باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، تدخل الجمهورية الإسلامية أخطر لحظة في تاريخها منذ تأسيسها عام 1979، فالرجل الذي حكم إيران فعليًا منذ عام 1989، وأعاد تشكيل توازناتها الداخلية ومدّ نفوذها الإقليمي، يسقط في قلب حرب تستهدف بنية النظام ذاته، وفيما يتجاوز هذا الاغتيال سقوط شخصية سياسية عليا، ليُشكل انتهاء لعهد امتد لأكثر من ثلاثة عقود، تركز خلالها القرار الاستراتيجي في موقع صُمم ليكون الضامن النهائي لاستقرار الدولة الثورية واستمراريتها.
لطالما شكّل موقع المرشد الأعلى الدلالة الأوضح على الطبيعة الفريدة للنظام الذي أفرزته الثورة الإسلامية، فالجمهورية الإسلامية لم تُبنَ كنظام رئاسي تقليدي، ولا كدولة دينية خالصة، إنما كصيغة هجينة تمزج بين الشرعية الدينية والسلطة السياسية، وتُقيم فوق مؤسسات الدولة بنية موازية تتمحور حول المرشد وأجهزة الثورة، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، في بنية شكلت سلطة فوقية تضبط إيقاع الدولة وتحدد سقوفها السياسية والأمنية.
في هذا الإطار، كان علي خامنئي خليفة روح الله الخميني، وفي ذات الوقت الشخصية التي أعادت هندسة النظام بعد وفاة مؤسسه عام 1989، ورسّخت دعائمه المؤسسية، فمنذ توليه المنصب، عمل على تثبيت مركزية موقع المرشد، وإعادة توزيع موازين القوة داخل الدولة، وضبط التفاعل بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة. وكان، طوال ثلاثة عقود، المرجعية النهائية في إدارة التوازن بين جناحي النظام -الإصلاحيين والمحافظين- وصاحب الكلمة الفصل في تحديد الحدود التي يمكن أن يتحرك داخلها كل تيار، بما يضمن بقاء النظام متماسكًا رغم العقوبات والاحتجاجات والضغوط الإقليمية والدولية.
إقليميًا، تحوّل خامنئي إلى رقم مركزي في معادلات الشرق الأوسط، وامتدت قيادته إلى صياغة رؤية استراتيجية اعتمدت على الاستثمار في شبكة من الحلفاء الإقليميين، وتكريس ما بات يُعرف بـ”محور المقاومة” بوصفه أداة ردع ووسيلة لبناء عمق استراتيجي عابر للحدود، ضمن مقاربة تسعى إلى إعادة تشكيل بيئة الاشتباك الإقليمي، وصولًا إلى استراتيجية تطويق إسرائيل بطوق متعدد الجبهات.
باغتياله، لا تُطوى سيرة رجل حكم إيران فحسب، بل يُفتح سؤال أكبر يتعلق بقدرة النظام الذي هندسه على الصمود دون مركز ثقله وشرعيته ورمزيته، فموقع المرشد يُشكل العقدة التي تتقاطع عندها الشرعية الدينية، والقرار السياسي، والبنية الأمنية. ومع سقوط هذه العقدة في لحظة حرب مفتوحة، تدخل إيران مرحلة انتقال غير مسبوقة، سيكون عنوانها الأبرز: هل يمكن إعادة إنتاج مركز ثقل بحجم الرجل الذي شكّل ملامح حقبة كاملة من تاريخها؟
الهوية الأساسية والنشأة
وُلد علي حسيني خامنئي في 19 أبريل/نيسان 1939 في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، في بيئة دينية محافظة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة المتواضعة، وينحدر من أسرة ذات خلفية دينية؛ فوالده كان رجل دين محليًا معروفًا، ما وضعه مبكرًا في سياق اجتماعي يرتبط بالمؤسسة الدينية التقليدية في إيران، خصوصًا في مدينة تُعد من أبرز المراكز الدينية في البلاد.
