حين يجلس الشاهد على كرسي المحكمة يقول: “أقسم أن أقول الحقيقة، كل الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة”.. هذه ليست كلمات عبثية، فقول الحقيقة مشروط بأن يكون كاملًا غير منقوص، دون إضافة، لأن أي سرد آخر سيكون شكلًا من التزوير والتضليل، ولو جلست الدراما السورية على كرسي المحكمة وأقسمت وبرت بالقسم، لعَقِمت!
الدراما ليست درس تاريخ وكاتب السيناريو ليس مؤرخًا، هذا أمر مفهوم، إنما غير المفهوم هو الاستناد على التاريخ وتشويهه، كما يقول المثل الشامي: (قاعد بحضنه وعم ينتف بدقنه).
دخلت الدراما السورية بيوت العرب منذ عشرات السنين، بها عُرفت اللهجة السورية وقصص الشام والحارات القديمة، لكنها بالكاد عرّفت عن سوريا وماضيها ومجتمعها بصدق.
سأنطلق من مثال يعرفه أي متابع ولو بسيط للدراما السورية، مسلسل “باب الحارة” يدور في حقبة الاستعمار الفرنسي، أي من 1920 إلى عام 1946، ماذا يعرف متابعوه عن دمشق في تلك السنين؟
قبل دخول الاستعمار إلى دمشق كان البرلمان قد تأسس، وكانت الصحف السياسية تطبع ويتابعها الناس، كجريدة المقتبس (1924) وصحيفة ألف باء (1920) وصحيفة الشام (1931) وصحيفة الأيام (1931)، وقد تجاوز عدد الصحف في تلك الحقبة 70 جريدة.
وفي 1920 أقر التعليم الابتدائي إلزاميًا في سوريا، وحين دخل الاستعمار كان مجال التعليم أحد ميادين الصراع مع الشعب، في العام ذاته بدأت جامعة دمشق بالتشكل، وكليات الطب والصيدلة والقَبالة وحدها كانت تضم أكثر من 1500 طالب ولم يكن عدد سكان دمشق في الثلاثينيات تجاوز 200 ألف نسمة.
هذه غيض من فيض عن واقع الحياة في دمشق تلك الحقبة، فكيف صورها باب الحارة؟ ماذا عرف متابعو المسلسل عن تلك الحقبة؟ ربما لم يقدم معلومات متناقضة تُكذب هذه الأرقام، لكنه ببساطة تعامى عنها، وحتى حين حاول في أجزائه الأخيرة التطرق للأحداث السياسية حشرها في حارة ضيقة؛ فالمسلسل ربما لم يكذب، لكنه لم يقل الحقيقة.
تعالوا إلى عمل أقرب زمنيًا، مسلسل “لعنة الطين” الذي تناول قصة ضابط بسيط في عهد نظام الأسد، يبدأ المسلسل من ضيعة بسيطة من لهجتها يعرف السوري (ربما السوري وحده) أنها علوية، يخرج منها شاب بسيط (مكسيم خليل) ليدرس في الشام، تعرف على شاب وتصادقا (وائل شرف) وتقودهما الأقدار ليدخلا الجيش عن طريق مسؤول فاسد (خالد تاجا)، وبعد حبكة طويلة رائعة يصحو ضمير الشاب ويرفض الانغماس بدولة الاستبداد الظالمة، ويحاول الانسحاب والعودة لمقاعد الدراسة فيأمر المسؤول الفاسد (الشامي) بحبسه فيغيب 15 عامًا بينما صديقه (السني) يغرق في الفساد ويكبر ليكون مقدمًا في الجيش.
الضابط العلوي اعتقل وغيب 15 عامًا، خرج وقد ماتت أمه، وانتهت حياته، بينما أصبح المسؤول الشامي الفاسد معارضًا يخرج على الفضائيات وصديقه غارق في الفساد حتى أخمص قدميه، المسلسل ببساطة لم يكذب، روى قصة من واقع السوريين، مع تعديلات بسيطة في هوية الشخصيات كفيلة بتغيير حقائق تاريخية.
نموذج آخر، مسلسل “النار بالنار” الذي يتناول قصة شابة سورية (كاريس بشار) يعتقل زوجها وتلجأ إلى لبنان، وبعيدًا عن القصة والحبكة، يمرّ المسلسل كاملًا دون أن يذكر سبب لجوء السيدة، وحين تتلاسن مع اللبناني (جورج خباز) لتعليقه لافتة عن حظر تجوال السوريين، يتحدث هو عن العذابات التي عاشها اللبنانيون من جيش النظام دون أن يسميه وترد هي عن السوريين دون أن تحكي عن سبب مأساتهم.
