بعنوان مثير وإسقاط غير مباشر قد يتبادر إلى ذهن القارئ العربي الذي عانت بلاده الويلات طيلة عقد ونصف مضى شهدت فيها ثورات وحروب وانقلابات، يأتي كتاب “الفرار من الفتنة.. دراسة في المواقف السياسية لعبد الله بن عمر رضي الله عنه” (مدارات للأبحاث والنشر: 2025) للأكاديمي والمؤرخ المصري الدكتور أحمد محمود إبراهيم ليتناول الصحابي عبد الله بن عمر باعتباره “شاهد على القرن” إبان الفتنة بين الصحابة، و”إمام تيار الاعتزال السياسي في الإسلام”.
ذلك الصحابي الذي عُرف عنه قوله: “لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب، وخذوا بحظكم من العزلة”، قبل أن ينقلب على رأيه في آخر أيامه عام 73هـ بعد أن شهد ما آلت إليه الأمور مع الحجاج بن يوسف الثقفي، ويقول إن “القتال على الحق ومدافعة أهل البغي أولى من الاعتزال”، في تحول مفاجئ، بعد حياة طويلة من التردد في مواطن كانت تتطلب حسمًا، وقال صراحة: ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي.
قبل أن نصل إلى هذا التحول، نتعرف على سيرة عبد الله بن عمر، ثم مواقفه في الفتنة الأولى إبان خلافة عثمان رضي الله عنه، ثم الفتنة الكبرى مع مقتل عليّ رضي الله عنه وموقفه من الدولة الأموية وحكم معاوية، ثم الفتنة الثانية مع تولي ابنه يزيد مقاليد السلطة.

يقع الكتاب في أقل من 300 صفحة، ويورد الكاتب مصادر إسلامية متنوعة سنيّة وشيعية بالإضافة إلى مصادر غربية واستشراقية، مفندًا ما جاء في بعضها، ومُتفقًا مع البعض الآخر.
وربما كان من المفيد لو ألقى الكتاب الضوء على مواقف ابن عمر مع أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان خليفة المسلمين، وحين قُتل، ولو في التقديم قبل التعرض بالتفصيل للفتن السياسية ومواقفه فيها موضوع الكتاب، كان هذا ليساعد على مزيد فهم لشخصيته حين دخلت السياسة البيت وهو شاب ناضج في العشرينات من العمر وأباه القائد الأعلى للمسلمين، وقبل أن يُشق الصف.
لماذا عبد الله بن عمر؟
أسلم صغيرًا بإسلام أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولازم النبي أحد عشر عامًا، وشهد تأسيس الدولة ونموها واتساعها، ثم الخلافة الراشدة، ثم الانحراف عن المسار وقيام دولة المُلك الأموي، والمعروف عن ابن عمر اتباعه الصارم للنبي صلى الله عليه وسلم بدرجة لا يكاد يُشبهه فيها أحد من الصحابة، إذ كان يتبعه في الواجب والمُستحب، وفيما استوى فيه الاتباع والترك من سلوك وعادات يتفاوت فيها الناس.
ليس برجل حكم وسياسة، ولا رجل حرب وقتال، وإن كان له من الجهاد نصيب، بل صحابي عالِم، اشتغل بالعلم والأحكام، وحُفظت عنه الفتوى التي حرص فيها على التشدد في النقل الكامل، ملتزمًا بظاهر النصوص، كما اشتغل بالحديث وروايته وربما تجاوزها إلى التدوين.
كان كذلك كثير التصدق لا يفكر في صدق السائل أو تحرّي حاجته ويقول: “من خدعنا بالله انخدعنا له”، بعكس أبيه الذي قال عن نفسه: “لستُ بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعني”. كان آخر الراحلين من أصحاب النبي إذ مات في العقد التاسع من العمر مقتولًا بإيعاز من الحجاج بن يوسف الثقفي، بعد مواجهة بينهما تخص الصلاة وسوء حديث عن عبد الله بن الزبير بعد مقتله.
