تواجه تركيا في الآونة الأخيرة موجة ممنهجة من التضليل الإعلامي عبر المنصات الرقمية، تندرج تحت ما يُعرف بـ”أنشطة الطابور الخامس”، وقد تعرضت هذه الشبكات لعملية كشف واسعة النطاق، أزاحت الستار عن مخططات معقدة تديرها شبكات مصالح مرتبطة بأجهزة خارجية، تهدف بشكل أساسي إلى تشويه صورة المفكرين وصناع المحتوى الإسلامي والرموز الدينية في البلاد.
تمثلت نقطة التحول في هذا الملف بما كشفه الكاتب والطبيب “ألطاي جيم ميريج “، الذي نشر وثائق تفضح “المؤامرة” التي تُدار خلف كواليس شبكات التواصل الاجتماعي، وأظهرت الأدلة التي قدمها “ميريج” أن حسابات ذات تفاعل هائل ليست مصادر إخبارية مستقلة كما تزعم، بل هي في الواقع “أدوات عملياتية” تُدار بتمويل خارجي لتوجيه الرأي العام.
كما كشفت التحقيقات أن هذه الحسابات تتستر خلف قناع “القومية التركية” لترويج بروباغندا ما يُسمى بـ”قومية تركية بلا إسلام”، مستهدفةً بذلك الهوية الإسلامية للمجتمع، وساعيةً إلى تعميق الانقسامات المجتمعية والضرب على أوتار التفرقة.
İsrail adına ülkemizde 5. Kol faaliyetlerini yürüten perasyon çocukları @AltayCemMeric tarafından tek tek deşifre ediliyor.
Siz istediğiniz kadar Barış ve kardeşlik projeleri çizin istediğiniz kadar toplantılar yapın bu müsveddeler başı boş sosyal medyada cirit attıkları… pic.twitter.com/NOQYevjRKD
— Mehmet (@em_ir3734) January 12, 2026
7 أكتوبر كلحظة كاشفة
تعمقت الأنشطة المظلمة لهذه الشبكة بعد 7 أكتوبر 2023؛ حيث سارعت هذه المنصات إلى تبني خطاب منهجي داعم لـ”إسرائيل” بهدف التغطية على حرب الإبادة الجماعية في غزة، وذلك حتى قبل التحقق من صحة الأنباء، وقد أنتجت هذه الوسائل محتويات مليئة بالتضليل ضد حركة حماس، عبر نشر أخبار كاذبة تدعي “قطع رؤوس الأطفال” أو “قتل العائلات وهم نيام في أسرّتهم”، وهي افتراءات استُخدمت كأداة لتسميم الرأي العام وتزييف صورة المقاومة.
7 ekim günü girdiğin bu haber doğru mu kardeş ? Hani bunun tekzibi ? https://t.co/S8BvvJQu6v pic.twitter.com/IkUinms4SB
— Altay Cem Meriç (@AltayCemMeric) January 11, 2026
وكما ذكر ألطاي جيم ميريج، فإن التبعية الأيديولوجية والمالية لهذه الهياكل تتضح من خلال تقاضي هذه الحسابات مبالغ مالية مقابل نشر تغريدات موجهة وأخبار مدفوعة الأجر لتشكيل الرأي العام، كما أوضح ميريج بُعدًا آخر للتضليل يتعلق بقيام نظام الأسد في سوريا بدعوة “يوتيوبرز” من تركيا لزيارة البلاد مقابل مبالغ مالية، بهدف صناعة تصور زائف يدعي أن “الحرب انتهت وأن كل شيء هناك غاية في المثالية”، وذلك لتضليل الجمهور التركي.
كما لفت الانتباه إلى المرجعيات الفكرية المثيرة للجدل لهذه المنصات؛ حيث سبق أن نشر مدير أحد تلك المواقع صورة له من أمام كنيس يهودي مع تعليق “بدأ القبول في المحفل الماسوني”، وبالإضافة إلى ذلك، كُشف عن صور تجمع هؤلاء ببعض قادة المعارضة في تركيا، إلى جانب وجود تصريحات وبيانات تؤكد عملهم لصالح تلك الأطراف السياسية.
وفي محاولة لتفكيك ظاهرة الطابور الخامس، وتكتيكاتها وأساليبها في تزييف الوعي، ونصيب تركيا منها، تحدثنا إلى الكاتب والناشط التركي البارز يافوز يغيت Yavuz Yiğit، وهو منسق مؤسسة هارموني التي تعنى بتصميم برامج الهجرة والتماسك الاجتماعي في تركيا، ومؤسس أكاديمية “خارج المدرسة Okul Dışı”، وصانع محتوى.