نشأ خامنئي في ظروف معيشية محدودة نسبيًا، وهو ما تشير إليه معظم الروايات حول طفولته، حيث عاشت الأسرة في منزل بسيط في أحد أحياء مشهد القديمة، وقد لعبت هذه الخلفية الاجتماعية دورًا في تشكيل صورته الذاتية لاحقًا كشخصية قادمة من بيئة تقليدية غير مترفة، ومتصلة بالطبقات الشعبية المحافظة في المجتمع الإيراني.
تنحدر عائلته من أصول تعود إلى منطقة أذربيجان الإيرانية، مع امتدادات تاريخية لبعض أفراد الأسرة إلى النجف في العراق، وهو ما يعكس ارتباطًا مبكرًا بالحوزات العلمية التقليدية في كل من إيران والعراق، ومنح هذا الامتداد الجغرافي – الثقافي بيئته العائلية بعدًا يتجاوز الإطار المحلي لمدينة مشهد، وربطه منذ الصغر بشبكة أوسع من المرجعيات الدينية الشيعية.
انتخب مرشدًا أعلى بعد وفاة الخميني، يعد من مهندسي توسيع النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني، وأشرف على سياساته العامة.. من هو علي خامنئي؟ pic.twitter.com/V5m9st5WvW
— نون بوست (@NoonPost) February 28, 2026
في هذا السياق، تلقى تعليمه الأولي في مدارس دينية تقليدية، قبل أن يتجه إلى مسار دراسي ديني متكامل في مرحلة مبكرة من حياته، ولم تكن نشأته منفصلة عن المناخ السياسي العام في إيران خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وهي مرحلة اتسمت باضطرابات سياسية وصعود تيارات معارضة لحكم الشاه، وهو ما سيؤثر لاحقًا في انتقاله من الحقل الديني إلى الفضاء السياسي.
وقد شكلت مرحلة النشأة عند خامنئي قاعدة رمزية اعتمد عليها لاحقًا في بناء صورته كجزء من المؤسسة الدينية – الثورية، فقد جمع بين الانتماء إلى تقاليد دينية راسخة، والاحتكاك المبكر بسياق سياسي متحوّل، وهو ما مهد الطريق لتحوله التدريجي من طالب علوم دينية في مشهد وقم إلى أحد أبرز الفاعلين في المشهد الإيراني بعد الثورة.
وفي سياق حياته الشخصية، تزوج علي خامنئي من منصورة خجسته باقرزاده، وأنجب منها ستة أبناء: أربعة ذكور وبنتين. وهم: مصطفى خامنئي، مجتبى خامنئي، مسعود خامنئي، ميثم خامنئي، بشرى خامنئي، وهدى خامنئي.
ورغم أن حياته العائلية بقيت بعيدة نسبيًا عن الإعلام مقارنة بموقعه السياسي، فإن بعض أبنائه، وعلى رأسهم مجتبى خامنئي، ذُكر اسمه في سياق الحراك السياسي بدوائر النفوذ داخل النظام، خاصة في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، لم تتحول العائلة إلى مركز حضور علني في المشهد العام، وبقيت ضمن الإطار المحافظ الذي يميز الطبقة الدينية الحاكمة في إيران.
التكوين العلمي والفكري
اتجه علي خامنئي منذ سنواته المبكرة إلى المسار الديني التقليدي، فبعد إنهاء دراسته الأولية في مشهد، انخرط في دراسة العلوم الدينية في الحوزة العلمية بالمدينة نفسها، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى قم، التي تُعد المركز الأبرز للدراسات الدينية الشيعية في إيران. في تلك المرحلة، بدأ مساره التعليمي يتخذ طابعًا تخصصيًا في الفقه وأصوله، إلى جانب علوم التفسير والحديث والفلسفة الإسلامية.
في قم، تتلمذ على عدد من كبار علماء الحوزة آنذاك، وكان من بينهم روح الله الخميني، الذي سيصبح لاحقًا قائد الثورة الإسلامية ومؤسس النظام الجديد عام 1979، وقد أسهمت هذه العلاقة المبكرة في تشكيل ملامح توجهه الفكري والسياسي، خاصة فيما يتعلق بمفهوم “ولاية الفقيه” ودور المؤسسة الدينية في إدارة الدولة.