يمرّ المسلسل كاملًا بحبكة درامية جميلة وشخصيات بديعة دون أن يذكر لمرة واحدة أن هناك ثورة وهناك نظام يقتل شعبه وهناك لاجئون فروا من الموت، وحين تذكر السيدة زوجها المعتقل تقول اعتقلوه “العمشات” في إشارة لجماعات مسلحة في سوريا.
المسلسل لم يحرف شيئًا بشكل واضح، وهناك كثير من السوريين فعلًا اختطفتهم جماعات مسلحة في سوريا، لكن قضية المعتقلين والاختفاء القسري في سوريا المجرم الرئيس فيها هو نظام الأسد، المسلسل لم يكذب، فقط لم يقل الحقيقة، ليس في هذه الجزئية فقط وإنما في كثير من التفاصيل.
وإن وجدنا مبررًا للمسلسلات سابقًا، فأعمال اليوم لم تختلف كثيرًا، فحين يأتي عمل سوري اليوم ليصور جميع السجانين والمساجين يتحدثون لهجة واحدة ويشتم طرف على حساب آخر وينسب السجون لمجهول، هو ببساطة إن لم يكذب لم يقل الحقيقة.
لماذا نهتم أصلًا؟
حين تنتهي الثورة أو تنتصر تبدأ معركة استنزاف طويلة لحفظ مكتسباتها وتثبيت نصرها، ومن أهم مفاتح النصر في هذه المعركة هو الحفاظ على القصة، أو على السردية، وفي الأسطر التالية تصور عن أثر الدراما بشكلها الحالي على سردية الثورة السورية:
1 – الثورة السورية ذاخرة بقصص وروايات تروى وتروى في عشرات ومئات الأفلام والمسلسلات، وغالب الظن أنها تبقى مادة دسمة للأعمال الدرامية لسنوات قادمة، وعدم تصحيح المسار منذ البداية يعني أننا سنشاهد بأنفسنا تزويرًا كاملًا لتاريخ عشناه بأنفسنا تحت حجة الحبكة الدرامية، والسلم الأهلي.
2- الدراما أقوى من أي مُعلّم وما يراه الإنسان فيها أقوى من عشرات الحصص التاريخية، في دراسة نشرتها جامعة أكسفورد في مطلع هذا العام قالت إن الوعي التاريخي لا يتشكل فقط من خلال التعليم الأكاديمي والقراءة بل من خلال السرد الجماعي للقصص، وما الدراما سوى سرد قصصي جماعي مع عوامل تأثير تتجاوز القصة، والشباب سيفهمون الماضي بشكل أعمق حينما يشاهدونه.
3 – المعلومات الخاطئة تمر بسلام وأمان في العمل الدرامي دون تدقيق من الجمهور ولا تفكير، وهذا ما أثبتته دراسة أجريت على مسلسل عمر التاريخي شملت 300 شخص بهدف تحديد أثر معالجة التاريخ في الدراما على قدرة المشاهد على فهم المعلومة وحفظها.
بنتيجة صادمة أظهرت الدراسة أن عناصر مثل البنية الدرامية والشخصيات والمعلومات التاريخية لم تؤثر على فهم المشاهد للحدث وحفظه للمعلومات، ومهما كانت المعلومات التاريخية مغلوطة وغير دقيقة يحفظها المشاهد طالما السياق درامي قوي.
والمهم للمشاهد هو المحتوى والمكان، والدراما التلفزيونية قادرة على تسهيل فهم التاريخ متفوقة على القراءة الشخصية وهي بذلك أداة تضليل وإرشاد عالية جدًا، هناك دراما “تاريخية أمينة” وهناك “استخدام تجاري للتاريخ”، مثلما هناك أعمال وليد سيف وباب الحارة.
هل تستطيع الدراما أن تصدق؟
الكاتب الفلسطيني وليد سيف، أحد أبرز كتّاب الأعمال الدرامية السورية، قال في لقاء مؤخرًا معتصرًا خبرته الطويلة إن كتابة الدراما التاريخية تتطلب أن تكون لدى الكاتب – بعد الموهبة – الثقافة وحسّ لغوي وقدرة تحليل نقدي للمادة التاريخية المتاحة، ليكتشف ما غاب بين السطور وليس فقط ما اشتهر، لأن المادة التاريخية مفتوحة لمستويات من التأويلات وهي سرديات.