الإعلام كسلاح
يرى يافوز يغيت، أن ثمّة علاقة استراتيجية بين “سيكولوجية الأقليات” وقوة الإعلام انطلاقًا من التاريخ اليهودي، حيث يشير إلى “أن عيش اليهود كأقليات في أنحاء مختلفة من العالم لآلاف السنين، وخاصة في أوروبا، قد طوّر لديهم مهارة بقاء تركز على القيم الخفيفة في وزنها والغالية في ثمنها”، وأوضح أن خطر التعرض المستمر للطرد والتهجير دفع هذه الجماعات نحو الأدوات المالية سهلة الحمل مثل الذهب والألماس والسندات والأوراق المصرفية، بالإضافة إلى التخصص في مجالات تكتسب قيمة عالمية في أي جغرافيا كالطب والعلوم والحرف اليدوية.
ويضيف يغيت موضحًا خلفيات هذا التوجه أن “ظهور الماسونية كجماعة للبنائين (نحاتي الحجارة) ليس محض صدفة، بل هو نتيجة لهذا التوجه الاستراتيجي”، إذ إن الهدف الأساسي هو تحقيق أقصى قدر من التأثير بأقل عدد من الأفراد في أي مكان يتواجدون فيه.
وتعد الوسيلة الأقوى لهذه الاستراتيجية في عصرنا الحالي، حسب وصف يغيت، هي قطاع الإعلام؛ “فعندما تسيطر على الإعلام، يمكنك كسب عدد هائل من الأتباع بجهد قليل”، وتربية أنصار لك في دول أخرى، مما يمنحك نفوذًا طاغيًا على الجماهير.
“عندما تسيطر على الإعلام، يمكنك كسب صداقة 500 مليون شخص حتى لو كنت تنتمي لمجموعة من عشرة ملايين فقط”، يقول بغيت، ويضرب مثالًا بهوليوود وحفلات توزيع جوائز الأوسكار، إذ يرى أن الكثافة المتمثلة في الممثلين والمخرجين والمنتجين هي مؤشر ملموس على هذه الهيمنة القطاعية التي اتسع نطاقها ليشمل وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا؛ حيث تلعب القدرة على التلاعب بالإقناع وتوجيه الجماهير الضخمة بأقل عدد من الأفراد دورًا حيويًا، لا سيما في نقطة حماية المصالح التجارية العالمية.
Vatan toprağındaki Türklerin dinine düşman bir güya “Türkçülük” ve oldukça organize. pic.twitter.com/LoAPvnUfht
— Altay Cem Meriç (@AltayCemMeric) January 5, 2026
استراتيجية التحييد
يوضح يافوز يغيت المفهوم الحديث لـ “عمارة التأثير” في السياق التركي، مبينًا أن الآلية هنا لا تعمل فقط من خلال الهياكل التي تتلقى تعليمات مباشرة، بل من خلال العلامات التجارية العالمية التي تقوم بتحويل جزء من ميزانياتها الإعلانية إلى شبكات التأثير المحلية بهدف منع الخسائر الفادحة التي قد تتعرض لها.
وفي هذه النقطة، يشير يغيت إلى تحول نظام “إدارة أعمال المشاهير” (المانجير) إلى آلية رقابة حديثة؛ “حيث يمنع هؤلاء المديرون ‘المؤثرين’ (Influencers) التابعين لهم من التطرق إلى قضايا حساسة مثل القضية الفلسطينية عبر بنود تعاقدية”، وذلك لضمان عدم خسارة حصتهم من كعكة الإعلانات الضخمة.
ويضيف يغيت حول استراتيجية التحييد المتبعة أنه “دون الحاجة إلى بروباغندا مكشوفة، يتم إبعاد المجتمع عن القضايا الراهنة عبر هؤلاء المؤثرين”، مما يجعل عملية “تحييد الجماهير” عبر “عملاء التأثير الطبيعيين” هي أسلوب العمل الأكثر فعالية وتأثيرًا في النظام القائم حاليًا.
استراتيجية الرعاية
يكشف يافوز يغيت عن تفاصيل مثيرة حول كيفية عمل “جيوش التأثير” التي أنشأتها مراكز الاستخبارات ورأس المال العالمي في العالم الرقمي، مؤكدًا أنه “بعيدًا عن عملاء التأثير الطبيعيين، توجد هياكل مهنية يتم تمويلها بشكل مباشر”. ويرى يغيت أن المنظمات التي تمتلك ميزانيات بمليارات الدولارات، تُعد المخصصات السنوية التي تتراوح فيها بين 10 إلى 20 مليون دولار أرقامًا رمزية لا تذكر، لكنها كافية لإنشاء جيوش رقمية تضم آلاف الأشخاص الموجهين أيديولوجيًا في دول مثل تركيا ومصر والمغرب، وذلك عبر استغلال الديناميكيات المحلية وتوظيفها لخدمة أجندات محددة.
