في الساعات الأولى من 28 فبراير/شباط 2026، اهتزت إيران على وقع انفجارات في عدة مناطق أبرزها مدينتا تبريز وكرمانشاه شمال غرب البلاد، بفعل هجوم واسع منسَّق شنّته الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
مع خروج الصور الأولى للأعمدة الدخانية من قواعد جوية في الشمال الغربي، بدأ المراقبون يتساءلون: لماذا ركزت الضربة الأولى على تلك المدن البعيدة نسبيًا عن العاصمة؟ وكيف يرتبط ذلك بطبيعة الجغرافيا ووجود منظومات رادار ودفاع جوي وقواعد جوية في تلك المناطق؟
ما الأهمية الجغرافية للشمال الغربي؟
يشكل الشمال الغربي لإيران المفصل الجغرافي الأخطر للبلاد، إذ تحاذي هذه المنطقة الاستراتيجية كلًا من تركيا والعراق وأرمينيا وأذربيجان، وتقع المدينة الصناعية لتبريز على بعد نحو 600 كم فقط من “إسرائيل” إذا حُسب مسار التحليق عبر الأجواء التركية أو الأرمينية.
وبدورها تقع كرمانشاه قرب الحدود مع العراق وتطل على الطريق الدولي الرابط بين بغداد وطهران. وتُتيح الوديان العميقة وممرات سلسلة زاغروس إمكانية إخفاء منصات الصواريخ والرادارات تحت الأرض أو داخل كهوف.
وقرب تبريز ترتفع هضبة أذربيجان لتطل على سهول الأناضول والقوقاز، ما يجعل نصب الرادارات وأنظمة المراقبة هناك يوفّر تغطية لمسافات بعيدة باتجاه تركيا وأرمينيا وأذربيجان.
تفسر هذه الخصائص سبب تموضع شبكة دفاع جوي كبيرة في الشمال الغربي وكيف تشكل المنطقة عمقًا دفاعيًا لإيران لأنها واجهة الإنذار المبكر لأي تهديد قادم من الغرب أو الشمال. لكنها في الوقت نفسه تمثل نقاط ضعف لأن الرادارات في قمم الجبال تُعد عقدة الإنذار الأولى لأي هجوم، إذ تمثل هذه الجغرافيا المعقدة البوابة الطبيعية ومسار الطيران الأقصر لأي أسراب هجومية قادمة من البحر المتوسط أو عبر المجال الجوي العراقي والتركي، مما يجعل تبريز وكرمانشاه على خطوط التماس الأولى.
وأكدت وسائل إعلام رسمية وإخبارية إيرانية أنّه في 28 فبراير/شباط وقعت انفجارات في تبريز وكرمانشاه تزامنًا مع ضربات صاروخية وجوية على مواقع عسكرية في البلاد.
الاحتلال الإسرائيلي يبدأ قصفًا جويًا على إيران، تبعها قصف أمريكي للمناطق العسكرية الاستراتيجية في البلاد. pic.twitter.com/1dNKm3dlMg
— نون بوست (@NoonPost) February 28, 2026
وهذه ليست المرة الأولى التي تستهدف فيها تلك الأماكن، إذ يشير تقرير للمعهد الملكي البريطاني RUSI إلى أنّ أولى الضربات الإسرائيلية خلال حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران 2025 استهدفت قواعد صواريخ ومطارات قرب كرمانشاه وتبريز، ما يؤكد أنها مناطق حيوية للردع الإيراني.
ما الرادارات المنتشرة في المنطقة؟
1- رادار غدير: تعتمد طهران على المنطقة كدرع إنذار مبكر يرصد المجال الجوي الخارجي، حيث نشرت عقدة رادارية فائقة الأهمية من طراز “Ghadir” ما وراء الأفق في محيط تبريز.
يتمتع هذا الرادار ثلاثي الأبعاد بمدى رصد يبلغ 1100 كيلومتر، ويُعد العمود الفقري لشبكة الدفاع الجوي المتكاملة في كشف الطائرات الشبحية والصواريخ الباليستية، ما جعل تدميره هدفًا عملياتيًا لا غنى عنه لإعماء غرفة العمليات الإيرانية وحرمانها من تقييم حجم الهجوم.
