شنت الولايات المتحدة و”إسرائيل”، صباح السبت 28 فبراير/شباط الجاري، هجومًا مشتركًا واسع النطاق على إيران، استهدف عدة مدن إيرانية في مقدمتها طهران وقم وأصفهان وكرمانشاه وكرج، فيما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسميًا بدء العمليات، قائلًا: “بدأنا قبل قليل عمليات قتالية واسعة النطاق في إيران”.
وتزامن هذا الهجوم مع استمرار الجولة الثالثة من المفاوضات المنعقدة في جنيف، والتي اتسمت -وفقًا للمصادر الرسمية وتقارير إعلامية- بأجواء إيجابية، بما يعزز الانطباع بأن قرار الضربة كان قد حُسم مسبقًا بصرف النظر عن نتائج تلك الجولة، وبأن المفاوضات اتخذت كأسلوب للتعمية.
الاحتلال الإسرائيلي يبدأ قصفًا جويًا على إيران، تبعها قصف أمريكي للمناطق العسكرية الاستراتيجية في البلاد. pic.twitter.com/1dNKm3dlMg
— نون بوست (@NoonPost) February 28, 2026
ولم يتأخر الرد الإيراني كثيرًا، إذ بدأت طهران بإطلاق رشقات صاروخية باتجاه “إسرائيل”، فيما أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني استهداف قواعد أمريكية في المنطقة، وسُمع دوي انفجارات في البحرين والإمارات والكويت والسعودية، بينما أفادت وزارة الدفاع القطرية بأنها اعترضت صواريخ إيرانية قبل سقوطها داخل أراضيها.
ويعكس الحشد العسكري واللوجستي الذي سبق الضربة خلال الأيام الماضية، إلى جانب التصريحات الصادرة عن واشنطن وتل أبيب وطهران، مؤشرات على أن المواجهة مرشحة لأن تتجاوز نطاقها المحدود، وأن المنطقة قد تتجه نحو تصعيد مغاير، مع بقاء مختلف السيناريوهات مطروحة.
ما الهدف المعلن من الحرب على إيران؟
بحسب ما ورد في خطابي الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بعد نحو ساعتين من بدء الضربة، فإن الهدف المعلن يتمثل في إسقاط النظام الإيراني وزعزعة ركائزه، مع تبني خطاب تحريضي يدعو الإيرانيين إلى التحرك ميدانيًا لاستكمال عملية إسقاط النظام.
وفي خطاب بثّه عبر منصته على “تروث سوشيال”، دعا ترامب الإيرانيين إلى البقاء في منازلهم وعدم الخروج، معتبرًا أن الوضع في الخارج “خطير للغاية”، وأضاف أنه عند انتهاء العمليات سيكون على الشعب الإيراني “تولي زمام أمره”، ملمحًا إلى أن ما يجري قد يمثل “فرصة نادرة” قد لا تتكرر عبر أجيال.
أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حسب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب pic.twitter.com/H0ZuNii1su
— نون بوست (@NoonPost) February 28, 2026
كما أعلن ترامب أن عناصر الحرس الثوري والقوات المسلحة والشرطة سيحصلون على “حصانة كاملة” إذا ألقوا أسلحتهم، محذرًا من أنهم سيواجهون القتل في حال رفضوا ذلك، في محاولة لتحييده ومغازلته بعيدًا عن النظام الحاكم.
وفي السياق ذاته، نقلت القناة 12 الإسرائيلية عن مسؤول أمني قوله إن “النظام الإيراني بكامله” بات ضمن الأهداف، وإن الإيرانيين فوجئوا بالهجوم في وضح النهار، فيما نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أمريكيين توقعهم أن تكون العملية أوسع نطاقًا بكثير من ضربات يونيو/حزيران الماضي، وأن الغارات الجوية تستهدف تفكيك منظومة الأمن الإيرانية.

ما نتائج العملية حتى الآن؟
تركّزت الضربة، بحسب المعطيات المتداولة، بصورة أساسية على العاصمة طهران، حيث جرى الحديث عن استهداف عدد من الوزارات الواقعة في جنوب المدينة، وفي مقدمتها وزارة الخارجية. كما أفادت وكالة “فارس” الإيرانية بسماع دوي انفجارات في عدة مدن، من بينها قم وأصفهان وكرمانشاه وكرج وإيلام، إلى جانب الإشارة إلى وقوع ضربات طالت بعض المطارات الداخلية، أبرزها مطار مهرآباد في طهران.