نيويورك تايمز: صور أقمار اصطناعية تظهر استهداف مجمع المرشد الإيراني في طهران pic.twitter.com/Qg3odHAGgO
— نون بوست (@NoonPost) February 28, 2026
إلى جانب قم، أمضى فترة دراسية في النجف بالعراق، التي كانت تمثل آنذاك مركزًا موازيًا للحوزة الإيرانية، وتضم مدارس فكرية مختلفة داخل التيار الشيعي، وقد أتاح له هذا الاحتكاك بين المدرستين – قم والنجف – الاطلاع على تنوع في المناهج الفقهية والسياسية داخل الإطار الديني الشيعي، وساهم في توسيع أفقه المعرفي خارج الإطار المحلي الإيراني.
لم يقتصر تكوينه على الدراسة الفقهية التقليدية؛ إذ تشير سيرته إلى اهتمام مبكر بالأدب العربي والفارسي، واطلاع على الفكر الإسلامي الحديث، بما في ذلك كتابات سيد قطب وبعض منظري الحركات الإسلامية في العالم العربي، مما منح خطابه لاحقًا بعدًا سياسيًا أوسع، يتجاوز الطابع الفقهي الصرف للخطاب الحوزوي التقليدي إلى خطاب تعبوي – أيديولوجي موجّه إلى المجال العام.
النشاط السياسي قبل الثورة والصدام مع نظام الشاه
مع مطلع ستينيات القرن الماضي، بدأ علي خامنئي يخرج تدريجيًا من الإطار التعليمي البحت إلى المجال العام، متأثرًا بالمناخ السياسي المتصاعد في إيران آنذاك، خاصة بعد إطلاق الشاه محمد رضا بهلوي برنامج “الثورة البيضاء”، الذي أثار معارضة واسعة في الأوساط الدينية والمحافظة. في هذا السياق، انخرط خامنئي في التيار المعارض الذي كان يتشكل حول روح الله الخميني، والذي اعتبر سياسات الشاه تهديدًا لدور المؤسسة الدينية وللهوية الإسلامية للمجتمع الإيراني.
تمثل نشاطه في تلك المرحلة في إلقاء الخطب، وتنظيم حلقات توعوية، والمشاركة في شبكات غير رسمية لنشر خطاب معارض للنظام، وقد ركّز في خطابه على نقد سياسات التغريب، والتقارب الإيراني – الأميركي، وطبيعة النظام الملكي القائم، مما جعله عرضة لملاحقة أجهزة الأمن التابعة للشاه، حيث تعرض للاعتقال أكثر من مرة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إذ اعتقل أول مرة عام 1962 بسبب مشاركته في اجتماع احتجاجي لأعضاء “حركة فدائيي الإسلام” لدعم القضية الفلسطينية.
بين القصر والحوزة.. نصف قرن من التحول الإيراني بين عهديّ الشاه وولاية الفقيه، حيث تبدلت الشعارات وبقيت المعاناة واحدة: استبداد يتجدد بوجهين مختلفين. pic.twitter.com/uQhws58LYt
— نون بوست (@NoonPost) January 14, 2026
كما شملت الإجراءات بحقه فترات من الإقامة الجبرية والنفي الداخلي إلى مدن بعيدة عن مراكز النشاط السياسي، في محاولة لتقليص تأثيره داخل الأوساط الدينية والشبابية، إلا أن هذه الإجراءات لم تُنهِ حضوره، بل ساهمت في تعزيز صورته داخل التيار المعارض كشخصية دفعت ثمن مواقفها السياسية.
خلال هذه المرحلة، تشكّلت ملامح دوره كحلقة وصل بين الحوزة الدينية والشارع السياسي، حيث تبنى لغة تعبئة سياسية مرتبطة بفكرة “إقامة نظام إسلامي” بديل عن النظام الملكي. وقد شاركه أنشطته السياسية المعارضة للشاه كلًا من مرتضى مطهري، أكبر هاشمي رفسنجاني، محمود طالقاني، أبو الفضل زنجاني، مهدي بازركان، يد الله سحابي، عباس شيباني، كاظم سامي، وقادة إيرانيون آخرون.
