مع اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في هجوم مشترك نفذته الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل”، باتت إيران أمام سؤال مصيري: كيف تُدار البلاد من دون رأس النظام الديني؟
هذا التقرير يشرح الخطوط الدستورية والواقعية لانتقال القيادة في نظام الجمهورية الإسلامية، ويستعرض الأسماء المطروحة داخل مركز السلطة في لحظة حرب مصيرية.
ما هو منصب المرشد؟
يُعدّ المرشد الأعلى جوهر النظام الإيراني، فمنذ 1979 تاريخ إنشاء الجمهورية الإسلامية، لعب شاغل هذا المنصب دور رأس الدولة والقائد الأعلى للقوات المسلحة والمرجعية الأولى.
بعد مقتل خامنئي في 28 فبراير/شباط 2026، تشكل مجلس قيادة مؤقت طبقًا للدستور، بينما يبحث الجميع عن خليفة يحفظ توازن القوى الداخلي.
هذه المرحلة غير مسبوقة، فالمرة الوحيدة التي انتقلت فيها القيادة كانت في 1989، وفي ظروف سلمية نسبيًا بعد وفاة المرشد السابق “روح الله الخميني” وتولي خامنئي.
اليوم تُجرى العملية في ظل حرب مدمرة وعقوبات وبعد أسابيع من احتجاجات داخلية، ما يجعل التنبؤ بالأسماء وصيرورة الاختيار أكثر تعقيدًا.

ما الخريطة الدستورية للمنصب؟
تبدأ الطريق الدستورية من المادة 107 من الدستور الإيراني المعدل عام 1989، والتي تنص على أن مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 فقيهًا منتخبًا، هو صاحب سلطة تعيين وعزل المرشد.
فعندما يُشغر المنصب، يجتمع المجلس لاختيار “المرجع العادل” الذي يتحلى بالفقاهة والاجتهاد والورع والشجاعة السياسية، ويمتلك القدرة على الإدارة واتخاذ القرارات.
وتحدد المادة 109 العديد من الشروط، منها: الكفاءة العلمية التي تسمح باستخراج الأحكام الشرعية، العدالة والتقوى، والبصيرة السياسية والإدارية.
لكن المادة المذكورة لا تحدد مرتبة دينية محددة، ما سمح لخامنئي، وهو فقيه متوسط الرتبة في 1989 بأن يُعيَّن بعد تعديل الدستور لتخفيف شرط المرجعية. كما يُنظر إلى شرط “البصيرة السياسية” على أنه ولاء للثورة وقدرة على إدارة صراعات داخلية وخارجية.
وفي حال عدم وجود شخص واحد يجمع هذه الصفات، يجوز للمجلس تكليف مجلس قيادة مكوّن من عدة فقهاء.
وتمنح المادة 111 المجلس مهلة قصيرة (3 أشهر بحسب تقارير إعلامية) لاختيار المرشد الجديد، وخلال تلك الفترة يتولى مجلس قيادة مؤقت صلاحياته.
من يمسك القيادة حاليا؟
طبقًا للمادة 111، شكّل مطلع مارس/آذار 2026 مجلس قيادة مؤقت يتولى صلاحيات المرشد حتى يجتمع مجلس الخبراء.
يضم المجلس المؤقت الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وعضوًا فقيهًا من مجلس صيانة الدستور هو علي رضا أعرافي الذي اختير بعد اغتيال المرشد.
وجاء اختيار أعرافي عبر مجلس تشخيص مصلحة النظام، ما يعكس تدخل المؤسسات العليا في تسمية عضو المجلس المؤقت.
ويحمل أعرافي مناصب عدة، أبرزها نائب رئيس مجلس الخبراء، عضو مجلس صيانة الدستور، ومسؤول عن شبكة الحوزات العلمية، ما يمنحه شرعية فقهية واسعة.
في المقابل، الرئيس بزشكيان محسوب على الإصلاحيين، لكن وجوده في المجلس أقل تأثيرًا لأن القرار النهائي يتطلب إجماع المجلس المؤقت، بينما يميل إيجئي وأعرافي إلى الخط المحافظ.
هكذا يجمع المجلس بين واجهة إصلاحية وأغلبية متشددة، بينما تُدار الملفات الأمنية والعسكرية عمليًا من قبل الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية.
من يملك “فيتو” الاختيار؟
رغم أن مجلس الخبراء يحتكر شرعية تعيين المرشد، إلا أنّ الشبكات غير الرسمية تملك الوزن الحاسم.
على سبيل المثال، يضم مكتب المرشد (البيت) شخصيات مثل علي أصغر حجازي (نائب مدير مكتب خامنئي) الذي يمسك بملفات الأمن والإعلام، إلى جانب مجلس صيانة الدستور الذي يراقب القوانين ويرفض المرشحين غير المرغوب فيهم.
أما الحرس الثوري فيشكل قوة عسكرية واقتصادية هائلة؛ فقد تطور منذ الحرب العراقية‑الإيرانية ليصبح صاحب إمبراطورية تجارية ويشرف على قوات التعبئة (الباسيج) التي تقمع الاحتجاجات.
وهو أيضًا الجهة الوحيدة التي لا تخضع للحكومة المنتخبة، إذ يتواصل مباشرة مع المرشد ويستطيع التأثير على اختيار الخليفة.
ويرى تحليل لصحيفة “إل بايس” الإسبانية أن عملية الخلافة ستكون اختبارًا لتوازن المؤسسات بين بيت المرشد والأجهزة الأمنية والحوزة والبرلمان، فشخصيات مثل علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي تُستدعى لتنسيق الأمن والسياسة، بينما يلعب شقيقه صادق، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، دور الحكم بين المؤسسات.
هذه الشبكات تعني أن الشرعية القانونية وحدها لا تكفي، بل يجب إرضاء أصحاب النفوذ العسكري والاقتصادي.
ما الأسماء المتداولة ومؤهلاتها؟
بعد اغتيال خامنئي، تبرز قائمة بأسماء وازنة ترجح تقارير فارسية وغربية أن تكون ضمن المرشحين لمنصب المرشد، نبرزها في الإنفوجراف التالي:

ما أبرز السيناريوهات؟
أمام مجلس الخبراء ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- الأول هو اختيار مرشح وحيد يجمع بين الشرعية الدينية والقدرة على إدارة الحرب، وهو ما قد ينطبق على أعرافي.
- الثاني يتمثل باللجوء إلى مجلس قيادة دائم إذا تعذّر التوافق على شخص واحد، كما يسمح الدستور؛ وهو سيناريو قد يحظى بدعم الحرس الثورة لضمان إشراك أكثر من تيار.
- الثالث هو بقاء المجلس المؤقت لفترة أطول بسبب الحرب وانعدام الأمن، ما يجعل الحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور عمليًا في موقع القيادة.
كما أن الحرب والإضرابات الاقتصادية قد تدفع النظام إلى تفضيل مرشد أمني قادر على ضبط الداخل وإدارة الصراع مع الخارج. لكن في المحصلة، لا تعد عملية الخلافة في إيران مجرد تطبيق لنص قانوني، بل قد تفضي إلى صراع بين شرعية دينية وشبكات قوة تحكمها المصالح والولاءات.