صبيحة الثامن والعشرين من فبراير/شباط 2026 شنت “إسرائيل” هجومًا مباغتًا على عمق الأراضي الإيرانية، واصفةً إياه بأنه “استباقي”، يستهدف إزالة التهديدات المحيطة بـ”إسرائيل”، بينما عقبت الإدارة الأمريكية على هذا الهجوم بقولها إنه ردٌ على مؤشرات تؤكد نية إيران تنفيذ عمل هجومي ضد الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
وخلال سويعات نقلت وسائل الإعلام أخبار الهجوم، مستعيرة توصيف وزير الحرب الإسرائيلي، مع المراوحة بين اعتباره استباقيًا “preemptive” أو وقائيًاة”preventive”، والإشارة لكلٍ من برنامج إيران النووي، وبرنامجها الصاروخي، كتهديدات دعمًا لروايته.
في الواقع لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُشير “إسرائيل” لهجماتها وعدوانها على الدول والأفراد باعتبارها “استباقية” أو وقائية، بل إن بدايات تداول هذه الصيغ تعود إلى عقودٍ سابقة، كانت تنحصر فيها حروب “إسرائيل” مع الدول العربية، وكان للقانون الدولي والعدالة الدولية مكانة راسخة في الوعي والضمير العالمي.
لكن ذلك تعاظم خلال العامين الأخيرين، مدفوعًا بتزايد اعتداءاتها على دولٍ عديدة في الشرق الأوسط، واحتيالها على القانون الدولي، بلغة عسكرية فضفاضة، استعارتها دولٌ أخرى منها مسبقًا، مثل روسيا في حربها على أوكرانيا، والولايات المتحدة في تهديداتها لكلٍ من كندا وكوبا وغرينلاند، وخلال غزوها السابق للعراق 2003، حين وصف جورج بوش الإبن الحرب بأنها “حق الولايات المتحدة في التحرك استباقيًا ضد التهديدات قبل أن تتبلور بالكامل”.
تحاول السطور التالية، فهم اللغة الإسرائيلية الحربية وتجلياتها، وتفكيك استخداماتها التاريخية والحالية، وتموقعها في ضوء القانون الدولي وما يرتبط باعتدائها الأخير من مساءلة ومحاسبة.
تاريخ من الاعتداءات المبررة
على وقع حالة العداء المتصاعدة بين “إسرائيل” والدول العربية، وبعد قرابة العقدين من النكبة، وجدت المنظومة العسكرية الإسرائيلية نفسها في وضعٍ يمكنها من إعلان الحرب على الدول العربية، خاصة مع ما تسلحت به من معرفة استخبارية شاملة لمقدرات هذه الدول، ومن طبيعة العلاقات البينية الرسمية والعسكرية بينها.
وهكذا، شنت “إسرائيل” أولى حروبها الاستباقية، عام 1967، والتي بدأتها بتصريحٍ لرئيس وزرائها حينها ليفي أشكول، يهدد الدول العربية بأن كيانه سيرد بوسائل عنيفة على مصادر الإرهاب، وأن جيش الاحتلال سيزحف نحو دمشق، ثم أتبع ذلك بتحريك نحو 13 لواءً عسكريًا تجاه الحدود السورية.
وصولًا إلى هجومٍ مفاجئ قامت به القوات الجوية الإسرائيلية أظهر تخطيطًا وتدريبًا مسبقًا، وحقق نجاحًا ترك أثره في مجريات المعركة سريعًا، واللافت أن “إسرائيل” طوال الأيام الستة حرصت على اتهام مصر بأنها البادئة بالهجوم، حتى اعترفت بعد استقرار سيطرتها أن الحرب كانت “ضربة وقائية في مواجهة غزو محتمل من قبل الدول العربية”، رافضة في الوقت ذاته تحمل تبعات الحرب أو الانسحاب من الأراضي التي احتلتها.
ثم تكرر ذلك مرة أخرى، بعدها بقرابة عقدين أيضًا، في السابع من يونيو عام 1981، حين شنت “إسرائيل” عملية أطلقت عليها اسم “أوبرا”، وهي غارة جوية مفاجئة نفذتها ثماني طائرات من طراز إف-16، دمرت مفاعل أوسيراك النووي العراقي قرب بغداد، مبررة بأنها عملية “استباقية” صدام حسين من امتلاك أسلحة نووية.

