في خضم تصاعد موجات الحمائية وحروب التعرفة الجمركية الأمريكية، أطلقت الصين مناورة استراتيجية مضادة تعتمد على الانفتاح المدروس وتحديدا تجاه القارة الإفريقية.
ويمثل إعلان الصين الأخير عن إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات الإفريقية تحولًا جذريًا من نموذج تمويل البنية التحتية القائم على القروض، إلى نموذج التكامل التجاري المؤسسي لتعزيز نفوذها في هذه القارة.
فما الدوافع الجيوسياسية الخفية وراء الخطوة، والمكاسب الاقتصادية المتبادلة، والعقبات غير الجمركية التي تقف حائلًا أمام استفادة القارة السمراء فعليًا من هذا الانفتاح التاريخي.
ما تفاصيل القرار وسر توقيته؟
خلال قمة الاتحاد الإفريقي في إثيوبيا منتصف فبراير/شباط الجاري، أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينغ” أن بلاده ستطبق “صفر رسوم” جمركية على 100% من الخطوط السلعية للواردات القادمة من 53 دولة إفريقية، في قرار يدخل حيز التنفيذ في الأول من مايو/أيار 2026.
يشمل القرار إزالة التعرفة الجمركية نهائيًا عن كافة المنتجات بلا استثناءات، مع تفعيل آليات مؤسسية لتسريع الفسح الجمركي عبر ما يُعرف بـ”القنوات الخضراء” للمنتجات الزراعية والغذائية.
توسع الخطوة مظلة الإعفاء التي كانت تقتصر سابقًا على 33 دولة من الأقل نموًا، لتشمل الآن اقتصادات كبرى مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا ومصر.
الاستثناء الوحيد من هذا القرار شمل دولة “إيسواتيني”، وذلك لسبب سياسي بحت يتعلق باحتفاظها بعلاقات دبلوماسية مع تايوان، مما يؤكد توظيف بكين الصارم لورقة الاقتصاد في فرض مبدأ “الصين الواحدة” وعزل تايبيه دبلوماسيًا.
يأتي توقيت هذا الإعلان استجابةً مباشرة لبيئة تجارية عالمية شديدة التقلب والعدائية مع التخبط الذي تشهده سياسات التجارة الأمريكية.
فقد جاء في ظل الغموض الذي يكتنف تجديد الولايات المتحدة لـ”قانون النمو والفرص في إفريقيا (AGOA)” وتطبيق إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية عالمية بنسبة 10 % ثم رسوم خاصة تتراوح بين 11 % و50 % على صادرات 57 دولة بينها نحو 20 دولة إفريقية.
وتشير تحليلات مجلس الشؤون الاقتصادية والمالية داخل مجلس الاتحاد الأوروبي “إيكوفين” إلى أن بكين تريد تقديم بديل للمقاربات الغربية القائمة على الشروط السياسية، عبر منح المعاملة التفضيلية دون شروط.
ما مكاسب الصين؟
رغم التنازل الضريبي الذي قدره بعض الاقتصاديين بنحو 1.4 مليار دولار سنويًا، تحقق الصين مكاسب جيواقتصادية استراتيجية تفوق هذا الرقم بأضعاف مضاعفة.
1- تعميق النفوذ الاقتصادي والسياسي: بفضل المعاملة الصفرية، تستطيع الصين تعزيز مكانتها كأكبر شريك تجاري لإفريقيا. فقد صرّح الرئيس الصيني أن السياسات الجديدة ستوفر “فرصًا جديدة لتنمية إفريقيا” وتساعد على “متابعة الحلم المشترك بالتحديث”.
2- تأمين الموارد وسلاسل التوريد: الهدف الاقتصادي الأول للصين يتمثل في الحصول على الطاقة والمعادن من إفريقيا والتي تعد ضرورية للهيمنة على صناعات الطاقة الخضراء والمركبات الكهربائية.
3- تصريف الفائض الصناعي: إلغاء الرسوم على إفريقيا يسمح للصين بتوسيع صادراتها من السلع المصنعة، مما يخفف تأثير الركود في أسواق أخرى ويخلق طلبًا جديدًا في القارة.
4- إحياء طريق الحرير: تسعى بكين لتكامل هذه التجارة مع مشاريع البنية التحتية في إطار مشروع “الحزام والطريق”.