وفي السياق ذاته، نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصدر عسكري قوله إن جزءًا من الموجة الأولى للغارات استهدف “شخصيات كبيرة”، على رأسها المرشد الأعلى على خامنئي ومستشاره على شمخاني، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مشيرًا إلى أن التحقق من النتائج لا يزال جاريًا، هذا بخلاف ما أشارت إليه وسائل إعلام إسرائيلية بأن الضربة نجحت في استهداف العديد من المنصات الصاروخية الإيرانية.
وكالة تسنيم: 7 صواريخ ضربت منطقة القصر الرئاسي ومجمع المرشد الإيراني في طهران. pic.twitter.com/kMYjcFLnYL
— نون بوست (@NoonPost) February 28, 2026
في المقابل، نقلت وكالة “رويترز” عن مصدر إيراني أن المرشد الإيراني لم يكن في طهران وأنه نُقل إلى مكان آمن، بينما ذكرت وكالة “إرنا” نقلًا عن مصدر مطلع في الرئاسة الإيرانية أن بزشكيان بخير ويتمتع بصحة جيدة.
وبالنظر إلى المؤشرات الأولية، يبدو أن الضربة ركّزت على البنية السياسية للنظام الإيراني، عبر استهداف قياداته الرئيسية وفي مقدمتها المرشد وقيادات الحرس الثوري، بالتوازي مع ضرب مقار لعدد من الوزارات والهيئات المدنية، إلى جانب بعض المواقع العسكرية، بما ينسجم مع السردية التي تطرح “إسقاط النظام” بوصفه الهدف المركزي للعملية.
ما الفارق عن الضربة السابقة؟
تكشف المؤشرات الأولية أن الضربة الراهنة تمثل منعطفًا مختلفًا جذريًا عن هجوم يونيو/حزيران الماضي؛ فهي ليست مجرد عملية إسرائيلية حظيت لاحقًا بإسناد أمريكي، بل تبدو منذ لحظتها الأولى كعملية مشتركة مكتملة الأركان بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من حيث التخطيط والتنفيذ وتوزيع الأدوار.
ويبرز الاختلاف الأوضح في طبيعة الأهداف ورسائلها السياسية. ففي الضربة الحالية جرى استهداف مقر إقامة المرشد في قلب العاصمة، بما يعني عمليًا توجيه الضربة إلى رأس هرم السلطة في مركزه الجغرافي والرمزي، إلى جانب الحديث عن استهداف المجمع الرئاسي جنوب طهران، وأجزاء من مقر وزارة الخارجية في الجنوب، وقاعدة قرب مطار مهرآباد، وهذه أهداف لا تُقرأ بمعزل عن محاولة ضرب “الجسد السياسي” للنظام وليس مجرد قدراته العسكرية.
على النقيض، ركّزت ضربة يونيو/حزيران على منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومنصات الصواريخ في إطار أقرب إلى الردع وضبط الإيقاع، لا إلى إعادة تشكيل المعادلة من جذورها، أما الضربة الحالية فتتجاوز منطق الردع إلى منطق الاستهداف الشامل، بما يوحي بأن المقصود هو النظام بوصفه منظومة حكم كاملة.
وإلى جانب ذلك، يضيف مستوى الحشد العسكري واللوجستي فارقًا نوعيًا؛ إذ رافقت الضربة الراهنة حالة تعبئة غير مسبوقة على أكثر من مسار، ما أتاح تنفيذ عمليات متزامنة من الجو والبحر معًا، وهو ما لم يتوفر في الهجوم السابق الذي اعتمد أساسًا على القوة الجوية وحدها.
شن عملية في خضم المفاوضات.. ماذا يعني؟
اللافت في هذه الضربة أنها جاءت في قلب المسار التفاوضي، وفي توقيت كانت فيه المؤشرات العامة—وفق ما جرى تداوله رسميًا وإعلاميًا—تميل إلى الإيجابية لأول مرة خلال الجولة المنعقدة في جنيف، عقب حديث عن إبداء طهران مرونة وتقديم تنازلات وُصفت بغير المسبوقة مقارنة بالجولات السابقة، وهو ما يعزز الانطباع بأن قرار الضربة كان قد اتُّخذ سلفًا، بمعزل عن أداء إيران على طاولة التفاوض أو ما يمكن أن تفضي إليه الجولة من نتائج.
