عاشت محافظة الرقة شمالي سوريا منذ عام 2013، واحدة من أكثر التجارب السورية تعقيدًا على صعيد تبدل موازين السيطرة وتغير أنماط الحكم، إذ تعاقبت عليها قوى متعددة تركت بصمات عميقة في البنية الاجتماعية والنفسية للسكان.
ولم يكن هذا التحوّل المستمر مجرد انتقال سياسي أو عسكري، بل مسار طويل من إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والسلطة، ما أثار تساؤلات جدية حول مدى قدرة المجتمع الرقاوي على الحفاظ على تماسكه بعد سنوات من الاضطراب وعدم اليقين.
وعلى خلاف مدن سورية أخرى شهدت نمطًا أكثر استقرارًا نسبيًا في جهة السيطرة، واجهت الرقة سلسلة تحولات متسارعة ومتناقضة، جعلت سكانها يعيشون حالة دائمة من التكيّف القسري مع أنماط حكم مختلفة، لكل منها أدواتها الأمنية والإدارية وخطابها السياسي، هذا التبدّل السريع أسهم في إضعاف الشعور بالاستمرارية المؤسسية، وعمّق الإحساس العام بالهشاشة.
بدء التحولات
بدأت تحولات الرقة من طرد قوات النظام في آذار عام 2013، لتحكمها لفترة قصيرة فصائل المعارضة الإسلامية، قبل تحول الحكم إلى قبضة تنظيم “الدولة الإسلامية” والذي طرد منها في أكتوبر/تشرين الأول 2017، لتدخل المحافظة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) بدعم من التحالف الدولي والتي استمرت حتى مطلع العام 2026 حين دخل الجيش السوري الجديد إلى الرقة لينهي بذلك أكثر من عقد عاشته المحافظة بين تعدد جهات السيطرة.
وشهدت الرقة في مارس/آذار 2013 أول تحوّل جذري بخروجها من قبضة السلطة المركزية ودخولها مرحلة إدارة محلية قادتها فصائل معارضة وإسلامية، ورغم ما رافق تلك المرحلة من آمال واسعة بإدارة مدنية جديدة تعبّر عن تطلعات السكان، فإن الواقع الميداني سرعان ما كشف عن تحديات بنيوية كبيرة.
وافتقرت المجالس المحلية الناشئة إلى الخبرة المؤسسية والموارد الكافية، كما أدى تعدد المرجعيات العسكرية إلى تضارب في الصلاحيات وازدواجية في القرار، ومع غياب الدعم الدولي المنظم، دخلت المدينة في حالة من الارتباك الإداري والأمني، انعكست في تراجع الخدمات الأساسية وازدياد مظاهر الفوضى.
هذا الفراغ لم يضعف فقط قدرة المدينة على بناء نموذج حكم مستقر، بل أوجد أيضًا بيئة تنافسية حادة بين الفصائل، ما مهّد تدريجيًا لظهور قوى أكثر تنظيمًا وقدرة على فرض السيطرة وكان تنظيم “الدولة”.
ويقول الناشط المدني محمد الظاهر إن الفترة التي سبقت دخول تنظيم “داعش” إلى مدينة الرقة كانت مليئة بالتناقضات، حيث امتزجت مشاعر الأمل بالخوف في آن واحد، وأن المدينة بعد تحررها من سيطرة نظام الأسد في عام 2013 شهدت حالة من الحراك الشعبي والمدني غير المسبوق، إذ نشطت مبادرات تطوعية محلية، وافتُتحت مكاتب إغاثية وتعليمية، وبدأت تتشكل نواة لمجالس مدنية حاولت إدارة شؤون المدينة.
ويضيف الظاهر أن الشارع الرقاوي في تلك المرحلة كان يتطلع إلى نموذج إدارة مدنية مستقلة، لكن ضعف الخبرة المؤسسية لدى الجهات المحلية، إلى جانب التنافس بين الفصائل المسلحة، أوجد حالة من الارتباك الأمني، مشيرًا إلى أن مظاهر الفوضى بدأت تظهر تدريجيًا، من خلال تعدد الحواجز المسلحة وتضارب المرجعيات، ما ولّد قلقًا مبكرًا لدى الأهالي.