إذ شيدت الشركات الصينية منذ انطلاق المنتدى الصيني‑الإفريقي عام 2000، أكثر من 10 آلاف كيلومتر من السكك الحديدية، و100 ألف كيلومتر من الطرق، وألف جسر، ونحو 100 ميناء في إفريقيا.
كما أدى خط السكك الحديدية بين أديس أبابا وجيبوتي إلى تقليص زمن نقل البضائع من أكثر من ثلاثة أيام إلى أقل من 20 ساعة. هذه المشاريع تُسهّل نقل السلع إلى الصين وتعيد تدوير العائدات في القارة.
5- دعم سياسي: أحد أهداف الصين يتمثل في ضمان اصطفاف الكتلة التصويتية الإفريقية لدعم سياسات بكين في الأمم المتحدة وتكريس دورها كزعيمة لـ”الجنوب العالمي”.

من أبرز الرابحين في إفريقيا؟
نظريًا، يفتح القرار أبوابًا واسعة، لكن المستفيد الفعلي هي الدول التي تمتلك قاعدة صناعية أو قدرات تصديرية زراعية متقدمة.
فوفقًا لتحليل إيريس (نظام إحصاءات التجارة داخل الاتحاد الأوروبي)، يمكن لدول مثل جنوب إفريقيا والمغرب وكينيا وإثيوبيا وتونس، التي تمتلك قطاعات تصنيع أو تصدير زراعي متطور، أن تستفيد من إلغاء الرسوم لأنها كانت تدفع رسومًا مرتفعة سابقًا.
أما الدول المعتمدة على تصدير المواد الخام مثل أنغولا والكونغو الديمقراطية فقد لا تشهد تغييرًا كبيرًا لأن معظم خاماتها كانت معفاة أصلاً.
تقرير لـ”أفريكسيبنك” (البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد) يوافق هذا الرأي ويوصي بتطوير سلاسل قيمة إقليمية في التصنيع الخفيف والزراعة ومعالجة المعادن، وتحسين المعايير والتعبئة المالية لتلائم متطلبات السوق الصينية.
في المقابل، تصطدم الفائدة الإفريقية بـ”الحواجز غير الجمركية” التي تشكل حدودًا صارمة للقرار؛ فالصين ستطبق بدءًا من 1 يونيو/حزيران 2026 “المرسوم 280” الذي يفرض اشتراطات صحية ونباتية (SPS) بالغة التعقيد، وتسجيلًا إلزاميًا لمنشآت الغذاء الأجنبية.
ولذلك فإن الدول الإفريقية التي تفتقر للبنية التحتية اللازمة لضبط الجودة، أو تعتمد حصريًا على تصدير النفط الخام والمعادن غير المعالجة، لن تجد في إزالة الرسوم أي تحول ملموس في إيراداتها، لأن الرسوم لم تكن العائق الأساسي أمام سلعها الأولية أصلًا.
تحليل أفريكسيبنك يشير إلى أن على المصدرين الأفارقة تحسين شهادات المنشأ ومعايير التغليف واستغلال منصات التجارة الإلكترونية الصينية (مثل علي بابا وبيندودو) للوصول إلى المستهلكين، وكذلك الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية ومراكز التبريد والموانئ الجافة.
كما تظل قدرة المصانع الإفريقية محدودة بسبب نقص الكهرباء والتمويل، ما قد يقيد الاستفادة الكاملة من الإعفاءات.
بالأرقام.. ما حجم التجارة وأبرز الصادرات؟
بيانات إيكوفين لعام 2025 تظهر أن التجارة بين الصين وإفريقيا بلغت 348.05 مليار دولار مع نمو قدره 17.7 %.
وبلغت واردات الصين من إفريقيا 123.02 مليار دولار، بينما صدرت بكين إليها 225.03 مليار دولار، ما خلّف عجزًا قدره 102.01 مليار دولار لصالح بكين.
