مع اكتمال أربع سنوات على بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، تبدو القارة الأوروبية وقد خلعت ثوب “الاسترخاء الاستراتيجي” الذي ارتدته لعقود ما بعد الحرب الباردة، لتستبدله بدرع جيوسياسي وعسكري أكثر خشونة.
شمل التحول الأوروبي إعادة هيكلة جذرية طاولت كافة مفاصل الحياة الأوروبية، بدءًا من العقيدة العسكرية، مرورًا بمصادر الطاقة، ووصولًا إلى قوانين التجنيد.
يرصد هذا التقرير عمق التحولات الهيكلية التي أعادت تشكيل الاتحاد الأوروبي بفعل حرب أوكرانيا، وكيف تحولت القوة الناعمة إلى كيان دفاعي مختلف، وكيف تمردت القارة على تبعيتها الطاقية لموسكو لتبني شبكة تحالفات جديدة.
أمن الطاقة
قبل الغزو الروسي، كانت أوروبا تستورد أكثر من 40٪ من احتياجاتها من الغاز من روسيا؛ لكن الحرب دفعت الاتحاد إلى اتخاذ سياسة “فك الارتباط” مع موسكو.
يظهر الإنفوجراف التالي حجم التغير في اعتماد الاتحاد الأوروبي على روسيا في فترتي ما قبل وبعد حرب أوكرانيا.

ومع هذا الهبوط أصبحت الجزائر المورد الرئيسي إلى الاتحاد الأوروبي بالغاز الواصل عبر خطوط الأنابيب بنسبة 27٪. أما في إمدادات الغاز المسال فقفزت الحصة الأمريكية إلى 53٪.
وأصبح الاتحاد يستورد نسبة 48٪ من احتياجاته من الغاز عبر الغاز المسال في 2025 مقابل 23٪ في 2021، وغالبية هذه الكمية تأتي من الولايات المتحدة حيث تشير تقديرات بروكسل إلى أن 70٪ من وارداته بين 2026 و2029 ستكون أمريكية.
وجرى اتخاذ خطوات تشريعية لإضفاء طابع إلزامي على هذا التحول في يناير/كانون الثاني 2026 عندما صادق وزراء الطاقة في الاتحاد على قانون لحظر استيراد الغاز الروسي بشكل تدريجي.
ووفق الاتفاق الجديد، سيتوقف استيراد الغاز المسال الروسي بحلول نهاية 2026 وتتوقف واردات الغاز عبر الأنابيب بحلول سبتمبر/أيلول 2027.
مع تقلص الدور الروسي، تسارعت مشاريع البنية التحتية لتأمين بدائل. زادت الدول الأوروبية سعات تخزين الغاز، وأُنشئت محطات استقبال غاز مسال في ألمانيا وهولندا وفرنسا وإيطاليا.
وتحولت النرويج والجزائر وقطر إلى أبرز مزوِّدي الغاز عبر أنابيب جديدة، في حين وقّع الاتحاد اتفاقات طويلة الأجل مع الولايات المتحدة لشراء الغاز المسال. يوضح هذا التحول أن أمن الطاقة أصبح جزءًا من استراتيجية الأمن القومي الأوروبية.
الإنفاق العسكري ودعم أوكرانيا
لم يقتصر الرد الأوروبي على مجال الطاقة، بل انتقل إلى تعزيز القوة العسكرية. فقد ارتفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء إلى 343 مليار يورو في 2024 (نحو 1.9٪ من الناتج الإجمالي)، وتسود تقديرات بارتفاعه إلى 381 مليار يورو في 2025 (2.1٪ من الناتج الإجمالي).
تقترب هذه الأرقام من هدف حلف شمال الأطلسي (إنفاق 2٪ من الناتج على الدفاع)، بل إن قادة الحلف وافقوا على معيار مستقبلي يقضي بزيادة الإنفاق إلى 5٪ من الناتج بحلول عام 2035، بحيث يُخصَّص 3.5٪ للدفاع الصلب و1.5٪ للأمن الأوسع.
