ترجمة وتحرير: نون بوست
أطلق الرئيس دونالد ترامب حربًا شخصية وانفعالية على إيران، وهي حرب أكثر طموحًا، عسكريًا وسياسيًا، من أي حملة أمريكية سابقة في الشرق الأوسط الذي يشهد اضطرابات مستمرة. ففي مقطع فيديو مدته ثماني دقائق، نُشر في ساعات الفجر الأولى من يوم السبت بينما كان معظم الأمريكيين لا يزالون نائمين، أعلن أن أهدافه هي: القضاء على النظام الثيوقراطي، والاستسلام الكامل من جانب الحرس الثوري الإسلامي – أو مواجهة الموت على أيدي القوات الأمريكية – وإنهاء البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل.
ودعا ترامب الشعب الإيراني، البالغ تعداده 92 مليون نسمة، إلى الانتفاض في مقاومة شعبية وتشكيل حكومة جديدة، وقال مخاطبًا الإيرانيين: “لطالما طلبتم مساعدة أمريكا، لكنكم لم تحصلوا عليها. الآن لديكم رئيس يمنحكم ما تريدون، فلنرَ كيف ستستجيبون. أمريكا تدعمكم بقوة ساحقة وقوة مدمرة”. إنها مقامرة جريئة، تم القيام بها بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من دون أن يكون لها مآل واضح. ولرجل يتوق إلى جائزة نوبل للسلام، تبدو هذه الحرب الاختيارية أقرب إلى الوهم.
وقال علي فايز، الذي يرأس مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن “الفكرة السائدة في واشنطن وتل أبيب بأن قصف إيران سيؤدي بطريقة ما إلى إشعال انتفاضة شعبية ليست إستراتيجية، بل مجرد أمنيات”، موضحًا أنه لا يوجد سابقة حديثة لفرض تغيير نظام عبر القوة الجوية وحدها، وأضاف: “القنابل يمكن أن تدمّر البنية التحتية، ويمكن أن تضعف القدرات، لكنها لا تصنع بدائل سياسية منظّمة”.
وبحسب التقارير، فقد استهدفت العمليات الأمريكية والإسرائيلية القيادة الإيرانية، بما في ذلك المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وضربت ما لا يقل عن تسع مدن، من جبال الشمال إلى صحارى الجنوب، إضافة إلى ميناء على الخليج العربي. لقد تصاعدت الحرب، التي أطلقت عليها الولايات المتحدة اسم “الملحمة الغاضبة” وأسمتها إسرائيل “الأسد الهادر”، بسرعة، وامتدت إلى سبع دول أخرى بعدما ردّت إيران بقصف مصالح إسرائيلية وأمريكية في السعودية والعراق والأردن والإمارات وقطر والبحرين والكويت. وقد أشار مسؤولون أمريكيون إلى أن الحرب مرشحة للاستمرار أيامًا وربما أسابيع، وأقرّ ترامب بإمكانية سقوط قتلى أمريكيين مع تطور النزاع.
وأظهرت استطلاعات حديثة أن ترامب لا يحظى بدعم واسع لهذه الحرب، التي تأتي في وقت ينشغل فيه الأمريكيون بأزماتهم الاقتصادية الداخلية. كما تتزايد التساؤلات حول شرعية الحرب، وما إذا كانت تنتهك القوانين الدولية أو ميثاق الأمم المتحدة أو الدستور الأمريكي. إذ تنصّ الوثيقة التأسيسية للأمم المتحدة على أن أعضاءها “يمتنعون في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة”. كما ينصّ الدستور الأمريكي على أن سلطة إعلان الحرب تعود حصريًا إلى الكونغرس. وفي بيان صدر السبت، قالت جمعية الحد من التسلح إن المشرّعين الأمريكيين والدول الأخرى حول العالم “لديهم واجب أخلاقي وقانوني جليل لمعارضة هذا العدوان الخارج عن القانون”.