التقى خامنئي لأول مرة زعيم الثورة الخميني عام 1957 حيث تتلمذ عليه وتأثر بأفكاره، التقى برفيق دربه كما يصفه علي أكبر هاشمي رفسنجاني في السنة نفسها بمدينة كربلاء وسط العراق. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية أواخر السبعينيات، كان جزءًا من شبكة القيادات الدينية التي لعبت دورًا في تعبئة الشارع تمهيدًا لانتصار الثورة عام 1979.
أدواره بعد الثورة وصعوده داخل مؤسسات الدولة
مع انتصار الثورة الإسلامية في فبراير/شباط 1979 وسقوط نظام الشاه، دخل علي خامنئي مرحلة جديدة انتقل فيها من موقع المعارض إلى موقع الشريك في بناء النظام الجديد، وفي السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية، تولّى سلسلة من المسؤوليات السياسية والتنظيمية، كان أبرزها عضويته في مجلس قيادة الثورة، ومشاركته في تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي، الذي شكّل أحد الأطر السياسية الرئيسية للنظام الوليد.
في هذه المرحلة، برز اسمه كأحد الوجوه الشابة نسبيًا في الصف القيادي المحيط بروح الله الخميني، مع حضور واضح في الملفات الفكرية والتنظيمية، كما عُيّن ممثلًا للخميني في عدد من المؤسسات، وتولى دورًا في الإشراف على بعض الترتيبات الأمنية والسياسية في السنوات الأولى التي اتسمت باضطراب داخلي وصراع بين التيارات المختلفة داخل النظام.

عام 1981 شكّل محطة مفصلية في مساره؛ ففي يونيو/حزيران من ذلك العام تعرّض لمحاولة اغتيال عبر تفجير استهدف اجتماعًا كان يحضره، ما أدى إلى إصابته إصابة بالغة تسببت بشلل دائم في يده اليمنى، وقد عزّز هذا الحدث مكانته داخل النظام بوصفه أحد القيادات التي دفعت كلفة مباشرة في الصراع الداخلي الذي أعقب الثورة ولُقب بالـ”الشهيد الحي”.
بعد أشهر قليلة من تلك الحادثة، ومع تصاعد الأزمة السياسية التي انتهت بعزل أول رئيس للجمهورية أبو الحسن بني صدر، انتُخب خامنئي رئيسًا للجمهورية في أكتوبر/تشرين الأول 1981، وأعيد انتخابه لولاية ثانية عام 1985، ليبقى في المنصب حتى عام 1989.
تزامنت فترة رئاسته مع الحرب الإيرانية – العراقية (1980–1988)، وهو ما جعل أولوياته مرتبطة بإدارة الدولة في ظل ظروف حرب طويلة واستنزاف اقتصادي وعسكري، وعلى الرغم من أن السلطة التنفيذية في النظام الإيراني ليست الأعلى هرمياً مقارنة بمنصب المرشد، فإن وجوده في الرئاسة خلال سنوات الحرب عزز موقعه داخل معادلة الحكم، وعمّق علاقته بالمؤسسة العسكرية، لا سيما الحرس الثوري.
يمكن النظر إلى هذه المرحلة باعتبارها مرحلة ترسيخ حضوره داخل بنية الدولة، وانتقاله من إطار “القيادي الثوري” إلى “رجل الدولة”، مع خبرة مباشرة في إدارة السلطة التنفيذية خلال واحدة من أصعب الفترات في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
توليه منصب المرشد الأعلى: من التحفظ على القيادة الفردية إلى تثبيت مركزية القرار
شكّلت وفاة روح الله الخميني في 3 يونيو/حزيران 1989 لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وسط تساؤلات جوهرية تجاوزت النقاش حول اسم خليفة مؤسس النظام، إلى الكيفية التي سيُدار النظام من بعده: عبر قيادة فردية قوية كما كان الحال في عهد الخميني، أم من خلال صيغة جماعية تقلّل من مخاطر تركّز السلطة؟
داخل جلسة مجلس خبراء القيادة التي انعقدت لاختيار الخلف، طُرحت بجدية فكرة “القيادة الجماعية”، وهي صيغة كان الدستور الإيراني لعام 1979 يسمح بها، وكان يرى بعض أعضاء المجلس أن المرحلة الانتقالية، في ظل غياب شخصية دينية كاريزمية بحجم الخميني، تقتضي توزيع السلطة على مجلس من الفقهاء بدل تركيزها في يد شخص واحد.
