ترجمة وتحرير: نون بوست
تمكن النظام الثيوقراطي الإيراني من الصمود لما يقارب نصف قرن في مواجهة أزمات وتدخلات خارجية متكررة، من عمليات الغزو والانتفاضات الداخلية إلى الضربات التي استهدفت قيادته،
وأظهرت الجمهورية الإسلامية مرارًا، وبشكل يخالف التوقعات، قدرتها على التكيف تحت الضغط واستخدام أساليب قاسية عند الحاجة، مما يؤكد متانة بنية سلطة معقدة بُنيت عمدًا على مراكز نفوذ متنافسة.
ويتنافس الرئيس والمؤسسة الدينية والحرس الثوري على السلطة تحت قيادة المرشد الأعلى للبلاد علي خامنئي، والنتيجة نظام يقسم عملية صنع القرار لكنه يعزز في النهاية سيادة المرشد الأعلى.
من هو المرشد الأعلى وما هي صلاحياته؟
يقترب خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا، من نهاية حكمه الذي دام قرابة أربعة عقود. في عام 1989، خلف آية الله روح الله الخميني، أبو الثورة الإسلامية، وتطور منذ ذلك الحين ليصبح شخصية فريدة من نوعها، تتمتع بسلطة دينية استثنائية تمتد إلى معظم أجهزة الدولة.
ويعتبر خامنئي القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويسيطر على السلطة القضائية، ويعيّن رؤساء هيئات الدولة الأساسية بما في ذلك مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة دستورية يهيمن عليها المتشددون وتقوم بفرز جميع المرشحين للمناصب العامة.
ولطالما اتُهم مكتبه الشخصي بالعمل كدولة عميقة في إيران، منسقًا شبكات من رجال الدين ورجال الأعمال والمسؤولين الأمنيين الذين نما نفوذهم ليشكلوا حكومة موازية، وغالبًا ما تلاحقها اتهامات بالفساد المدعوم من الدولة.
وواجه خامنئي هذا العام أيضًا أعنف وأوسع احتجاجات دموية منذ ثورة 1979، ورغم أن النظام احتوى الاضطرابات في هذا الشهر بعد حملة قمع دامية أودت بحياة الآلاف، إلا أن ذلك أكد عمق الغضب الشعبي تجاه النظام الثيوقراطي وقادته.

ما هي محرّكات السياسة الخارجية لإيران؟
ورسّخ خامنئي على مدى عقود حكمه عقيدة “الصبر الإستراتيجي”، وهي مزيج من المقاومة في الخارج وإدارة المعارضة في الداخل بما يضمن بقاء النظام.
غير أن الكثير من ذلك انهار خلال العامين الماضيين منذ أن شنت حماس هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول على إسرائيل، ما أدى إلى اشتعال حرب إقليمية، وانتهى الأمر بالزعيم الإيراني بفقدان مستشاريه العسكريين وأتباعه، وضعفت شبكته الإقليمية من الوكلاء بشكل كبير.
وبصفته متشددًا يعارض منذ زمن طويل تخفيف قيود الجمهورية الإسلامية، فقد قاوم بعناد الدعوات للتغيير من داخل الدوائر القيادية، بحسب محللين، وهذا يعني عمليًا أنه أشرف على مشروع طويل الأمد، بمساعدة الحرس الثوري، لترسيخ سيطرة المتشددين على مؤسسات الدولة.
ماذا حدث للإصلاحيين؟
وسعى الإصلاحيون لإحداث تغيير تدريجي في إيران، ولكن ضمن حدود معينة؛ حيث سعوا إلى تخفيف القيود الثقافية، ومعالجة الإحباطات الاقتصادية، وأعربوا في بعض الأحيان عن انفتاحهم على الانخراط الدبلوماسي مع الغرب.
غير أن زخم الإصلاحيين تراجع بشكل كبير خلال العقد الماضي، حيث يُسمح لهم بالمشاركة في السياسة فقط بقدر لا يهدد مصالح المؤسسة الدينية أو يتحدى أولوية المرشد الأعلى وحلفائه المحافظين.
ويمثل الرئيس مسعود بزشكيان، أول رئيس إصلاحي للبلاد منذ عقدين، الوجه المعتدل للمؤسسة السياسية الإيرانية؛ حيث قوبل انتخاب بزشكيان، وهو جرّاح قلب ووزير صحة سابق، بتفاؤل حذر؛ سواء بين الناخبين الإيرانيين المنهكين أو المراقبين الأجانب الذين رأوا فيه عودة محتملة للدبلوماسية.
