانوني
رئيس خلية الإعلام الأمني العراقي، الفريق سعد معن، قال في 18 شباط/فبراير إن الأشهر القادمة ستشهد محاكمة معتقلي تنظيم (داعش)، وكان معن قد أشار إلى استكمال التحقيق الابتدائي لـ500 من المعتقلين.
وأوضح سعد أنه “بعد إكمال التحقيق الابتدائي وحسب القوانين العراقية والسياقات المعتمدة ستكون هناك عملية محاكمة وفق قانون العقوبات العراقي”، لافتًا إلى أن “الحكم والتنفيذ سيكون داخل العراق”.
وتخوّل المادة 6 العراق صلاحية كاملة في عملية التحقيق، ثم المحاكمة وتنفيذ الحكم لأي من المعتقلين الموجودين في العراق بغض النظر عن جنسيتهم، بحسب معن.
بدوره، قال النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان إنه يجب محاكمة السجناء ممن ارتكبوا جرائم بحق الشعب العراقي وفق القوانين العراقية.
المحامي والباحث في القانون الدولي الجنائي محمد حربلية قال في حديث لـ”نون بوست” إن المحاكم السورية هي صاحبة الولاية القضائية في ملاحقة كافة السوريين المتهمين بارتكاب جرائم سواء داخل البلاد أو خارجها، وفقًا لمبدأ الاختصاص الشخصي الفعال أو الإيجابي.
عرض هذا المنشور على Instagram
ولذلك لا يوجد أساس قانوني لنقل متهمين سوريين من الأراضي السورية لمحاكمتهم في دولة أخرى مهما كانت جريمتهم، لأن ذلك يشكل تجاوزًا للولاية القضائية للمحاكم السورية.
ويبدو أن الظروف الراهنة لا تسمح بمحاكمتهم في سوريا، بحسب حديث حربلية لـ”نون بوست”، لأن الظروف في البلاد ليست مهيئة لذلك في الوقت الحالي، وإلا لما سمحت الحكومة السورية بنقلهم إلى العراق.
ويتابع حربلية أنه من حيث المبدأ، لا يوجد التزام قانوني دولي صريح يفرض على الدولة استعادة مواطنيها المتورطين بارتكاب جرائم، لكن ذلك لا يمنع الحكومة السورية مستقبلًا من مطالبة الحكومة العراقية بتسليمها السوريين المتهمين بالانتماء لتنظيم (داعش) بحكم الاختصاص الشخصي والإقليمي للمحاكم السورية.
وحول ما إن كانت يمكن للمعتقلين الاستئناف، قال حربلية: “من الناحية النظرية، يحق للمعتقلين السوريين تقديم طعن أمام القضاء العراقي على أساس أنهم سوريون ينبغي محاكتمهم أمام القضاء السوري، لكن من الناحية العملية، فهم أصبحوا ضمن الولاية القضائية للمحاكم العراقية، خصوصًا أن العراق يعتبر نفسه صاحب الاختصاص في محاكمة عناصر تنظيم (داعش) إذا ارتكبوا جرائم على أراضيه أو ضد مواطنيه.”
ثقة هشة أم تقاسم للأعباء؟
انضمت سوريا إلى “التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش” في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وأبدت الولايات المتحدة الأمريكية انفتاحًا تجاه القيادة الجديدة في دمشق، تمثلت بثلاثة لقاءات بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورفع العقوبات الاقتصادية بموجب قانون “قيصر” عن سوريا، وضغط الولايات المتحدة على الدول الأعضاء في مجلس الأمن لإزالة اسم الرئيس السوري من لوائح الإرهاب.
وجاء قرار نقل معتقلي تنظيم (داعش) بعد الفوضى التي أحدثتها المعارك التي بدأت في 17 كانون الثاني/يناير بين الجيش السوري وقوات “قسد” شمال شرقي سوريا، وتبادل الاتهامات بين الطرفين حول إطلاق سراح معتقلين من التنظيم كانوا في سجن الشدادي الذي كانت تسيطر عليه (قسد) أثناء المعارك.
وأثار القرار تساؤلات عن مدى ثقة الولايات بحليفها الجديد في دمشق، وحول أسباب قرارها نقل المعتقلين إلى العراق وحتى السوريين منهم، بدل تسليم إدارة السجون للحكومة السورية كما كان مقررًا في العام الماضي.
قوات أميركية تنقل قافلة تضم سجناء من تنظيم داعش أثناء نقلهم من الحسكة إلى العراق. pic.twitter.com/uYAKbv4ETq
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 8, 2026
يرى الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي أن عقيدة الأمن القومي الأمريكية التي أعلنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أواخر عام 2025، ارتكزت على عدة مبادئ محورية منها: تقاسم الأعباء، وتعزيز قدرات الحلفاء، وبناء الشراكات.
وفي هذا الإطار، بحسب حديث الدسوقي لـ”نون بوست” يمكن فهم مسألة نقل معتقلي تنظيم (داعش) إلى العراق، بوصفها جزءًا من مقاربة أوسع لتقاسم الأعباء بين سورية والعراق، لا سيما في ظل اتساع نطاق السيطرة الحكومية السورية عقب التطورات الأخيرة في ملف شمال شرق سوريا.