2- رادار نذير: عززت إيران قدراتها الاستطلاعية مؤخرًا بهذا الرادار المنصوب في مرتفعات جيلان الجبلية القريبة، والذي يغطي مدى يصل إلى 800 كيلومتر وارتفاع 30 كيلومترًا.
صُمم هذا النظام خصيصًا لكشف الأهداف ذات البصمة الرادارية المنخفضة كالطائرات المسيرة، ليضع سماء أذربيجان وأرمينيا وشرق تركيا تحت المراقبة المستمرة، وهو ما يُفسر الاستماتة الهجومية في تدمير هذه الشبكة مبكرًا لفتح ممرات للعبور نحو العاصمة.
3- رادارات مثل “فَتح-14″ (بمدى 600 كم) و”معراج-4” تستخدم هي الأخرى ترددات متعددة لرصد الأهداف الشبحية، فيما تدمج القوات منظومات متحركة مثل “مطلع الفجر” و”نجم” لإعادة بناء الصورة الجوية عند تعرض الرادارات الثابتة للقصف.
وخلال الضربة الأخيرة، لم يقتصر الاستهداف على الرادارات الكاشفة، بل شمل بطاريات الصواريخ المتقدمة التي تحمي هذه العقد الحساسة. وقد أعلن جيش الاحتلال تدمير منظومة دفاع جوي متطورة من طراز (SA-65) كانت متمركزة في منطقة كرمانشاه، إلى جانب استهداف منظومات محلية الصنع مثل “باور-373″، ما يفسر سبب التركيز النيراني الكثيف عليها قبل التوغل نحو قلب البلاد.
وفي غضون “حرب الـ12 يومًا” في يونيو/حزيران 2025 ضربت مواقع الإنذار المبكر في غرب إيران مثل موقع سباشي التابع لشبكة “غدير”، ما أحدث ثغرات في التغطية واضطرت إيران لنشر رادارات متحركة لإعادة التواصل.
استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية، توضح الخريطة التالية أماكن رادارات غدير (عددها ستة – باللون الأحمر) التي قصفها جيش الاحتلال الإسرائيلي أو ألحق أضرارًا بها في جميع أنحاء إيران خلال حرب يونيو/حزيران 2025.

وتعددت التقارير التي تربط الشمال الغربي بمنظومات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، إذ أورد معهد ألما الإسرائيلي للأبحاث أن قواعد إطلاق صواريخ متوسطة المدى في تبريز وكرمانشاه تعرضت لأضرار كبيرة في 2025 وأعيد تأهيلها قبل 2026.
وأشار إلى وجود مخازن وممرات تحت الأرض يعتقد أنها تحوي صواريخ باليستية وتكتيكية، ولذلك فإن كثافة المواقع الصاروخية تجعل المنطقة هدفًا أساسيًا لشل القدرة على الرد، خاصة أن إيران تعتمد على صواريخ “قيام” و”ذو الفقار” المنصوبة في الغرب لقصف أهداف في “إسرائيل” والعراق.
كرمانشاه مركز ثقل عسكري.. ماذا تضم؟
تبرز كرمانشاه كمركز ثقل حيوي يضم “القاعدة القتالية الأولى” لطيران الجيش الإيراني، المتمركز في مطار أشرفي أصفهاني، وتحتفظ هذه القاعدة بأسراب مروحيات هجومية من طراز “كوبرا” وناقلات عسكرية، وتلعب دورًا محوريًا في الإسناد الجوي السريع، ومكافحة الدروع، وتأمين الحدود الغربية المحاذية للعراق، مما يمنحها أهمية بالغة في صد أي توغل بري أو تقديم إخلاء تكتيكي سريع.
أبعد من الطيران التكتيكي، تُخفي تضاريس كرمانشاه الجبلية إرثًا صاروخيًا استراتيجيًا يمتد منذ حقبة الحرب الإيرانية العراقية، حيث تؤكد صور الأقمار الصناعية عالية الدقة والتحليلات الغربية وجود منشآت إطلاق باليستية وأنفاق تخزين محفورة في الوديان العميقة للمحافظة.