غير أن بزشكيان، في النهاية، موالٍ للنظام، وقد أكد التزامه تجاه خامنئي؛ وتعد رئاسته عمليًا تنازل مُدارًا، وصمام ضغط يهدف إلى تهدئة الاضطرابات لا إلى تغيير النظام.
من هم المتشددون المحافظون؟
أحد نماذجهم هو محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري ورئيس البرلمان الحالي، وشغل منصب عمدة طهران سابقًا، ويجسد اندماج الانضباط العسكري والطموح البيروقراطي الذي يميز النخبة المحافظة في إيران.
ورغم أنه يُعتبر غالبًا منافسًا لبزشكيان، فإن ولاءه الحقيقي هو للحفاظ على بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية، فهو براغماتي مستعد للعمل مع الإصلاحيين عند الحاجة، لكن أولويته الأولى دائمًا هي الحفاظ على تماسك النظام.
و توجد مؤسسة تجسد صمود النظام أكثر من الحرس الثوري؛ فقد أنشئ بعد ثورة 1979 لحمايتها من الأعداء الداخليين والخارجيين، ثم تحول إلى أقوى مؤسسة في إيران، مسيطرًا على قطاعات واسعة من الاقتصاد؛ من البناء إلى التهريب المزعوم إلى الاتصالات. وإلى جانب إشرافه على البرنامج النووي الإيراني، يمارس الحرس الثوري نفوذًا حاسمًا في السياسة الخارجية عبر قوة القدس وشبكة الجماعات المسلحة الحليفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
وتساعد قيادته، المختارة بعناية لولائها لخامنئي، على ضمان بقاء سلطة المرشد الأعلى بلا منازع.
هل يمكن أن تغيّر الضربات الأمريكية ميزان القوى في إيران؟
لم يُصمم النظام الإيراني من أجل الكفاءة بل من أجل البقاء؛ فالسلطة مقسمة عمدًا: الرئيس يحكم تحت ظل المرشد الأعلى؛ والبرلمان يشرع تحت حق النقض المكفول لمجلس صيانة الدستور؛ والجيش يخضع للحرس الثوري الذي لا يخضع إلا لخامنئي وحده.
وتضمن هذه الشبكة من المؤسسات المتداخلة ألا يتمكن أي شخصية واحدة، حتى الرئيس الإصلاحي، من تفكيك النظام من الداخل.
وحتى لو ألحقت الضربات الأمريكية أضرارًا بالبنية العسكرية، فمن غير المرجح أن تقلل من نفوذ الحرس الثوري؛ حيث استخدمت المؤسسة التهديدات الخارجية تاريخيًا لتعزيز قبضتها، وتبرير حملات القمع وحشد الحماس القومي.
ويرى بعض المحللين أن الضربات قد تعزز دور الحرس الثوري، وربما تمهد الطريق لظهور رجل قوي براغماتي مستعد للتخلي عن الأيديولوجيا الإسلامية لصالح قومية إيرانية جديدة.
غير أن الحرس الثوري ليس كتلة واحدة، ولديه تاريخ طويل من المنافسات الداخلية. ورغم أن تلك المنافسات ظلت تحت السيطرة في عهد خامنئي، فإن أي عدم استقرار في إيران قد يؤدي إلى ظهورها إلى العلن.
ماذا عن المعارضة؟
أدى غياب معارضة موحدة وذات مصداقية ومنظمة، بعد سنوات من القمع والمنفى، إلى عزل المتظاهرين الإيرانيين. ويقوم رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير المنفي، مرة أخرى بوضع نفسه في موقع الزعيم المحتمل لأولئك الذين يدفعون نحو تغيير النظام.
وعلى الرغم من وجود بعض المؤشرات على احتمال ارتفاع مستوى التأييد له، إلا أن ذلك يرجع جزئيًا إلى أن الإيرانيين اليائسين ليس لديهم سوى خيارات قليلة أخرى.
لقد نجح نظام خامنئي في الصمود أمام العديد من العقوبات والاغتيالات والانتفاضات من قبل، وقد تكيّف قادة إيران، المنقسمون في رؤيتهم ولكن متحدون في السعي للبقاء، مرارًا وتكرارًا من خلال المقاومة.
غير أنه الهجوم العسكري على النظام هذه المرة قد يضطره إلى خيارات صعبة، مما يدفع النظام إلى اتخاذ قرارات قد تغير اتجاهه.
المصدر:فاينانشال تايمز