منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية على إيران، تتجه الأنظار نحو مستجدات الأحداث في كل ساعة، وتبقى كافة السيناريوهات مفتوحة إزاء تمدد ساحات المعركة من إيران وإسرائيل ودول الخليج العربي وحتى فتح جبهات قتال جديدة في دول القرن الإفريقي، وهي الدول التي سعت كافة أطراف النزاع الحالي إلى إيجاد موطئ قدم فيها.
وفي الآونة الأخيرة، تحدثت تقارير صادرة عن مراكز أبحاث ودراسات معنية بالشرق الأوسط، نقلًا عن تقارير استخباراتية غربية، عن تحركات مكثفة في منطقة القرن الإفريقي، وبالتحديد في الدول الإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، تقودها جماعة الحوثي باعتبارها إحدى أهم أدوات إيران في المنطقة.
يأتي هذا في ظل مناوشات مسلحة بين الحوثيين والمناوئين لهم في عدد من جبهات القتال اليمنية، خاصة في مناطق الساحل الغربي، ووسط احتقان شعبي داخل مناطق سيطرة جماعة الحوثي بسبب تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين هناك.
أهداف واحدة
يشير تقرير صادر عن منتدى الشرق الأوسط إلى أنه من المرجح أن توسع جماعة الحوثي نطاق عملياتها خارج اليمن باتجاه شرق أفريقيا، ولا سيما الصومال، ولفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة أخطأت حينما اعتبرت الحوثيين جماعة متمردة في النطاق اليمني، وأن الحوثيين أصبحوا مليشيا عابرة للأقاليم، من خلال إدماج عناصرهم في شبكات الجماعات المسلحة خارج اليمن، بهدف توسيع ساحة المواجهة عمدًا نحو شرق أفريقيا، في إطار استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرتهم العملياتية وبناء نفوذ مستدام.
وفي حديثه مع “نون بوست”، يشير العقيد فارس الكندي، رئيس قسم العلاقات الخارجية في إدارة التوجيه المعنوي بوزارة الداخلية اليمنية، إلى أن الحديث عن توسع جماعة الحوثي في القرن الإفريقي ليس بجديد، لأن الجماعة عملت خلال السنوات الماضية على توطيد علاقاتها مع جماعة الشباب الصومالية ومع قراصنة ومليشيات مسلحة أخرى، وفق مبدأ تبادل المصالح المشتركة بين تلك المليشيات التي نفذت العديد من العمليات المهددة للسلم الدولي، وهو الأمر الذي كانت قد حذرت منه الحكومة اليمنية منذ وقت مبكر.
أدلة ثابتة
واستعرض التقرير الأممي تعاون الحوثيين وحركة الشباب الصومالية في مهاجمة ما لا يقل عن 25 سفينة تجارية في خليج عدن والبحر الأحمر بالصواريخ والمسيَّرات والقذائف الصاروخية، إضافة إلى نجاح الحركتين في تهديد سفن الشحن التجارية وتبادل سبل الإمداد والتموين، مشيرًا إلى أن الحوثيين عملوا على تدريب عناصر من حركة الشباب على تكنولوجيا المسيَّرات وصناعة العبوات الناسفة، والتدريب على جمع الفدية من قبل الحكومات.
وكانت وسائل إعلام عبرية قد أبدت مخاوفها من تمدد جماعة الحوثي في منطقة القرن الإفريقي. وفي وقت سابق، قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية إن “الحوثيين يتمددون إلى إفريقيا، ويقتربون من إسرائيل”، معتبرة أن “الخطر أكبر مما نراه الآن”. وأضافت الصحيفة أن “ازدهار الحوثيين في أفريقيا قد يستمر، وينبغي لإسرائيل أن تبقي عينها مفتوحة”.
مصادر سياسية ترى أن مخاوف الحوثيين لا تتعلق فقط بالبعد الرمزي للقضية الفلسطينية، بل بحسابات أمنية مباشرة. فوجود إسرائيلي محتمل في أرض الصومال يعني – من وجهة نظرهم – تطويقًا استراتيجيًا لهم من الجنوب الغربي، بعد أن باتت إسرائيل حاضرة عسكريًا واستخباراتيًا في مساحات متعددة من البحر الأحمر.
وبحسب حديثه لـ”نون بوست”، يرى صحفي مقرب من جماعة الحوثي، رفض الكشف عن اسمه، أنه إلى جانب التعليمات التي يتلقاها الحوثيون من قادة الحرس الثوري الإيراني بخصوص تواجد عناصر الجماعة الحوثية في القرن الإفريقي، فإن الحوثيين يخشون أن تُستخدم القواعد العسكرية الأمريكية في جيبوتي، إضافة إلى قواعد عسكرية إسرائيلية مفترضة في إقليم أرض الصومال، في شن غارات على قيادات حوثية، على غرار – وأكبر مما – حدث في الثامن والعشرين من أغسطس/آب من العام الفائت، حينما اغتالت إسرائيل عددًا من وزراء حكومة الحوثيين في صنعاء.
يرى “م. ع”، وهو مواطن يمني خمسيني مقيم في صنعاء، أن جماعة الحوثي تتهرب من مسؤوليتها تجاه استحقاقات المواطنين القاطنين في مناطق سيطرتها، من خلال إقحام نفسها في صراعات دولية لا علاقة للشعب اليمني بها. ويقول المواطن اليمني لـ”نون بوست”: “كان لجماعة الحوثي موقف مشرّف حينما وقفت مع الشعب الفلسطيني في غزة، وهو واجب ديني وقومي، لكنني كيمني أرفض أن نكون أداة بيد إيران التي أضرت سياسات نظامها بالشعوب العربية”.
وفي ظل التصعيد الأمريكي الكبير، وبمشاركة إسرائيل في الحرب على إيران، يستبعد القيادي في إدارة التوجيه المعنوي والعلاقات بوزارة الداخلية اليمنية، العقيد فارس الكندي، توسع النطاق الجغرافي للحرب إلى منطقة القرن الإفريقي، بسبب الضربات الموجعة التي تلقاها النظام الإيراني، خاصة بعد مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي.
لكن المحلل السياسي محمد الكميم يرى عكس ذلك، متوقعًا في حديثه مع “نون بوست” أن تتوسع الحرب الحالية وتصل نيرانها إلى القرن الإفريقي. ويقول الكميم: “في حال استمرار إيران ضرب المصالح الأمريكية، وتكثيف الضربات الأمريكية حتى الاقتراب من إسقاط النظام الإيراني، فسيدخل الحوثيون بدون أدنى شك على الخط دفاعًا عن هذا النظام”.