في تلك الجلسة، لم يكن علي خامنئي المرشح الطبيعي أو الأبرز للمنصب، وبالرغم من أنه كان يشغل موقع رئيس الجمهورية، لكنه لم يكن يُعد من كبار المراجع الدينيين وفق المعايير التقليدية للحوزة، وتشير التسجيلات المنشورة لاحقًا من مداولات المجلس إلى أن خامنئي نفسه عبّر عن عدم اعتقاده بأهليته لتولي المنصب، وأبدى تحفظًا واضحًا على فكرة اختياره مرشدًا فردًا، بل مال في مداخلته إلى اعتبار القيادة الجماعية خيارًا منطقيًا في تلك اللحظة.
وقد انسجم هذا الموقف مع الإدراك لتفاصيل شرط “المرجعية العليا” الذي كان منصوصًا عليه دستوريًا آنذاك، والذي لم يكن ينطبق عليه بشكل صريح، لكن مع احتدام النقاش، وتزايد المخاوف من فراغ قيادي أو انقسام داخلي، اتجهت الكفة داخل المجلس نحو حسم سريع، فتم التصويت على اختياره مرشدًا أعلى بصفة مؤقتة، على أن يُعاد النظر في الشروط الدستورية.
بعد أشهر قليلة، وفي إطار تعديل دستوري أُقر عبر استفتاء عام 1989، جرى حذف شرط “المرجعية الدينية العليا”، والاكتفاء بشرط الكفاءة الفقهية والسياسية، ما ثبّت موقعه قانونيًا ومنحه غطاءً دستوريًا كاملًا.
اللافت أن الشخصية التي بدت في تلك اللحظة متحفظة على تركّز السلطة، أصبحت خلال العقود التالية الأكثر ترسيخًا لمركزية موقع المرشد في بنية النظام، فخلال التسعينيات وما بعدها، تحوّل منصب المرشد من موقع مرجعي إشرافي إلى مركز الثقل الاستراتيجي في الدولة، تمر عبره الملفات الكبرى: تعيين قادة القوات المسلحة، توجيه السياسة الخارجية، ضبط التوازنات بين التيارات السياسية، وتحديد سقوف الإصلاح والانفتاح.
الفلسفة الإقليمية لخامنئي: بناء عمق استراتيجي عبر شبكة ردع متعددة الجبهات
منذ توليه منصب المرشد الأعلى عام 1989، تعامل علي خامنئي مع السياسة الخارجية باعتبارها جزء عضوي من عقيدة أمن قومي طويلة الأمد، فخروج إيران من حرب استنزافية مع العراق، ووجود عسكري أمريكي متزايد في الخليج، ثم لاحقًا في أفغانستان والعراق، رسّخ لديه قناعة بأن أمن إيران لا يمكن أن يُدار داخل حدودها الجغرافية فقط.
تدريجيًا، تبلورت في عهده مقاربة تقوم على “نقل خطوط الاشتباك” خارج الداخل الإيراني، وبناء ما يمكن تسميته بعمق جيوسياسي وقائي، ولم تُحصر هذه المقاربة في إطار نظري معلن فقط، إنما تم ترجمتها إلى سياسة عملية قوامها إنشاء شبكة تحالفات إقليمية مترابطة، وهو ما بات يُعرف مع مرور الوقت، في الأدبيات السياسية والإعلامية باسم “محور المقاومة”.