وبحسب شهادته، فإن المجتمع المدني حاول خلال تلك الفترة لعب دور توازني عبر مبادرات الحوار المحلي وتنظيم العمل الإغاثي، إلا أن الإمكانات المحدودة والانقسام العسكري حدّا من قدرة هذه المبادرات على ترسيخ الاستقرار، بسبب عدم قدرة المجتمع على إدارة نفسه دون وجود سلطة ضابطة والتي لم تستطع الفصائل حينها تبني هذا الدور.
سيطرة تنظيم “الدولة”
مع أواخر عام 2013، استفاد تنظيم “داعش” من الانقسامات بين الفصائل، وتمكن تدريجيًا من بسط سيطرته الكاملة على المحافظة، إذ مثّلت تلك المرحلة المنعطف الأكثر قسوة في تاريخ المدينة الحديث، إذ فرض التنظيم نموذج حكم قائم على الضبط الأمني الصارم والعقوبات العلنية والرقابة المشددة على تفاصيل الحياة اليومية.
وتحولت الرقة خلال تلك السنوات إلى مدينة مغلقة اجتماعيًا، حيث تقلصت المساحات العامة وتراجعت مظاهر الحياة المدنية، وأعيد تشكيل مناهج لمدارس، والنشاط المدني اختفى تقريبًا، فيما خضع السكان لمنظومة مراقبة متعددة المستويات، وولد هذا الواقع بيئة نفسية مشبعة بالخوف وعدم الثقة.
وأدى انتشار الخشية من الوشاية والاتهام إلى تآكل الثقة الأفقية بين السكان أنفسهم، وهو أثر اجتماعي عميق لا يزول سريعًا حتى بعد انتهاء السيطرة الأمنية المباشرة، كما دفعت سياسات التنظيم المتشددة موجات واسعة من الأهالي إلى النزوح الداخلي والخارجي، ما أحدث خللًا ديموغرافيًا مؤقتًا في بعض المناطق.

ويروي الصحفي حمد المصطفى أن فترة سيطرة تنظيم “داعش” على الرقة شكّلت واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخ المدينة، ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضًا على مستوى تعطيل الحياة المؤسسية والتعليمية.
ويقول إن الأيام الأولى لسيطرة التنظيم شهدت إغلاقًا سريعًا لمعظم الدوائر الحكومية، حيث توقفت الخدمات الرسمية تدريجيًا، وتحولت المباني العامة إلى مقار أمنية أو إدارية تابعة للتنظيم.
ويضيف المصطفى أن المشهد التعليمي كان من أكثر القطاعات تضررًا، إذ أُغلقت المدارس والجامعات لفترات متفاوتة، قبل أن يعيد التنظيم فتح بعض المدارس وفق مناهج جديدة فرضها بالقوة ومخصصة للذكور فقط، وأن كثيرًا من الكوادر التعليمية رفضت العمل تحت تلك الظروف، ما أدى إلى فراغ كبير في العملية التعليمية وارتفاع معدلات التسرب بين الطلاب.
ويوضح الصحفي أن المدينة دخلت في حالة شلل مؤسسي شبه كامل، حيث غابت المرجعيات المدنية التقليدية، وتراجعت الخدمات الأساسية، في حين فرض التنظيم منظومة رقابة مشددة على الحركة داخل المدينة، وأن إغلاق الجامعات ووقف النشاط الأكاديمي حرم آلاف الطلاب من استكمال تعليمهم، ما خلّف آثارًا طويلة الأمد ما تزال المدينة تعاني منها.
وحول أحكام التنظيم، يقول المصطفى إن المرحلة التي حكم فيها تنظيم “الدولة” اتسمت بفرض منظومة أحكام متشددة غيّرت ملامح الحياة اليومية في الرقة بصورة جذرية.
ويؤكد أن التنظيم اعتمد سياسة الضبط الصارم عبر لوائح عقابية قاسية طالت مختلف جوانب الحياة العامة، من اللباس والسلوك الاجتماعي إلى النشاط التجاري والتعليمي، ما خلق مناخًا عامًا من الخوف والانكماش المجتمعي، وأن هذه الأحكام لم تكن مجرد إجراءات أمنية، بل أداة لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية أيديولوجية مغلقة، الأمر الذي ترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة ما تزال المدينة تحاول التعافي منها حتى اليوم.
“قسد وكذبة الديمقراطية”
انتهى حكم تنظيم الدولة في الرقة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2017، وذلك بعد حملة عسكرية واسعة بدعم من التحالف الدولي وتنفيذ “قوات سوريا الديمقراطية”، لتدخل الرقة مرحلة جديدة رفعت فيها شعارات إعادة الإعمار وبناء إدارة محلية أكثر استقرارًا.