كما أن حداثة المؤسسة الأمنية السورية، وحاجتها إلى وقت ودعم إقليمي ودولي لإعادة ترتيب بنيتها في مجالي الضبط الأمني ومكافحة الإرهاب، تجعل من هذا الترتيب خيارًا عمليًا في المرحلة الانتقالية، وفق الدسوقي.
فيما يرى الأكاديمي والباحث المتخصص في الحركات الإسلامية عبد الرحمن الحاج أن نقل معتقلي داعش إلى العراق له عدة أسباب:
1- سبب أمني: لضمان أن لا يؤدي فقدان السيطرة الأمنية والعمليات العسكرية ضد (قسد) إلى هروب السجناء.
2- سبب سياسي: عدم الثقة بـ(قسد)، الذي سبق واستخدم السجناء في الرقة للضغط على الأمريكان وعلى الحكومة السورية.
3- مخاوف من اختراق في قوات الأمن الحكومية السورية، بسبب وجود سخط من بعض العناصر السابقين في الهيئة من توجهات الشرع السياسية وانضمامه للتحالف، وقد حدث مثل هذا الخرق في حادثة تدمر.
4- الاستقرار: المتمثل في تقليل العبء على الحكومة السورية وتعزيز استقرار بسط سيطرتها على منطقة الجزيرة وتمكينها من توحيد البلاد، والتقليل من الضغط عليها.
كيف ستتعامل سوريا مع الملف؟
رحبت وزارة الخارجية السورية بخطوة نقل معتقلي تنظيم (داعش) من سوريا إلى العراق، وقال مصدر في الخارجية السورية لقناة الجزيرة في 21 كانون الثاني/يناير إن سوريا تعتبرها خطوة هامة لتعزيز الأمن والاستقرار، وأن سوريا ملتزمة بتقديم الدعم اللوجستي والأمني اللازم للعملية.
وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني رحب بموافقة العراق على نقل المعتقلين إلى أراضيه، وقال “نشكر العراق على تحمل العبء معنا بشأن معتقلي داعش الإرهابي”.
إلا أن العراق أوضح بأن عملية استلام المعتقلين وإبقاءهم في العراق مؤقتة، وعلى الدول أن تتسلم مواطنيها، فقد قال رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني في 25 كانون الثاني/يناير إن نقل معتقلي (داعش) من سوريا إلى سجون العراق “مؤقت” ودعا الدول المعنية إلى تسلّم مواطنيها من عناصر (داعش) وتقديمهم إلى المحاكمات لينالوا جزاءهم العادل”.
وكان العراق قد أجرى مباحثات فعالة مع تركيا وروسيا حول إعادة المواطنين المتورطين مع التنظيم، وأعرب السفير الروسي عن استعداد بلاده للمضي قدمًا في إجراءات إبرام اتفاقية لاستعادة النزلاء الروس الموجودين في السجون العراقية، كما وافقت تركيا على استعادة مواطنين أتراك من بين المعتقلين المنتمين لتنظيم (داعش)، والذين نُقلوا إلى العراق من سوريا.
فيما لم يصدر أي تصريح رسمي من الحكومة السورية حول مصير المعتقلين من الجنسية السورية الذين نقلوا إلى العراق حتى لحظة تحرير هذا التقرير.

الباحث والمحلل السياسي أيمن الدسوقي يرى أن التعامل مع هذا الملف يتطلب تطوير بنى مؤسساتية وأطر قانونية واضحة، وهو ما يفرض على الحكومتين السورية والعراقية العمل المشترك لإرساء ترتيبات مستدامة.
فمكافحة الإرهاب، بحسب حديث الدسوقي لـ”نون بوست” تمثل مصلحة استراتيجية مشتركة للطرفين، وتتطلب مقاربة طويلة الأمد تقوم على التنسيق الأمني، وتبادل المعلومات، وتعزيز القدرات المؤسسية بما يضمن الاستقرار الإقليمي ويحد من إعادة تشكل التنظيمات المتطرفة.
ويرى المحامي والباحث في القانون الدولي الجنائي محمد حربلية أن القضاء العراقي لا يملك ولاية قضائية في محاكمة هؤلاء السجناء، ولا يوجد في العراق محكمة خاصة بجرائم (داعش)، كما أن إنشاء محكمة دولية خاصة على غرار محكمتي يوغسلافيا أو روندا يحتاج إلى قرار من مجلس الأمن، وهو أيضًا غير وارد في ظل الخلافات السياسية التي تعصف بمجلس الأمن.
ولكن الحل الأفضل، وفق حديث حربلية لـ”نون بوست” هو إنشاء محكمة خاصة باتفاقية دولية تتم بين عدة دول – دول التحالف مثلًا- من أجل إنشاء المحكمة وتمويلها والإشراف عليها على غرار محكمة “نورمبرغ” التي أنشئت من قبل دول الحلفاء باتفاقية لندن عام 1945 وحاكمت مجرمي الحرب النازيين عقب الحرب العالمية الثانية.
ويعتقد الأكاديمي والباحث في الحركات الإسلامية عبد الرحمن الحاج أن إعادة المقاتلين السوريين للخضوع للمحاكمة في سوري مرهون باتفاق أمني يضمن محاكمتهم بشكل عادل، وفقًا لقواعد فض تنازع القوانين، وهو أمر لا يبدو قريبًا بالنظر إلى أن الأسباب التي دعت إلى نقلهم لا زالت قائمة.