الفكرة المركزية في هذه المقاربة تقوم على أن الردع يتحقق بتجنب المواجهة التقليدية المباشرة مع الخصوم المتفوقين عسكريًا، واللجوء إلى توزيع أوراق القوة على جبهات متعددة. لذلك، عززت طهران في عهده علاقتها بـ”حزب الله” في لبنان، ووسّعت حضورها في العراق بعد 2003، وانخرطت بعمق في دعم النظام السوري لدرجة الانخراط المباشر في الدفاع عنه بعد 2011، إضافة إلى دعم حركات فلسطينية مثل حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وهي تحالفات شكلت أجزاء من شبكة ردع متكاملة.
وقد برز الدور التنفيذي لقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، الذي حظي بثقة سياسية مباشرة من خامنئي، وقد عكست العلاقة بين الرجلين تزاوج القرار الاستراتيجي المركزي في مكتب المرشد مع التنفيذ العملياتي الميداني، إذ كان سليماني مهندس الربط بين الساحات المختلفة، لكن الإطار الفكري والسياسي الذي تحرك داخله كان يُصاغ في قمة هرم السلطة.
في هذا السياق، باتت إيران تحيط إسرائيل ببيئة اشتباك ممتدة، من جنوب لبنان إلى الساحة السورية وصولًا إلى غزة. في الأدبيات الإسرائيلية والغربية، وُصف هذا التموضع بأنه محاولة لإحاطة إسرائيل بـ”هلال من نار”، بينما تنظر إليه طهران كشبكة ردع تمنع نقل الحرب إلى الداخل الإيراني.
شكّل اغتيال قاسم سليماني في يناير/كانون الثاني 2020 بضربة أمريكية خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب لحظة اختبار مركزية، فقد استُهدف أبرز منفذي الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، لكن الرد الإيراني المباشر بقصف قاعدة عين الأسد في العراق أظهر أن منظومة القرار مرتبطة ببنية مؤسساتية ولا تقف عند حدود الأفراد، لكنها أظهرت أيضًا قدرة النظام الإيراني على إصدار رسائل الردع دون التسرع في الاندفاع نحو مواجهات بأثمان كبيرة تهدد المشروع الاستراتيجي للنظام.
يمكن قراءة فلسفة خامنئي الإقليمية وفق ثلاث ركائز مترابطة؛ أولًا، بناء عمق استراتيجي خارج الجغرافيا الإيرانية، وثانيًا، خلق توازن ردع غير مباشر مع خصوم متفوقين عسكريًا، وثالثًا، تحويل الحلفاء الإقليميين إلى عناصر بنيوية في معادلة الأمن القومي الإيراني.
وبهذا المعنى، ارتكز وجود وحيوية “محور المقاومة” على أرضية جعل أي مواجهة مع إيران مكلفة ومتعددة الساحات مما يُعقد حسابات الخصوم، وبشكل خاص الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة.
إدارة التوازنات الداخلية: بين الحرس والإصلاحيين وضبط المجال السياسي
بينما كانت فلسفة خامنئي الإقليمية تقوم على بناء عمق استراتيجي خارج الحدود، فإن مقاربته الداخلية ارتكزت على مبدأ موازٍ يقوم على حماية تماسك النظام من الداخل عبر ضبط التوازن بين مراكز القوة ومنع أي انزلاق قد يهدد بنيته الأساسية.
منذ التسعينيات، أدرك خامنئي أن الجمهورية الإسلامية لم تعد مجرد مشروع ثوري، بل دولة ذات مؤسسات متشعبة وتيارات سياسية متعددة، وقد شكّل صعود التيار الإصلاحي مع انتخاب محمد خاتمي رئيسًا عام 1997 اختبارًا مبكرًا لهذه المعادلة، إذ حافظ خامنئي في تلك المرحلة على موقعه بوصفه “المرجعية العليا” التي تحدد سقف الإصلاح، بحيث يُسمح بهامش من التعدد السياسي، لكن دون المساس بالركائز الجوهرية للنظام، وعلى رأسها دور المرشد، ومكانة المؤسسة الدينية، والعلاقة العضوية مع الحرس الثوري.