وفي هذا السياق، اكتسبت مقابلة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي—التي سبقت الضربة بساعات على شبكة CBS—أهمية خاصة، إذ قال بوضوح إن إيران وافقت على تنازلات جوهرية في المفاوضات الأخيرة، وفي مقدمتها قبولها بعدم الاحتفاظ بأي مخزون من اليورانيوم المخصب داخل أراضيها؛ وهو طرح قيل إنه يتجاوز حتى ما جرى في اتفاق 2015 الذي وقعته إدارة باراك أوباما.
وتكمن حساسية هذه المقابلة في أنها قدمت للرأي العام الأمريكي رسالة مباشرة مفادها أن طهران منخرطة بجدية في المسار الدبلوماسي، وأن الوصول إلى اتفاق ليس بعيد المنال، وهنا تحديدًا برزت نقطة التوتر لدى التيار المؤيد للحرب، لأن هذا الخطاب يضعف إحدى ركائزه الأساسية أمام الداخل الأمريكي: سردية أن إيران غير جادة وأن الخيار الوحيد المتاح هو الحسم العسكري.
ومن هذا المنطلق، حاول ترامب في خطابه توفير إطار تبريري للضربة رغم الحديث عن التنازلات الإيرانية، معتبرًا أن العملية تهدف إلى “الدفاع عن الشعب الأمريكي” عبر إنهاء ما وصفه بـ”التهديدات الوشيكة” الصادرة عن النظام الإيراني، متهمًا طهران بإدارة “حملة دموية لا تنتهي” طالت الولايات المتحدة وقواتها ومدنيين في دول متعددة.
كما اتهم النظام الإيراني بتعريض المصالح الأمريكية والقواعد الخارجية والحلفاء للخطر، مشيرًا إلى ما وصفه بسجل ممتد “لنحو 47 عامًا” من الخطاب العدائي من قبيل “الموت لأمريكا”، فضلًا عن اتهام طهران بمحاولة إعادة بناء برنامجها النووي وتطوير صواريخ بعيدة المدى بما يشكل تهديدًا لحلفاء واشنطن في أوروبا ولقواتها المنتشرة خارج البلاد.
في المقابل، تطرح قراءة أخرى أن هذه المبررات لا تبدو كافية لتفسير توقيت القرار وحجمه، وأن الضربة تعكس بصورة واضحة انحياز واشنطن إلى الرؤية الإسرائيلية ورغبة حكومة نتنياهو في توجيه ضربة لإيران بصرف النظر عن مسار التفاوض ومخرجاته.
ووفق هذا التصور، فإن الحرب تبدو في جوهرها “حربًا إسرائيلية” تتقاطع معها إدارة ترامب وتخدمها سياسيًا وعسكريًا، رغم التحذيرات من تبعات الإقدام على هذه الخطوة وما قد تفرضه من كلفة على مصالح الولايات المتحدة واستقرار المنطقة، مما يضع صورة واشنطن وقرارها السياسي على المحك.
كيف ردت طهران؟
رغم غياب ردّ رسمي مباشر حتى الآن من القيادة السياسية الإيرانية على الهجمات التي تعرضت لها البلاد، فإن المؤشرات المتداولة توحي بانخراط طهران في المواجهة منذ وقت مبكر، فقد أعلن التلفزيون الإيراني أن إيران تستعد لـ”انتقام ساحق” ضد إسرائيل.
وبحسب ما نُقل، بدأت أولى ملامح الرد بإطلاق عدة رشقات صاروخية باتجاه الأراضي المحتلة، حيث قال جيش الاحتلال إنه رصد صواريخ أُطلقت من إيران وإنه يعمل على اعتراضها، مشيرًا إلى تفعيل منظومات الدفاع في شمال ووسط إسرائيل.
مشاهد لسقوط صاروخ إيراني في العاصمة البحرينية المنامة، مع تصاعد الدخان من منطقة الجفير والتي تضم قاعدة بحرية أمريكية حسبما أفادت رويترز pic.twitter.com/FWTSuGwGyv
— نون بوست (@NoonPost) February 28, 2026
وفي مسارٍ متوازٍ، تحدثت تقارير عن ضربات صاروخية طالت قواعد عسكرية في عدد من دول المنطقة، من بينها البحرين والإمارات والسعودية والكويت وقطر والعراق، وسط أنباء عن سماع دوي انفجارات واعتراض بعض الصواريخ في أكثر من موقع.