ويضيف يغيت موضحًا آليات الارتباط غير المباشرة لهذه المنظومات، مشيرًا إلى أن “هذه الهياكل لا تحتاج إلى إقامة روابط رسمية مباشرة مع أجهزة الاستخبارات”، بل يتم حشد هذه الجماهير وتحريكها بفاعلية من خلال الرعايات والمساهمات المالية التي تُنقل عبر قنوات مختلفة.
ويتم ذلك، حسب وصفه، عن طريق استغلال تصريحات الشخصيات السياسية المحلية التي تضرب على أوتار المجتمع الحساسة، مثل “معاداة العرب أو المسلمين”، مما يسهل عملية توجيه الحشود رقميًا دون إثارة الشبهات حول الارتباط المباشر بمراكز القوى الخارجية.
Muhbir İsimli Hesabın sahibi SÜHA ÇARDAKLI isimli şahsın, Ekrem İmamoğlu tarafından fonlandığını İTİRAF ettiği görseller sosyal medyada tepki çekti. pic.twitter.com/5Tc6JajURq
— Altay Cem Meriç (@AltayCemMeric) January 9, 2026
استراتيجية التصفية
لفت يافوز يغيت الانتباه إلى البعد الخطير لهذه العملية، موضحًا أن الخوارزميات وفرق التسويق تقيس تأثير الشخصيات التي تدعو للمقاطعة بشكل لحظي؛ حيث إنه “عندما تفقد علامة تجارية ما عددًا من متابعيها أو تنخفض مبيعاتها عقب منشورات لشخصيات مثل إرسين جليك، بكير ديبيلي، ألطاي جيم ميريج، أو حتى شخصي، يتم رفع تقرير مباشر عن هذه الحالة باعتبارها تهديدًا تجاريًا”.
ويؤكد يغيت أن القرار المتخذ في اجتماعات التسويق يكون حاسمًا في مثل هذه الحالات، ويهدف إلى “تصفير تأثير هذه الأسماء وزعزعة ثقتهم أمام الجمهور”، وذلك عبر فحص كافة الآثار الرقمية للشخص المستهدف في الماضي، واستخراج تغريدات قديمة أو أحداث عابرة وتحريفها بعناية لجعل هذا الشخص “غير قابل للقراءة وغير موثوق به”.
ويتابع يغيت واصفًا طبيعة هذه المواجهة غير المتكافئة، محذرًا الناشطين بقوله: “أنتم تواجهون ميزانيات ضخمة بمليارات الدولارات، وفرقًا مهنية تعتبركم هدفًا يجب القضاء عليه لحماية تلك الميزانيات”.
وبما أن النواة الصلبة التي تنشر وعي المقاطعة في تركيا تتكون من حوالي 100 شخص فقط، فإنه يتم تحديد هؤلاء الأفراد واحدًا تلو الآخر وتعريضهم لهجمات خاصة، حيث يظل الهدف الأساسي هو “ضمان استمرار التجارة العالمية وتدفق رؤوس الأموال دون انقطاع، مهما كان الثمن”.
مناورة المغالطات المنطقية
وفي سياق متصل، يشير يافوز يغيت إلى البعد التقني لعمليات توجيه الرأي العام، كاشفًا عن أسلوب “المغالطات المنطقية” (logical fallacies) الذي تستخدمه شبكات التضليل لتجنب كشف هويتها.
ويرى يغيت أن الأطراف التي تدير عمليات التلاعب الممنهج لا تكشف عن نفسها أبدًا عبر القول مباشرة “أنا مؤيد لإسرائيل”، بل يعمدون بدلًا من ذلك إلى تفعيل مغالطات منطقية تهدف لتشتيت الانتباه في القضايا التي يكونون فيها على باطل تمامًا.
فإذا كانوا مخطئين بنسبة 100% في قضية ما، “يلجأون فورًا إلى حجة (لكن الجميع يفعل ذلك) لمحاولة تطبيع القضية وتخفيف ثقل الجريمة عبر توزيع مسؤوليتها على الجميع”، وهو أسلوب دفاعي يهدف إلى تمييع الحقائق وصرف الأنظار عن الجوهر الأخلاقي للقضية.
ويقدم يافوز يغيت مثالًا واقعيًا على تكتيكات التضليل من خلال قراءة انعكاسات الفضائح العالمية داخل الساحة التركية، مشيرًا إلى أن أوضح مثال على ذلك تجلى خلال مسار قضية “إبستين”.