لم يكن من الضروري أن تندلع هذه الحرب على إيران، على الأقل ليس الآن. كما كان الحال قبيل حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/ حزيران، حين قصفت أمريكا وإسرائيل المواقع النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، حيث كانت إدارة ترامب في خضم مفاوضات دبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية. وكان من المقرر عقد جولة جديدة من المحادثات بين خبرائهما النوويين مطلع الأسبوع المقبل. ومرة أخرى، جرى إجهاض الدبلوماسية لصالح العنف؛ فقبل ساعات فقط من اندلاع الحرب، أعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي لعب دور الوسيط في المفاوضات، أنه تم إحراز “تقدم كبير” نحو التوصل إلى اتفاق دائم وقابل للتحقق. وقال لبرنامج “فيس ذا نيشن” على شبكة “سي بي إس”: “أرى حقًا أن اتفاق السلام بات في متناول أيدينا”.
وهذه الحرب كان يمكن تجنّبها أيضًا لو لم يتخلَّ ترامب عن الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه بصعوبة، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، عام 2018 خلال ولايته الأولى، والذي استغرق عامين من المفاوضات المكثفة التي قادتها إدارة أوباما.
وقد أدت حملة الضغط القصوى التي شنها ترامب لاحقًا، بما في ذلك فرض 1500 عقوبة اقتصادية جديدة على إيران وشركائها التجاريين، إلى رد طهران بحملة ضغط قصوى خاصة بها؛ فقد صعّدت من تخصيب اليورانيوم – الوقود الذي يمكن استخدامه لصنع سلاح نووي أو لتوليد الطاقة النووية – إلى مستويات أعلى بكثير من الحدود التي نص عليها الاتفاق، وطوّرت أجهزة طرد مركزي أكثر تقدمًا لتحقيق ذلك.
ويوم السبت، قال السيناتور تيم كين من فرجينيا، عضو لجنة القوات المسلحة: “ألم يتعلم الرئيس ترامب شيئًا من عقود التدخل الأمريكي في إيران وحروب الشرق الأوسط التي لا تنتهي؟ هل هو عاجز عقليًا عن إدراك أننا كنا نملك اتفاقًا دبلوماسيًا مع إيران كان يقيّد برنامجها النووي، إلى أن مزّقه خلال ولايته الأولى؟”.
وادعى ترامب مؤخرًا أنه يمكن التوصل إلى اتفاق نووي جديد إذا قالت إيران فقط “الكلمات السحرية”؛ بأنها لن تنتج سلاحاً نووياً. وقد استخدمت إيران تلك الكلمات السحرية عدة مرات في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الأسبوع الماضي، حيث كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة “إكس”، يوم الثلاثاء: “قناعاتنا الأساسية واضحة وضوح الشمس: لن تطوّر إيران تحت أي ظرف من الظروف سلاحًا نوويًا؛ ولن نتخلى نحن الإيرانيين أبدًا عن حقنا في الاستفادة من ثمار التكنولوجيا النووية السلمية لشعبنا”. وبموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1970، يحق لإيران إنتاج الطاقة النووية لأغراض سلمية.
وكما حدث في الحرب على العراق، التي شنتها إدارة جورج بوش الابن عام 2003، فإن الحرب الحالية على إيران تقوم على كذبة تتعلق بأسلحة الدمار الشامل. وكان الرئيس ترامب قد ادعى، هذا الأسبوع، أن طهران تشكّل “تهديدات وشيكة” للأراضي الأمريكية. ولا شك أن واشنطن محقة في قلقها بشأن الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي يتم تخزين الكثير منها تحت الأرض في ما يُعرف بـ”مدن الصواريخ”. ويبلغ أقصى مدى لهذه الصواريخ ألفي كيلومتر، وهو ما يكفي لضرب إسرائيل والقوات أو المنشآت الأمريكية في أنحاء الشرق الأوسط. وهذا أمر مثير للقلق بالفعل، لكن إيران لا تملك أي قدرة على ضرب الأراضي الأمريكية نفسها.