ووفق القراءة الأولية، يبدو أن نمط الرد الإيراني هذه المرة يختلف من زاويتين أساسيتين، الأولى تتعلق بسرعة الاستجابة مقارنة بضربات يونيو/حزيران الماضية، إذ جاء الرد دون تأخير يُذكر؛ والثانية ترتبط باتساع رقعة الاستهداف، عبر الجمع بين ضرب “قلب” إسرائيل من جهة، واستهداف مواقع وقواعد أمريكية في الإقليم من جهة أخرى، بما يعكس—على الأقل—درجة من الجاهزية للتعامل مع سيناريوهات تصعيد متعددة.
ما السيناريوهات؟
تبرهن كافة المؤشرات على أن إسقاط النظام الإيراني هو الهدف المركزي لهذه الضربة، بعدما تجاوزت إطارها الردعي التقليدي، ووفق ما نقلته نيويورك تايمز عن مسؤولين إسرائيليين، يُتوقع أن تمتد العملية لعدة أيام وبوتيرة متغيرة، مع ترجيح أن يتصدر “سلاح الاغتيالات” واستهداف القيادات العليا للنظام أدوات التنفيذ الأكثر حضورًا في محاولة تحقيق الهدف المعلن.
كان الحشد العسكري غير المسبوق الذي شهدته المنطقة مؤخرًا مؤشرًا قويًا على أن ضربة قادمة باتت مسألة وقت لا أكثر، وأن إنهاء هذا المستوى من التعبئة أو تفكيكه لا يمكن أن يتم بلا “ثمن سياسي” أو إنجاز يُسوَّق، حتى لو كان رمزيًا، ومن ثمّ، ظلّت الضربة متوقعة في أي لحظة، رغم كل ما جرى الترويج له بشأن الأجواء الإيجابية التي خيّمت على مسار المفاوضات.
غير أن المسار الفعلي سيتحدد بدرجة كبيرة وفق عدة مؤشرات، أبرزها طبيعة الرد الإيراني: هل ستكتفي طهران بامتصاص الضربة وحصر ردّها في نطاق رمزي -سواء عبر استهداف محدود لقواعد أمريكية في المنطقة أو لضربات محسوبة داخل إسرائيل- أم أنها ستذهب إلى ما هو أبعد، عبر إيقاع خسائر كبيرة وتوسيع بنك الأهداف بما ينسجم مع سقف التهديدات التي صدرت عنها خلال الأيام الماضية؟
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية مواقف القوى الدولية والإقليمية، فروسيا والصين، وكذلك حلفاء واشنطن وتل أبيب في المنطقة، يمثلون عاملًا مؤثرًا في رسم مآلات المواجهة، خصوصًا أن الضربة جاءت -بحسب هذا التقدير- غير مكترثة بمقاربات الحلفاء الذين بذلوا جهودًا دبلوماسية لاحتواء التصعيد وتفادي الوصول إلى هذه المرحلة.
ولا يقل عن ذلك تأثير “أذرع إيران” في الإقليم، لا سيما في اليمن ولبنان والعراق؛ إذ إن انخراط هذه الأطراف في مسار التصعيد سيعني عمليًا انتقال المواجهة من نطاق محدود إلى ساحة أوسع، تتجاوز منطق الضربات المحسوبة إلى منطق الاستنزاف المتبادل واتساع الجبهات.
وتتجه الأجواء العامة وفق مؤشراتها الأولية إلى أن المواجهة بالنسبة للنظام الإيراني قد تُقرأ كـ”حرب وجود” أكثر منها جولة ضمن صراع ممتد، ومن ثم سيبقى رد فعل طهران هو “الترمومتر” الحقيقي لمستقبل الضربة، إما أن تظل محدودة إذا ما تحققت أهدافها سريعًا -سواء عبر إسقاط النظام أو دفعه إلى تنازلات جذرية- أو أن تتسع أفقيًا ورأسيًا، وحينها ستكون المنطقة أمام تصعيد غير مسبوق في حجمه ومداه.