حقق الاستثمار الدفاعي الأوروبي رقمًا قياسيًا قدره 106 مليارات يورو في 2024 ومن المتوقع أن يقترب من 130 مليار يورو في 2025، ما يدل على اندفاعة غير مسبوقة.
يظهر الدور القيادي لألمانيا وبولندا في هذه الزيادة؛ فقد أقرت برلين صندوقًا استثنائيًا بقيمة 100 مليار يورو لتحديث قواتها، في حين أنفقت بولندا 4.1٪ من ناتجها في 2024 وتهدف إلى 4.7٪ في 2025.
تدرس دول أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا زيادة ميزانياتها بسرعة لتلبية هذا المعيار. ويُتوقع أن يساعد هذا الإنفاق في تنشيط الاقتصاد الأوروبي.
يسلط الإنفوجراف التالي الضوء على أبرز الأرقام الخاصة بدعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا بعد الحرب.
التجنيد الإلزامي وعسكرة المجتمعات
بموازاة التطور التقني والتحالفات، أدرك الأوروبيون أن الحروب الطويلة تتطلب احتياطيًا بشريًا واسعًا.
ومن هنا، سقطت محرمات إلغاء التجنيد التي سادت بعد الحرب الباردة، وعادت القارة لعسكرة مجتمعاتها بخطط إلزامية وطوعية مشددة.
يظهر الإنفوجراف التالي أبرز التغيرات التي اتخذتها دول أوروبية فيما يخص البرامج العسكرية لمواطنيها والتجنيد الإلزامي.
توسيع الناتو وهندسة تحالفات جديدة
على الصعيد الجيوسياسي، أيقنت أوروبا أن الانغلاق القاري لم يعد ممكنًا. كان الحدث الأبرز هو التخلي التاريخي للسويد وفنلندا عن حيادهما وانضمامهما إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”.
وهو ما حول بحر البلطيق فعليًا إلى “بحيرة أطلسية” وطوّق الأسطول الروسي، ومثل إضافة نوعية هائلة للقدرات الاستخباراتية والجوية للحلف في جناحه الشرقي.
لم يقتصر التوسع على الناتو، بل عمل الاتحاد الأوروبي على تنويع وتوسيع شراكاته الأمنية لتشمل قوى ديمقراطية عابرة للقارات.
- في مايو/أيار 2024، وقّع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والنرويج اتفاقيات منفصلة لتعزيز التعاون في حماية البنى التحتية البحرية ومكافحة الهجمات السيبرانية.
- أُعلن عن شراكة أمنية مع اليابان في قمة 2025 لتطوير التعاون في مكافحة الهجمات السيبرانية والتهديدات الهجينة وأمن الفضاء وإبرام اتفاق تبادل معلومات سرية.
- في مايو/أيار 2025، وقع الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة “شراكة الأمن والدفاع” (SDP) لبناء إطار مؤسسي للتعاون في المشتريات العسكرية والأمن السيبراني.
- في يونيو/حزيران 2025، وقّعت بروكسل وأوتاوا أول شراكة أمنية ودفاعية بين الاتحاد الأوروبي ودولة من أمريكا الشمالية، تشمل الشراكة إدارة الأزمات، والأمن السيبراني، وأمن البحار والفضاء، وضبط التسلح، ودعم أوكرانيا.
- أعلنت كندا في فبراير/شباط 2026 انضمامها إلى برنامج “SAFE” الأوروبي للقروض الدفاعية، لتصبح شريكًا حيويًا في خطة “الجاهزية 2030”.
التحولات السابقة تظهر أن الاتحاد الأوروبي دخل مرحلة جديدة من التكامل الأمني، فقد أدت الحرب إلى كسر المحرمات حول الإنفاق الدفاعي واستخدام الموارد المشتركة، كما قادت بروكسل إلى تنويع مصادر الطاقة والتخلي عن الاعتماد على روسيا.