وقد استُهدفت هذه المواقع المحصنة بشكل مباشر لتقليص قدرة القوة الجوفضائية للحرس الثوري على توجيه ضربات انتقامية واسعة النطاق نحو القواعد الأمريكية في الخليج أو باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وخلال موجة الهجوم الأخيرة، أفادت مصادر إيرانية بأن الانفجارات في كرمانشاه ناتجة عن استهداف منشآت عسكرية ومخازن للصواريخ. وتشير هذه المعلومات إلى أن كرمانشاه ليست فقط قاعدة طائرات عمودية، بل عقدة لإطلاق الصواريخ ومخازن الذخيرة، كما أنها بوابة لخطوط الإمداد. إذ تقع المدينة على طريق خانقين – كرمانشاه – همدان الذي يستخدم لنقل معدات للحرس الثوري في سوريا (زمن نظام بشار الأسد) والعراق.
ووجه جيش الاحتلال الإسرائيلي في يونيو/حزيران 2025، ضربات إلى قاعدة كرمانشاه ودمر خمسة مروحيات هجومية نوع AH‑1 كانت متمركزة هناك لتدمير منظومات الدفاع الجوي والصاروخي في غرب إيران.
ما أهمية تبريز في الدفاع الجوي؟
تحتضن هذه المدينة واحدة من أهم القواعد الجوية الإيرانية، تُعرف باسم قاعدة تبريز الجوية الثانية (TAB‑2)، وتذكر وسائل إعلام عسكرية مثل موقع التحليلات الدفاعية IDRW وThe Aviationist المتخصص بالطيران العسكري أن القاعدة تستضيف ثلاثة أسراب مقاتلة (21 و22 و23) تضم مقاتلات MiG‑29 وF‑5E/F، وهي مكلفة بالدفاع عن المجال الجوي شمال غرب البلاد.
كما يوضح تقرير لموقع IDRW أن الضربة الإسرائيلية على هذه القاعدة في 2025 حفرت الحظائر ومدارج الربط بينها وبين المدرج، ما أعاق قدرة الطائرات على الإقلاع.
ويضيف مقال في The Aviationist أن الهدف من أول موجة ضربات كان شل دفاعات إيران الجوية، واعتبرت قاعدة تبريز مركزًا لهذه الهجمة، وقد أكدت مصادر عبرية تدمير هذه القاعدة في الهجوم الأخير، إذ قال موقع يديعوت أحرونوت إن الهجوم على تبريز أدى تفجير منشآت القاعدة، في حين قالت قناة 13 الإسرائيلية إن الجيش أعلن “تدمير” قاعدة تبريز مع استهداف العشرات من نقاط الدفاع الجوي.
فيما أشار موقع حريديم 10 (Ch10) الإسرائيلي إلى أن القوات الإيرانية فعّلت أنظمة الدفاع الجوي في طهران وتبريز بعد الهجوم.
الأهمية الاستراتيجية للقاعدة لا تقتصر على الطائرات؛ فهي تقع بالقرب من الحدود مع أرمينيا وأذربيجان، ما يتيح استخدام مطارها كمركز للانطلاق نحو القوقاز والأناضول.
من هناك يمكن للطائرات المقاتلة اعتراض أي هجوم قادم من الغرب أو الشمال. بالإضافة إلى ذلك، يُعتقد أن تبريز تضم مخازن لصواريخ قصيرة المدى وطائرات مسيّرة، وهو ما أشار إليه تقرير معهد ألما للأبحاث عندما عدَّد مواقع إطلاق الصواريخ المدمرة في المدينة.
وعليه فإن التركيز على الشمال الغربي في الضربة الأولى، كان يهدف إلى ضرب “العقد العصبية” لمنظومة الدفاع وتشتيت القيادة والسيطرة وإرباك انتقال الأوامر فضلا عن تأخير تفعيل الدفاعات ضمن منطق عملياتي لضرب آليات المراقبة والرصد قبل الاندفاع نحو العمق.