فعندما انكشفت تلك الشبكة الدولية المنظمة للاعتداء على الأطفال والاغتصاب، سارع وكلاء التأثير في تركيا إلى اتخاذ وضعية الدفاع بدلًا من إدانة هذه الشبكة الإجرامية بشكل مباشر، حيث “حاولوا جاهدين تهوين شأن هذه المنظمة عبر نشر مقولة (تحدث أشياء مماثلة في تركيا أيضًا)”.
ويرى يغيت أن هذا الأسلوب وصل إلى حد ظهور بعض الإعلاميين على الشاشات لتبسيط القضية عبر تعليقات تافهة تدعي أن “العالم يُدار من قبل مجموعة من المجانين”، وذلك في محاولة صريحة لصرف الأنظار عن خطورة وطبيعة الجريمة المنظمة.
وفي هذا الصدد، يلخص يغيت مبدأ عمل العقل العملياتي في إدارة الأزمات بهذا التشخيص الدقيق، مؤكدًا أن الاستراتيجية الأساسية المتبعة هي أنه “إذا كنت لا تستطيع الدفاع عن جريمة أو مركز ما بشكل مباشر، فإما أن تغير الموضوع تمامًا، أو تضلل الهدف، أو تعمل على تبسيط القضية في عيون الرأي العام لتشتيت الانتباه”.
ويرى يغيت أن هذه المنهجية تهدف في النهاية إلى “إنزال أشد الجرائم خطورة إلى مستوى يمكن مناقشته أو حتى تجاهله من قبل المجتمع”، مما يحول الجريمة الكبرى إلى مجرد وجهة نظر أو حدث عابر لا يستوجب المحاسبة.
الهدف؟ زرع الكراهية والانقسام
يؤكد يافوز يغيت أن التناقضات الاجتماعية هي نتاج هندسة متعمدة، موضحًا مشروع “التغريب” أو الإقصاء المتبادل الذي يُمارس على تركيا والشرق الأوسط بقوله: “إن الاستراتيجية الرئيسية التي تدير العملية واضحة تمامًا؛ فإذا قمت بنشر معاداة العرب في تركيا، فإنك بذلك تعزل القضية الفلسطينية وتجعلها وحيدة، وإذا أججت خطاب الكراهية ضد اللاجئين، فإنك تضعف الموقف الإنساني تجاه القضية السورية”.
ويرى يغيت أن هذا الوضع يصب مباشرة في مصلحة القوى العالمية؛ إذ إن أقصر طريق لضمان اللامبالاة الاجتماعية هو تغذية هذه الصراعات الاصطناعية.
ويشير يغيت إلى الانزعاج الذي أحدثه تغير التوازنات في المنطقة خلال العقدين الأخيرين لدى المراكز العالمية، مبينًا أنه يتم تنفيذ عمل ممنهج لترسيخ “الإسلاموفوبيا” في تركيا منذ 100 عام، بينما أُديرت عملية مشابهة في العالم العربي عبر مناهج تُصور تركيا كقوة “استعمارية”، إلا أن هذا التصور السلبي قد تحطم إلى حد كبير في السنوات العشرين الماضية، حيث ساهم تأثير الدراما التركية، وخاصة “الموقف الحازم” للرئيس رجب طيب أردوغان، في خلق تعاطف هائل لدى شعوب المنطقة؛ وهي الحقيقة التي دفعت المراكز العالمية لضخ التضليل الإعلامي مجددًا لوقف هذا المسار.
وفي تحذير له من نطاق هذه العمليات، أكد يغيت أن الفاعلين في مختلف الدول يُدارون من مركز واحد، موضحًا: “نحن لا نواجه مجرد بضعة حسابات، بل هيكلًا عالميًا منسقًا له فروع في كل دولة”، ويرى أن “فرع تركيا” و”فرع مصر” لهذا الهيكل هما أجزاء من نفس الاستراتيجية وإن استخدما حججًا مختلفة؛ فأولئك الذين يثيرون الكراهية ضد العرب في تركيا، والذين يؤججونها ضد الأتراك في الجغرافيا العربية، يتحركون من منطلق واحد.
ويختم يغيت بالتشديد على أن كسر عجلة هذه “المؤامرة القذرة” أصبح الآن ضرورة قصوى من أجل استقرار تركيا والمنطقة.
وجدير بالذكر أنه في أعقاب الكشف عن هذه الأنشطة، تحرك عدد كبير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي الواعين لاتخاذ إجراءات قانونية؛ حيث تم تقديم بلاغات جنائية إلى مكاتب المدعي العام الجمهوري ضد الأشخاص والحسابات المعنية، وقد بدأت السلطات المختصة بالتعامل مع القضية ضمن إطار “الأمن القومي”، كما جرى بالفعل فرض حظر الوصول إلى بعض تلك الحسابات المتورطة في إثارة الفتن والتضليل.