وفي إضافة رائعة يقول وليد سيف إنه لا يفضل استخدام كلمة موضوعية، ويفضل كلمة نزاهة، فالإنسان يجب أن يكون نزيهًا في التعامل مع المادة التاريخية، لأن الموضوعية المطلقة وهم، فكلٌ له تحيزات وخبرات وقناعات، لكن لا يجب أن تكون فجة لخدمة خطاب مباشر، فهذا يتعارض ليس فقط مع النزاهة بل مع طبيعة الفن نفسها التي لا تتقبل خطابًا مباشرًا.
ويختم: في كل عمل أدبي قدر من الانتقائية، لكن لا ينبغي أن تتجنى على الحقائق التاريخية، فهل هناك عمل تناول أحداث الثورة ووحشية النظام ولم يتجنَّ على الحقائق؟
كيف يمكن وصف عمل بالنزاهة وهو يكرر على لسان الأبطال في وصف الواقع السوري، “لم يتغير شيء”؟ قد يكون هذا رأي موجود في سوريا، العمل لا يكذب، لكنه لا يقول الحقيقة، فجل الناس تحرروا من كابوس ورعب مطلق وتنفسوا الصعداء بعد عقود، وتغير كل شيء في حياتهم، والعمل ببساطة لم ينقل شيئًا على لسانهم، ونقل ما يخدم وجهة نظر المنتج بطريقة فجة.
كما أن الاقتباس من قصة حقيقية ملحمية حدثت في سجون الأسد، وتعد من أندر وأعجب قصص تمرد السجناء ولم ترو بعد، وما زال أبطالها على قيد الحياة، دون العودة لهم والإشارة إليهم، هو تقديم سرد خيالي بتحيزات الكاتب وانطباعاته وقناعاته على سرد حقيقي بشكل غير مبرر.
وإذا تفكرت في الفن لعرفت أنه يمكن لأي كاتب موهوب أن ينسج عملًا يدمي القلب يصور أي معاناة من جرائم التعذيب والإهانة التي عاشها الناس ولا يتصورها عقل، ويمكن كتابة مجلدات عن وحشية السجانين، لكن ما فائدة هذه القصص إن لم تحفظ حق الضحية وتعري الجلاد؟
ماذا يبقى من العمل بعد سنين إلا الربح المادي ونجومية الممثل حين لا يخرج المشاهد بتصور واضح ووعي حقيقي عن المجرم والجريمة وأسبابها ونتائجها؟ إن لم تكن هذه تجارة الألم فما هي إذن؟
وبما أننا نعرف المخرجين وشركات الإنتاج والممثلين وماضي الجميع، فإننا نعرف محتوى أعمال رمضان لعام 2026 قبل أن تنتهي، ستقدم نصف الحقيقة ونصف الحكاية وتروي الأحداث في اللامكان واللازمان، ويقول منتجوها إنها مجرد أعمال درامية وتطابقها مع الخيال محض صدفة.
الدراما والسلم الأهلي
وإذا نظرنا من زاوية أخرى، هل يمكن أن تمر هذه القصص على الضحايا دون أثر؟ من ركائز السلم الأهلي هو الصحة النفسية للفرد، وقدرته على التعافي من الصدمة، أنى له ذلك وهو يشاهد معاناته مادة للتجارة وعرضة للعبث تحت اسم الفن.
ومن ركائزه أيضًا إعادة الثقة بين أفراد المجتمع، فكيف يمكن ذلك ومازال المجتمع منقسمًا؟ جموع تتهم وفريق ينكر، ولا يتفق على سردية، علمًا بأن بناء سردية يتقبلها المجتمع أو جله لا يمكن تحقيقها بدون عدالة انتقالية حقيقية والاعتراف بمعاناة الضحايا وتقديم تعويضات.
وبما أن سردية المجتمع عما حدث لم تكتمل، ولم توثق، ولم يدخل التاريخ القريب جدًا إلى تعليم الفرد والذاكرة الجماعية الوطنية، فإن بناء قصص خيالية مستندة إلى وعي ما زال يتشكل ألا يعدّ عبثًا ممنهجًا في ذاكرة الأمم؟
وفي ظروف كهذه ألا يكون لعبًا بالنار؛ السماح بظهور هذه الأعمال واستفزاز الضحايا وهم يعضون على الجراح ويصبرون؟ ألا تستطيع الدراما الانتظار حتى يلتقط المجتمع أنفاسه قبل أن تتسلى بجراحه؟