غير أن حجم الدمار الهائل الذي خلّفته المعارك شكّل عقبة مركزية أمام التعافي السريع، فقد تعرضت أحياء كاملة للتدمير، وتضررت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، كما تعطلت المؤسسات التعليمية والصحية لفترات طويلة، وجعل هذا الواقع عملية إعادة الحياة الطبيعية عملية بطيئة ومعقدة.
إلى جانب التحديات الخدمية، برزت إشكاليات تتعلق بنمط الإدارة الأمنية المشددة واستمرار حملات الاعتقال، إضافة إلى بطء إعادة الإعمار وضعف فرص العمل، كل ذلك أسهم في بقاء شعور عام لدى شريحة من السكان بأن الاستقرار الذي وُعدوا به لم يتحقق بصورة كاملة.
وتقول المحامية والحقوقية غادة العكاوي إن المرحلة التي أدارت فيها “قوات سوريا الديمقراطية” محافظة الرقة رُفعت خلالها شعارات واسعة حول اللامركزية والديمقراطية المحلية، إلا أن الممارسة على الأرض، بحسب توصيفها، أظهرت فجوة واضحة بين الخطاب المعلن وآليات الحكم الفعلية، وأن كثيرًا من القرارات الجوهرية ظل يُتخذ ضمن دوائر ضيقة، ما حدّ من قدرة الهياكل المدنية المحلية على ممارسة دورها بصورة مستقلة.
وتشير العكاوي إلى أن نموذج الإدارة الذي طُبق في الرقة اتسم بدرجة عالية من المركزية الأمنية، حيث بقيت الملفات الحساسة، ولا سيما الأمنية والخدمية الكبرى، خارج نطاق الرقابة المجتمعية الفعلية، وأن هذا الواقع أضعف ثقة شريحة من السكان بالمؤسسات المحلية، وأبقى المشاركة المدنية في إطار شكلي أكثر منه تأثيريًا.

وتضيف أن تبنّي مشروع “الإدارة الديمقراطية” على المستوى الخطابي لم يواكبه خلال فترة حكم “قسد” بناء مؤسسي كافٍ يضمن الشفافية والمساءلة وتداول القرار محليًا، وأن محدودية تمثيل بعض المكونات الاجتماعية في مواقع القرار، إلى جانب بطء معالجة الملفات الخدمية والاقتصادية، عمّق شعورًا لدى جزء من المجتمع بأن النموذج المطبّق لا يعكس بالكامل الوعود المعلنة.
وتختم العكاوي بالقول إن أي تجربة حكم محلي في بيئة هشّة مثل الرقة تحتاج إلى الانتقال من منطق الشعارات إلى ترسيخ ممارسات مؤسسية قابلة للقياس، قائمة على توسيع المشاركة المجتمعية وتعزيز استقلال المجالس المدنية وتكريس مرجعيات قانونية واضحة، معتبرة أن ردم الفجوة بين الخطاب والتطبيق يبقى شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة المجتمعية على المدى الطويل.
واستمرت فترة حكم “قوات سوريا الديمقراطية” أكثر من ثماني سنوات، قبل أن تدخل المحافظة مطلع عام 2026 مرحلة جديدة مع تغيّر موازين السيطرة وبدء ترتيبات إدارية مختلفة، لتعود أخيرًا إلى حكم الدولة السورية الجديدة التي بدأت تظهر ملامحها بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024.
الآثار الاجتماعية
تُظهر المؤشرات الاجتماعية أن الرقة ما تزال تعيش تداعيات عميقة نتيجة سنوات عدم الاستقرار، إذ انعكست التحولات المتكررة على الصحة النفسية للسكان، خصوصًا لدى الأطفال والشباب، حيث برزت مظاهر القلق المزمن وفرط اليقظة وتقلبات المزاج.
الأطفال الذين نشأوا في بيئة النزاع تعرضوا لانقطاعات تعليمية متكررة، وبعضهم عايش فترات طويلة من الخوف وعدم الاستقرار، هذا الواقع يهدد بتراكم فجوات تعليمية ومعرفية طويلة الأمد، وقد ينعكس مستقبلًا على سوق العمل ومستويات الإنتاجية.