وقال آلان آير، وهو مراقب قديم للشأن الإيراني في وزارة الخارجية الأمريكية ويعمل الآن في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن الهدف المعلن لترامب من هذه الهجمات – “التهديد الوشيك” – غير قابل للتصديق، أما هدفه الحقيقي – شلّ النظام إن لم يكن تغييره – فغير مرجّح. وأضاف أن عملية “الملحمة الغاضبة” قد لا تتمكن عبر الضربات الجوية من تدمير “المؤسسات والهياكل المتشابكة الكثيرة التي تشكّل أساس قوة النظام. وحتى لو حدث ذلك، فمن غير المرجّح أن تنشأ تلقائيًا مؤسسات عضوية جديدة تدعم حكومة بديلة قابلة للحياة. والأرجح بعد توقف إطلاق النار هو نظام منهك وشعب إيراني يزداد بؤسًا”، وأشار آير إلى أنه لا ضمان بأن الجيش الأمريكي قادر على كبح ردّ إيران، الذي قد يزعزع استقرار المنطقة.
لقد أثارت الحرب قلقًا عالميًا؛ فقد عقدت الأمم المتحدة اجتماعًا طارئًا بعد ظهر السبت. ودعت حلفاء أمريكا التقليديون إلى إنهاء الحملة الجوية. وكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منصة “إكس” أن “اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يحمل عواقب وخيمة على السلام والأمن الدوليين”. وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز: “لا يمكننا تحمّل حرب أخرى طويلة ومدمرة في الشرق الأوسط”. ودعت الحكومة السويسرية إلى “الاحترام الكامل للقانون الدولي”. وفي بيان مشترك، حثّ أكبر زعيمين في الاتحاد الأوروبي على تجنّب “أي أعمال قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد أو تقويض نظام عدم الانتشار العالمي”.
على الصعيد المحلي؛ اعترض العديد من قادة الحزب الديمقراطي واثنان على الأقل من الجمهوريين على قرار ترامب – أو حقه – في خوض الحرب. ففي منشور على منصة “إكس”، قال النائب الجمهوري توماس ماسي من كنتاكي: “هذا ليس “أمريكا أولاً””. أما السيناتور الجمهوري راند بول، وهو أيضًا من كنتاكي، فقد استشهد بجيمس ماديسون، أحد الآباء المؤسسين والرئيس الرابع للولايات المتحدة، الذي قال إن السلطة التنفيذية “أكثر ميلاً إلى الحرب”، ولهذا فإن إعلانها حق محفوظ للكونغرس.
وأشار آخرون إلى دعم إيران للحركات المتطرفة، بما في ذلك حزب الله وحماس والحوثيين، الذين قتلوا مئات الأمريكيين خلال العقود الأربعة الماضية، وإلى آلاف الإيرانيين الذين قتلهم النظام في الاحتجاجات الأخيرة. وقالت السيناتور جين شاهين من نيوهامبشير، العضو البارز في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ: “لن يحزن أحد على رحيلهم”، لكنها أضافت أن ترامب “أظهر نهجًا مستهترًا بشكل مخيب للآمال تجاه استخدام القوة، حتى عندما يعرّض ذلك حياة عشرات الآلاف من أفراد القوات والدبلوماسيين الأمريكيين في المنطقة للخطر، فضلاً عن حلفائنا وشركائنا الذين يتعرضون بالفعل للهجوم.”
ولم يوضح الرئيس بعد استراتيجية خروج الولايات المتحدة، فهل ستكون بعد أن تنجح انتفاضة مفترضة في إجراء انتخابات وتشكيل حكومة جديدة؟ لقد حاولت إدارة بوش ذلك في أفغانستان عام 2001، وفي العراق عام 2003، وظلت عالقة في كل بلد لسنوات، مما كلف آلاف الأرواح الأمريكية وتريليونات الدولارات. ووصف السيناتور آندي كيم، من نيوجيرسي، قرار ترامب بأنه “أحمق” لأنه يعرّض الأمريكيين للخطر من دون تهديد وشيك، ويضع المعارضين الإيرانيين في مأزق من دون وجود تحالف يحميهم. وقد تحدث ترامب عن مهمة محدودة ضد إيران، ثم فجأة عن عملية “ضخمة”. ولا تزال تفاصيل حساباته غير واضحة؛ بالنسبة للمسؤولين المنتخبين وكذلك بالنسبة لنا جميعًا.
المصدر: نيويوركر