وقد مثّلت العلاقة مع الحرس الثوري الإيراني حجر الزاوية في هذه المقاربة، فخلال العقود الثلاثة الماضية، تحوّل الحرس الثوري من قوة عسكرية موازية للجيش التقليدي إلى فاعل مركزي في الاقتصاد والسياسة والأمن، وجرى هذا التحول في ظل دعم سياسي واضح من مكتب المرشد، الذي رأى في الحرس مؤسسة ضامنة لاستمرارية النظام في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
مع مرور الوقت، أصبح الحرس شريكًا في معادلة الحكم، في الملفات الأمنية، والمشاريع الاقتصادية الكبرى، وإدارة الأزمات الإقليمية، وحتى في رسم بعض ملامح السياسة الداخلية. في المقابل، ظل القرار النهائي في الملفات الاستراتيجية بيد المرشد، ما حافظ على صيغة توازن دقيقة بين مؤسسة قوية ميدانيًا، وقيادة مركزية سياسية تحدد الاتجاه العام.
الاختبار الأكثر وضوحًا لهذه المعادلة ظهر في لحظات الاحتجاج الداخلي، بدءًا من أحداث 1999 الطلابية، مرورًا باحتجاجات 2009 عقب الانتخابات الرئاسية، وصولًا إلى موجات الاحتجاج الواسعة في 2017 و2019، ثم الاحتجاجات التي اندلعت عام 2022. في كل مرة، تبنّى خامنئي خطابًا يميز بين “المطالب المعيشية” و”محاولات زعزعة النظام”، مع تشديد على ضرورة الحفاظ على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى فوضى شبيهة بما شهدته بعض دول المنطقة.
ويمكن تلخيص إدارة خامنئي للتوازنات الداخلية بمعادلة ثلاثية تقوم على تعزيز موقع المؤسسات الأمنية والعسكرية كضمانة استقرار، ضبط المجال السياسي عبر آليات دستورية مثل مجلس صيانة الدستور، والحفاظ على مركزية القرار في مكتب المرشد، وهي معادلة تشكلت تدريجيًا منذ 1989، وسمحت للنظام بالاستمرار رغم أزمات متكررة وضغوط اقتصادية وعقوبات دولية.
إشكالية الخلافة: من استحقاق مؤجل إلى معادلة بقاء في زمن الحرب
لم يكن النقاش حول خلافة علي خامنئي وليد التصعيد العسكري الأخير، بل بدأ قبل سنوات، مدفوعًا بعاملين أساسيين: تقدّمه في السن، والتساؤلات المتكررة حول حالته الصحية، إضافة إلى إدراك مؤسسات الدولة أن موقع المرشد الأعلى يشكل العقدة المركزية في النظام السياسي الإيراني، خصوصًا مع البنية التي تقوم على مركز ثقل واحد يضبط التوازن بين المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، والمؤسسات الدستورية، فإن أي شغور مفاجئ في هذا الموقع دون توافق مسبق قد يفتح الباب أمام ارتباك داخلي لا يحتمله النظام.
غير أن اندلاع الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نقل هذا النقاش من إطار الاستحقاق الطبيعي إلى مستوى التهديد الأمني المباشر، خصوصًا مع الإعلان رسميًا عن نجاح الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئ، وذلك بعد ساعات من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب استهداف المرشد، بُعيد تلميحات إسرائيلية باستهداف مركز القيادة في طهران، وهو ما جعل مسألة الخلافة جزءًا من حسابات البقاء، والحفاظ على تماسك النظام، وليست مجرد ترتيبات انتقال سياسي، خصوصًا أن المستهدف في هذه الحرب هو النظام بأسره كتركيبة ووجود.
دستوريًا، يتولى مجلس خبراء القيادة اختيار المرشد، ويملك نظريًا خيارين: تعيين مرشد فرد، أو تشكيل مجلس قيادة جماعي، لكن التجربة التي ترسخت منذ 1989 عززت نموذج المرشد الفرد بوصفه الضامن النهائي لوحدة القرار، ما يجعل خيار المجلس الجماعي احتمالًا استثنائيًا يُطرح فقط في حال تعذر التوافق على شخصية جامعة.