ويقول الدكتور شواخ العبود، المختص في علم النفس، إن تعدد جهات السيطرة على مدينة الرقة خلال سنوات متقاربة خلق ما يمكن وصفه بـ”الصدمة المتراكمة” لدى السكان، حيث لم تتح لهم فرصة كافية للتكيّف مع نمط حكم واحد قبل الانتقال إلى آخر، وأن هذا التبدّل السريع في منظومات السلطة يولّد حالة مزمنة من عدم اليقين، وهي من أبرز العوامل التي تُضعف الشعور بالأمان النفسي على المستوى الفردي والجماعي.
ويشير العبود إلى أن الأثر النفسي الأعمق يظهر في تآكل الإحساس بالاستقرار الزمني، إذ يفقد الأفراد القدرة على التنبؤ بالمستقبل القريب، ما يدفعهم إلى تبنّي سلوكيات حذرة ومتحفزة بشكل دائم، وأن هذه الحالة، إذا طالت، قد تتحول إلى نمط تكيفي دائم ينعكس في ارتفاع مستويات القلق وفرط اليقظة داخل المجتمع.
كما يلفت إلى أن الأطفال واليافعين كانوا الفئة الأكثر هشاشة أمام هذه التحولات، لأنهم نشأوا في بيئة متغيرة القواعد والمعايير، وأن التعرض المتكرر لسلطات مختلفة بخطابات متباينة قد يؤدي إلى اضطراب في تشكيل منظومة القيم والانتماء لدى الأجيال الصغيرة، وهو ما قد يظهر لاحقًا في صعوبات التكيّف الاجتماعي وضعف الثقة بالمؤسسات.
ويضيف العبود أن تعدد المرجعيات الحاكمة أسهم أيضًا في إضعاف الثقة الأفقية بين السكان أنفسهم، إذ تنتشر في مثل هذه البيئات مخاوف الوشاية وسوء الفهم وتضارب الولاءات، وأن المجتمعات الخارجة من هذا النوع من التجارب تحتاج عادة إلى وقت طويل لإعادة بناء رأس المال الاجتماعي وترميم الثقة المتبادلة.
ويرى الدكتور شواخ العبود أن معالجة هذه الآثار لا تقتصر على الاستقرار الأمني فقط، بل تتطلب برامج دعم نفسي مجتمعي طويلة الأمد، وإعادة تنشيط الحياة المدنية والتعليمية، إلى جانب بناء مؤسسات مستقرة يمكنها إعادة إنتاج الشعور بالأمان والانتماء، معتبرًا أن التعافي النفسي للمجتمع الرقاوي ممكن لكنه يحتاج إلى تدخلات منهجية وصبر زمني كافٍ.
العشائر وتعدد جهات السيطرة
رغم أن الرقة شهدت منذ خمسينيات القرن الماضي اتجاهًا متزايدًا نحو التمدّن وبروز مؤسسات المجتمع المدني، فإن البنية العشائرية ما تزال حاضرة بوصفها إطارًا اجتماعيًا مؤثرًا، خاصة في الأرياف ومناطق الأطراف.
خلال سنوات الصراع، سعت القوى المسيطرة المختلفة إلى استمالة العشائر العربية التي تشكل الغالبية السكانية في المحافظة، ما أعاد تسييس الدور العشائري في بعض المراحل، وقد لعبت بعض العشائر أدوار وساطة محلية في حل النزاعات أو تهدئة التوترات أو حتى تماهي بعض شيوخ العشائر مع السلطة.
ويقول رضوان العلي، وجيه عشيرة النعيم في الرقة، إن العشائر في المحافظة وجدت نفسها خلال السنوات الماضية أمام واقع شديد التعقيد نتيجة تعدد جهات السيطرة وتبدّل مراكز القرار، وأن هذا التغيّر المتسارع وضع العشائر في موقع حرج، إذ اضطرت في كثير من الأحيان إلى التعامل مع سلطات مختلفة للحفاظ على الاستقرار المحلي وتجنّب انزلاق مناطقها إلى الفوضى.
وينوه العلي إلى أن الدور العشائري التقليدي في حل النزاعات واحتواء التوترات بقي حاضرًا رغم التحولات السياسية، إلا أن تعدد المرجعيات الحاكمة حدّ أحيانًا من فعالية هذا الدور، وأن العشائر حاولت الحفاظ على مسافة متوازنة مع مختلف القوى، بهدف حماية السلم الأهلي ومنع تفكك النسيج الاجتماعي في القرى والبلدات وحتى مدينة الرقة نفسها.