كل هذا التأسي الحرفي بالنبي دافع للاعتقاد بأن ابن عمر رجل عابد صالح، بعيد عن الهوى أو شبهة “الأنا” في مواقفه، يتحرى الحق، خاصة وقد رفض عروضًا بالإمامة، كانت جادة أو غير ذلك، وكان يفر فرارًا من كل شبهة تورط في الدماء المعصومة، وهو موقف ثابت لم يتزحزح عنه، حتى وإن اضطر إلى هضم النفس، والسكوت في مواطن واجه فيها تهديدًا كلاميًا، أو لمزًا على خلفية سياسية، تجنبًا لتعميق الفُرقة.
إمام الاعتزال السياسي
لم يشغل أي منصب سياسي، ولم يتقرب لسلطة، ورفض تولي القضاء أثناء خلافة عثمان رغم تقديره وإكباره له، تورعًا من الجور بغير قصد والوقوع في مظالم العباد. وعندما اشتدت الأزمة وقت خلافة عثمان، رفض أن يُذعن الخليفة لمطالب المحتجين ونصح عثمان قائلًا: “…فلا أرى لك أن تخلع قميصًا قمّصكه الله؛ فتكون سُنَّة، كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه”. وهو ذات المعنى الذي جاء في الحديث النبوي رواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان: “إن الله مقمّصك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على أن تخلعه، فلا تخلعه لهم ولا كرامة”. تمسك ابن عمر بشرعية عثمان إذن، ونصحه بعدم التنازل عنها، وألا يبدأ بقتال الخارجين عليه، لكنه دافع عنه باللسان، ورفع السيف من أجله أثناء حصار المحتجين له.
ومما استنبط المؤرخ عن شخصية ابن عمر رؤيته للخلافة على أنها “هبة من الله يختص بها من يشاء من عباده؛ فليس لأحد أن يسلبها منه، أو أن يحمله على أن يعزل نفسه منها” (ص120). ما يعني أن الخلافة ليست عقدًا بين الخليفة والرعية يمكن فسخه بإرادة أحد الطرفين متى شاء بل إن البيعة عقد غير محدد المدة تنتهي بالموت.
يرى كذلك أن الخروج عن الحاكم بعد مبايعته بغرض خلعه لا يكون إلا بتوفر شرطي سفك الدماء والكبائر السالف ذكرهما، ولذلك لم يخرج على خليفة أو حاكمًا بايعه وإن اعترض على بعض سياساته. الأدهى أن استباحة دماء معارضين سلميين منهم حُجر بن عدي في عهد معاوية لم تدفع ابن عمر للمعارضة جهرًا خشية الفتنة والصدام وشق الصف والإخلال بالنظام. قد يبدو في ذلك تناقضًا، وقد يبدو ميلًا إلى الصبر على مظالم الحاكم. لم يتحرك حتى لمعاتبة خاصة لا يعلم بها أحد سواه والحاكم، كما امتنع عن رفعه شكاية أو مظلمة، أو حتى طلب مراجعة بعض السياسات التي يشكو منها الناس. وهذا منذ خلافة عثمان وحتى تعاقب الأمويين في الحكم وصولًا إلى عبد الملك بن مروان.
أما مسألة خلع الحاكم أو عزله بسبب إنكار شيء من سياساته، “بغير قانون ضابط ولا قاعدة مُجمع عليها بين أهل الحل والعقد المنوط بهم النظر في أمر الخلافة”، فإنما يؤدي إلى زعزعة استقرار الأمة وتقويض “فكرة الجماعة” التي يعد الحفاظ عليها -في نظر ابن عمر- “الواجب السياسي الأول” للأمة ووُلاتها.
بعد مقتل عثمان وشيوع الفرقة والانقسام، اعتزل ابن عمر فلم يُبايع عليًّا “حتى يجتمع الناس عليه”، وكان اعتزال البيعة بمثابة مقدمة لاعتزاله القتال في صفّه، والقعود عن نصرته، وهو ما حزن عليه لاحقًا. نقرأ (ص157): “ولم يكن اعتزاله اعتزال صاحب الهوى الذي يرجو منفعة عاجلة يغتنمها، أو اعتزال غير المكترث الذي لا يشغله أمر المسلمين”.