عام 2024، كان حجم التجارة 295.56 مليار دولار مع عجز 61.93 مليار دولار، ما يبين أن العجز الإفريقي يتزايد سريعًا. بيانات شبكة جمارك الصين (GAC) للعام 2024 تُظهر أن أكبر الواردات من إفريقيا جاءت كالتالي:
- النفط الخام (29.59 مليار دولار)
- النحاس المكرر (14.88 مليار دولار)
- الذهب (8.85 مليار دولار)
- خام البوكسيت والألومنيوم (7.75 مليار دولار)
- خام الحديد (6.30 مليار دولار)
- النحاس الخام (5.94 مليار دولار)
- الكوبالت (3.03 مليار دولار)
ولذلك تظل صادرات إفريقيا إلى الصين متركزة في الموارد الطبيعية. أما صادرات بكين فتشمل الآلات والمعدات الكهربائية والهواتف المحمولة والحواسيب والسيارات، بالإضافة إلى مواد البناء والمركبات الثقيلة.
موقع OEC (منصة بيانات لفهم وتتبع التجارة العالمية) يوضح أن جنوب إفريقيا استوردت في ديسمبر/كانون الأول 2025 أجهزة هواتف بقيمة 93.2 مليون دولار وحواسيب بقيمة 84.8 مليون دولار، بينما استوردت الصين منها خام الكروم بقيمة 590 مليون دولار والبلاتين بقيمة 228 مليون دولار.
ويميل إلغاء الرسوم إلى تعزيز صادرات المنتجات الزراعية مثل الأفوكادو والقهوة والشاي والزهور.
فمنذ 2024 نجحت جنوب إفريقيا وكينيا وتنزانيا في إرسال أولى شحنات الأفوكادو عبر “القناة الخضراء”، حيث استوردت الصين منتجات زراعية من إفريقيا بقيمة 28.47 مليار يوان (4.02 مليار دولار) في أول ثمانية أشهر من ذلك العام، وكانت شانغهاي وحدها مسؤولة عن 6.12 مليار يوان.
على الجانب الصناعي، قد تستفيد الدول التي تملك قدرات في تصنيع المنسوجات والسيارات والأدوية مثل المغرب ومصر وتونس، إذ ستتمكن من التصدير دون رسوم إلى سوق يضم 1.4 مليار مستهلك.

ما فروقات التنافس بين الصين وأمريكا على إفريقيا؟
التنافس بين واشنطن وبكين على النفوذ في إفريقيا يبرز في أداة الرسوم الجمركية. بينما تعلن الصين عن إلغاء شامل للرسوم دون شروط، فرضت إدارة ترامب في 2025 رسومًا عامة بنسبة 10 % على واردات من 190 دولة، وتلتها رسوم مخصَّصة بين 11 % و50 % على 57 دولة.
وعلى الرغم من تمديد AGOA، يظل مستقبل البرنامج غامضًا؛ كما أشار محللون روانديون إلى أن التغيّر المستمر في السياسة الأمريكية يجعل التخطيط للتصدير صعبًا.
وتستخدم واشنطن أدواتها كقوة “خشنة” مباشرة؛ فبرنامج “أغوا” مشروط بصرامة بمعايير حقوق الإنسان ومواءمة السياسات الخارجية.
إذ هددت الإدارة الأمريكية مرارًا بإقصاء دول مثل جنوب إفريقيا بسبب تقاربها مع روسيا ودعواها ضد “إسرائيل” في محكمة العدل الدولية بتهمة تنفيذ إبادة جماعية في غزة.
كما أن اللجوء المتكرر للتعريفات العقابية يخلق بيئة طاردة تزيد من تعقيد سلاسل التوريد بالنسبة للشركات الإفريقية.
الصين تستغل هذه الفجوة لتقديم نفسها كشريك “يمكن التنبؤ به” يقدم سوقًا مفتوحة مع تمويل للبنية التحتية، مستفيدة من السخط الإفريقي تجاه الشروط الأمريكية والأوروبية.
إذ تدير الصين سياساتها الجمركية كأداة “قوة ناعمة” صامتة. فالانفتاح السوقي الصيني لا يضع أي اشتراطات سياسية مُعلنة تتعلق بالديمقراطية أو حقوق العمال، مستندة إلى سياسة “عدم التدخل”.
هذا النهج البراغماتي يوفر للحكومات الإفريقية ملاذًا تجاريًا آمنًا. ومع ذلك، تنبه تقارير أفريقية إلى أن الصين تستخدم أيضًا معايير غير جمركية مثل إجراءات الصحة النباتية ومعايير الجودة، وأن هذه الإجراءات قد تكون عائقًا خفيًا لا يقل صعوبة عن الرسوم الأمريكية.