ويؤكد أن المجتمع العشائري في الرقة دفع أثمانًا اجتماعية كبيرة نتيجة حالة عدم الاستقرار، حيث تأثرت الروابط بين بعض المكونات بفعل الشكوك والاصطفافات التي فرضتها ظروف الصراع، ومع ذلك ما تزال الأعراف العشائرية تمثل صمام أمان مهمًا في كثير من المناطق، خاصة في ظل ضعف البنى المؤسسية خلال بعض المراحل.
ويشدد رضوان العلي على المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التكامل بين الدور العشائري والمؤسسات الرسمية، بحيث تبقى العشيرة داعمًا للاستقرار لا بديلًا عن القانون، مضيفًا أن توحيد المرجعيات الإدارية والأمنية في الرقة سيمنح الوجهاء والعشائر مساحة أوسع للمساهمة في ترميم الثقة المجتمعية ودعم السلم الأهلي.
قراءة في المشهد العام
تشير القراءة العامة للمشهد في الرقة إلى حالة إنهاك اجتماعي عميق نتجت عن تراكم سنوات الخوف وعدم اليقين، ويتجلى ذلك في عدة مؤشرات ميدانية، من أبرزها ضعف الروابط الاجتماعية التقليدية مقارنة بما قبل 2013، وتزايد النزاعات الفردية والأسرية وحتى العشائرية في بعض المناطق.
ومع ذلك، لا تزال هناك عناصر صمود داخل المجتمع، أبرزها قوة الروابط العائلية الممتدة، واستمرار دور بعض الوجهاء المحليين في الوساطة، إضافة إلى رغبة شريحة واسعة من السكان في استعادة الاستقرار والحياة الطبيعية.

ويعلّق الدكتور شواخ العبود، المختص في علم النفس، على هذه المؤشرات بالقول إن ما تشهده الرقة ينسجم مع أنماط معروفة في المجتمعات الخارجة من دورات صراع طويلة، حيث يؤدي تراكم الخوف وعدم اليقين إلى إنهاك المنظومة الاجتماعية تدريجيًا، وأن ضعف الروابط التقليدية وتزايد النزاعات الفردية لا يعكسان بالضرورة تفككًا كاملًا، بل يشيران غالبًا إلى حالة ضغط نفسي جماعي ممتد، تفقد فيها المجتمعات جزءًا من قدرتها الطبيعية على الضبط الذاتي.
ويضيف العبود أن استمرار بعض عناصر الصمود، مثل قوة الروابط العائلية ودور الوجهاء في الوساطة، يعد مؤشرًا مهمًا على أن البنية الاجتماعية في الرقة ما تزال تحتفظ بقدر من المرونة، وأن المجتمعات التي تحافظ على هذه “النوى الصلبة” تكون أكثر قدرة على التعافي لاحقًا، شريطة أن تتوفر بيئة مستقرة تسمح بإعادة تنشيط رأس المال الاجتماعي وتوسيع دوائر الثقة.
ويؤكد الدكتور أن المرحلة الحالية تمثل مفترقًا حساسًا، إذ إن استمرار الضغوط الاقتصادية والأمنية قد يبطئ مسار التعافي الاجتماعي، في حين أن الاستثمار في الدعم النفسي المجتمعي، وتعزيز التعليم، وتحسين الظروف المعيشية يمكن أن يسرّع استعادة التماسك، وأن المجتمع الرقاوي لم يفقد مقومات التعافي، لكنه يحتاج إلى تدخلات منهجية طويلة الأمد لإعادة بناء الثقة والاستقرار على أسس مستدامة.
إن مستقبل التماسك المجتمعي في الرقة سيظل مرتبطًا بمدى نجاح المرحلة المقبلة في تحقيق حكم مستقر، وعدالة منصفة، وتنمية اقتصادية حقيقية تعيد للمدينة شعورها بالأمان والانتماء بعد سنوات طويلة من الاضطراب.
وفي حال توافرت هذه الشروط، فإن المجتمع الرقاوي يمتلك من عوامل المرونة ما قد يمكّنه من استعادة قدر معتبر من تماسكه خلال السنوات المقبلة، أما في حال استمرار الهشاشة السياسية والاقتصادية، فإن مخاطر التآكل الاجتماعي ستبقى قائمة وإن بوتيرة بطيئة.