ورأى ابن عمر في اجتماع الناس على الخليفة مفهومًا تأسيسيًا لشرعية نظام الحكم في الإسلام وإن كان اجتماع الاضطرار والضرورة لا اجتماع الرضا والاختيار كما جرت السُنّة. وضع معاوية بن أبي سفيان قانونًا جديدًا لنظام الخلافة يقوم على الغلبة والقوة في الوصول إلى السلطة، ثم احتكار تداولها داخل الأسرة الأموية في مُلكٍ جَبري يُرغم الناس على الاعتراف به دون مجال للتساؤل أو التشكيك في شرعية السلطة التي وصلت للحكم دون اختيار منهم.
ومع ذلك، بايع ابن عمر معاوية لما اجتمع الناس عليه، وجاهد تحت رايته، بل وامتدح نهوضه بأعباء الحكم وتحقيق الاستقرار السياسي، وإن قال بخيرية الراشدين عنه بما فيهم عليّ، وبعد رحيل معاوية، بايع يزيد، وشارك تحت إمرة الأخير في غزو القسطنطينية فقد كان يرى جواز الجهاد مع الأمير الفاسق.
دراسة ومآخذ
ما يميز الكتاب تناوله لسيرة صحابي جليل تناولًا إنسانيًا يخضع مواقفه السياسية للنظر والانتقاد دون الانتقاص من مكانته، وهو بذلك يمثل اتجاهًا حديثًا نسبيًا غير شائع في الدراسات الأكاديمية للتاريخ الإسلامي، يتناول سيرة شخصيات من الصحابة والتابعين لا كنموذج تعبدي ضمن السير التقليدية التي ترصد الفضائل والمناقب، وإنما في سياق سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، ومن زاوية نظر معينة دون حساسية دينية تطغى عليهم في أحيان كثيرة.
والشائع أننا نأخذ الصحابة كمجموعة واحدة متطابقة دون استيعاب أن لكل شخصية منهم سمات تجعلهم متمايزين عن بعضهم حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم تعددت إجاباته لنفس السؤال بحسب حال السائل، وفي النظر الدقيق لشخصيات الصحابة الكرام فضيلة الأنسنة والقياس والاعتبار في المواقف المختلفة.
يأخذ الكتاب على ابن عمر بعض المواقف التي امتنع عنها ولا تتعارض مع اعتزاله السياسي، كما يأخذ عليه عدم الإنكار على معاوية دفعه بابنه يزيد إلى الحكم من بعده وهو، فضلًا عن أنه غير مؤهل للمنصب، يمثل أيضًا مخالفة لاتفاق معاوية والحسن بن علي عليه السلام والقاضي برد الحكم من بعده إلى الشورى بين المسلمين.
والمأخذ الأكبر عدم إنكاره على عبد الملك بن مروان ضرب الكعبة بالمجانيق في اجتياح الحجاج بن يوسف الثقفي للحجاز لقمع المعارضين، وقتل عبد الله بن الزبير، واجتثاث الرؤوس، والتمثيل بالجثث وصلبها، وكأنه يقر بأن كرامة المرء في دولة الأمويين رهينة الولاء لها.
وتظل المآخذ والمناقب أسيرة النظرة المتشكلة مما وصلنا من أخبار، أي أنها جزء من كل، مع صعوبة الإحاطة بالسردية الكاملة لأحداث الفتنة التي نأت العديد من المصادر عن تتبعها، ومنهم المؤرخ الكبير الطبري، وهو المؤرخ العُمدة في تاريخ الإسلام المبكر. الطبري الذي قال عن خبر مقتل عثمان: “قد ذكرنا كثيرًا من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنهم جعلوها ذريعة إلى قتله؛ فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها”، دون حتى أن يذكر تلك العلل.