لا يُختزل سؤال الخلافة في قائمة أسماء، بل في قدرة النظام على إعادة إنتاج مركز ثقل مماثل لما شكّله خامنئي والاختبار الحقيقي اليوم هو: هل يمكن الحفاظ على هذه المركزية في ظل حرب مفتوحة وتهديد معلن بإسقاط النظام؟
في هذا السياق، تتمركز تقديرات الخلافة حول عدة أسماء، تختلف أوزانها باختلاف دوائر النفوذ التي تمثلها. داخل الدائرة الأقرب إلى مكتب المرشد، يُذكر اسم مجتبى نجل المرشد علي خامنئي، الذي يُنظر إليه كشخصية ذات حضور داخل دوائر القرار غير الرسمية، ويرتبط طرح اسمه بفكرة الاستمرارية الصلبة للنهج الحالي، لكنه يصطدم بحساسية صورة “التوريث” في نظام يرفض رسميًا الطابع الوراثي للسلطة.
في المقابل، يبرز اسم محسن قمي، المعروف بقربه من المرشد وعضويته في مجلس الخبراء، ما يمنحه موقعًا داخل الحلقة الضيقة، وإن كان وزنه الفقهي لا يُعد الأعلى في الحوزة.
أما داخل المؤسسة الدينية الأوسع، فيظهر اسم علي رضا أعرافي، الذي يرأس الحوزات العلمية ويشغل مواقع في مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء، ما يمنحه ثقلًا مؤسساتيًا ودينيًا معتبرًا. وكذلك محسن أراكي، العضو المخضرم في مجلس الخبراء، الذي يمتلك خبرة طويلة داخل بنية الحكم الديني.
في الدائرة الأمنية – القضائية، يبرز اسم غلام حسين محسني إيجئي، رئيس السلطة القضائية، وصاحب خلفية في أجهزة الاستخبارات، ما يجعله مقبولًا لدى التيار المحافظ المتشدد، ويمنحه نقطة قوة في لحظة قد تتطلب حسمًا أمنيًا سريعًا. كما يُطرح اسم هاشم حسيني بوشهري، إمام جمعة قم وعضو مجلس الخبراء، وإن كان حضوره في التكهنات أقل من غيره.
ومن خارج الدائرة الفقهية الصرفة، أعادت بعض التحليلات طرح اسم علي لاريجاني، السياسي المخضرم والرئيس السابق للبرلمان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران، خصوصًا بعد دوره البارز في حرب الأيام الـ12 وما تلاها التي ظهر فيها باعتباره الرجل الحديدي للنظام، مما جعله خيارًا قد يمثل توازنًا بين الدولة والمؤسسة الدينية، خاصة في سيناريو يسعى إلى إدارة انتقال سلس في ظرف حرب، غير أن عقبة لاريجاني الأساسية تكمن في أن موقع المرشد يتطلب غطاءً فقهيًا صريحًا، لا مجرد خبرة سياسية.
مع ذلك، يبقى العامل الحاسم في هذه المعادلة هو موقف الحرس الثوري الإيراني، فخلال عهد خامنئي تحوّل الحرس إلى ركيزة أساسية في بنية النظام، وأي مرشح لا يحظى بقبول ضمن هذه المؤسسة سيكون من الصعب تثبيته في لحظة انتقال حرجة خصوصًا في زمن الحرب.
في النهاية، لا يُختزل سؤال الخلافة في قائمة أسماء، بل في قدرة النظام على إعادة إنتاج مركز ثقل مماثل لما شكّله خامنئي، فإذا كان الرجل قد بدأ مسيرته متحفظًا على القيادة الفردية، ثم أعاد هندسة المنصب ليصبح محور القرار الاستراتيجي، فإن الاختبار الحقيقي اليوم هو: هل يمكن الحفاظ على هذه المركزية في ظل حرب مفتوحة وتهديد معلن بإسقاط النظام؟. هذا السؤال أكثر من هوية الخليفة، هو ما سيحدد شكل الجمهورية الإسلامية في مرحلتها المقبلة.