حاضر “السلف”
باعث الكتاب -كما يبدو من الخاتمة- هو الردّ على تيارات إسلامية معاصرة تعتبر نفسها سلفية استدعت موقف ابن عمر الذي لزمه طيلة حياته في سياق الفتن التاريخية، وأسقطته على الواقع السياسي الراهن على اختلاف أنظمة الحكم وطبيعة الدولة، لتبرر موقفها المهادن للسلطات القمعية، وتسوّغ تطبيعها مع الظلم السياسي، وترفض الاحتجاج والثورة بدعوى أنها تفرق الجماعة وتثير الفتنة، بل وتُحمّل المعارضين وزر بطش الدولة بهم إذ ما كان لهم التحرك ضدها ابتداء. وتغفل هذه التيارات عن عمد تراجع الصحابي الجليل في آخر حياته عن موقفه وعدوله عن رأيه.
ربما يكون كتاب “فقه السلف في الفتن” (مؤسسة الرسالة ناشرون: 2016) هو النموذج الأبرز للمؤلفات السلفية التي خرج الكتاب الذي يدرس ابن عمر ليُقابلها. فقد جمع مادة الكتاب الباحث المغربي طارق بن أحمد البيضاوي، وخرّج أحاديثه، وعلّق عليه، وزاده الشيخ المصري المُحدّث الشهير مصطفى العدوي بتقديم وهو المعروف بمقته للتحزب والجماعات
وأفاد المؤلف المغربي في مقدمته أن كتابه جاء بناء على طلب من طلبة علم مصريين بجمع ما تفرق في أبواب الفتن عند السلف خاصة فيما يتعلق بعلاقة الرعية مع حكامهم، وذلك “في زمن الفتنة التي شهدتها وغيرها من بلاد المسلمين”، ربما قاصدًا الثورات العربية بالأساس أو ما تلاها من انقلابات على السلطة الشرعية وبطش شديد بأنصارها.
واعتبر أن ما جاء به هو الطريقة العلمية العملية لمنهج السلف الصالح في التعامل مع الفتن بعد بيان أسباب وقوعها، وآثارها في الأمة وسبل علاجها، وأن “الجهل به هو السبب الرئيس فيما هو حاصل بين المسلمين في هذا العصر من الاقتتال والتناحر”.
تريد هذه التيارات ترسيخ مفهوم السمع والطاعة للحاكم وإن غصب السلطة، والدفاع عن العنف المطلق الذي تمارسه الدولة ضد خصومها، سواء كانت المعارضة سلمية أو مسلحة. غير أن عبد الله بن عمر نفسه اشترط لعدم الخروج على الحاكم أو خلعه ألا يكون قد سفك دمًا معصومًا، وألا يكون قد أتى كبيرة من الكبائر، والشرطان حاكمان لمن بايع ولا يسريان على من امتنع أصلًا عن البيعة.
فقد أنكر ابن عمر على من بايع عثمان رضي الله عنه، واعتزل إبان خلافته، ولم يرفع له سيفًا، ولم ينكر على الحُسين عليه السلام خروجه على يزيد فهو لم يبايعه، وإنما حاول إثنائه عن القرار وألا ينخدع بالنُصرة الموعودة حتى لا يُهزم.
أما التاريخ القريب فيسجل عدة وقائع سُفك فيها دم معصوم بواسطة أجهزة أمنية مثل الوفاة تحت التعذيب، أو حتى الاحتجاز لسنوات بلا محاكمة بما يرقى لأن يكون سياسة ممنهجة للدولة لا إعفاء فيها لرأس السلطة من المسؤولية. وكما يقول جبران:
وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ .. وقاتل الروح لا تدري بهِ البشرُ!
ولو ادعت تيارات السلف المعاصرة أنهم في ذلك يمارسون الاستثناء على القاعدة والصبر على مظالم الحكم، كما فعل ابن عمر نفسه، فهل نراهم عندما يتقدم بهم العمر يعبرون عن ندمهم على ما فات، فيقولون كما قال صراحة: ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا إلا أني لم أقاتل الفئة الباغية مع علي؟