حجة “استباق امتلاك الأسلحة النووية” تكررت مجددًا في سوريا، حين هاجمت “إسرائيل” منشأة الكُبر في منطقة دير الزور، التي كانت قيد التحضير لتكون مشروعًا كوريًا سوريًا إيرانيًا مشتركًا لإنتاج طاقة نووية، لكن الموساد استطاع تتبع العالم الكوري، واختراق حاسوبه الشخصي، ليصل إلى مخططات هندسية للمشروع، وتقوم طائرات سلاح الطيران بالإغارة على المبنى ليلة السادس من سبتمبر/أيلول 2007، ما تسبب بمقتل 10 علماء كوريين وسوريين، بعد قصفه بأكثر من 17 طن من المتفجرات.
ورغم أن “إسرائيل” لم تعلن حينها عن مسؤوليتها، إلا أنها عادت عام 2018، لتفصح عن ذلك مؤكدة أن هذه العقيدة الاستباقية جزء من مبدأ بيغن، الذي أشرف على قصف المفاعل النووي العراقي.
المزاوجة ما بين الضربات الاستباقية والعدوان العسكري تكررت في كلٍ من الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة، والهجمات الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني، خلال الأعوام 2010 و2020 و2021، والتي تنوّعت ما بين هجمات إلكترونية أفضت إلى انفجارات وسقوط ضحايا، وهجمات اغتيال منسقة بالذكاء الاصطناعي استهدفت علماء وخبراء نوويين.
ومن ثم هجمات أغسطس/آب 2024 على لبنان، وصولًا إلى الاعتداء الإسرائيلي على إيران في يونيو/حزيران 2025، حين عاد المصطلح إلى التصدر، بالنظر إلى التبرير الإسرائيلي للحرب بوصفها تستبق الوصول الإيراني إلى إنتاج قنبلة نووية، من خلال شل البرنامج النووي بأكمله، عبر اغتيال علمائه وتفجير مقراته.
الهجوم أولًا والتبرير لاحقًا
وفقًا لستيسي غودارد، أستاذة العلوم السياسية في كلية ويليسلي والمهتمة بدراسة سياسات القوى العظمى، فإن القادة الإسرائيليين عادة ما يصفون هجماتهم بأنها استباقية، إلا أنها تبدو أقرب للضربات الوقائية، حيث يُعرف علم السياسة النوع الأول بأنه استراتيجية هجومية مصممة لإحباط أو تقليل أضرار هجوم وشيك من الخصم.
وفقًا لهذا التعريف يُشترط في الهجمات الاستباقية أن تكون دفاعية تمامًا وأن يكون هجوم الخصم وشيكًا، وأن يُبنى الهجوم على حقائق، بمعنى ألا يكون التهديد مستقبليًا، أو مبنيًا على اعتقادٍ أو شكوك، بينما في الضربات الوقائية يكون المبدأ الأساسي هو “خوض الحرب الآن أفضل من خوضها لاحقًا”.
بهذا يُتاح للقيادة العسكرية رفاهية اختيار الزمان والمكان وآلية الهجوم، وهو ما لا يُتاح في الهجمات الاستباقية التي تحاول الحد من آثار هجومٍ وشيك.
• أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ ضربات ضد إيران بدعوى وجود “تهديد وشيك”، بينما أكد مسؤولون مطّلعون على الاستخبارات الأميركية لصحيفة “نيويورك تايمز” أن توصيفه للتهديد كان مبالغًا فيه.
• اتهم ترامب طهران بالارتباط بهجوم المدمرة “يو إس إس كول”، في حين خلص مكتب التحقيقات… pic.twitter.com/GZhv4N0zmV
— نون بوست (@NoonPost) March 1, 2026
علمًا أن مفهوم التهديد الوشيك (imminence) في إطار الدفاع عن النفس لا يحظى بإجماع فقهي كامل، فوفق بعض التفسيرات الفقهية، يُشترط أن يكون الخطر وشيكًا بمعنى ضيق ومباشر، بحيث لا يترك للدولة المستهدفة خيارًا آخر سوى الرد الفوري، استنادًا إلى المعايير الكلاسيكية التي أرستها حادثة السفينة كارولاين عام 1837، والتي اشترطت أن تكون الضرورة فورية وقاهرة، ولا تترك مجالًا لاختيار وسائل أخرى ولا وقتًا للتروي.
أما الباحث تمار ميسييلز، فيكشف في دراسة له أهمية الحاجة للتمييز بين الحرب الوقائية والاستباقية، حيث تتفهم منظومة القانون الدولي إلى حد كبير المخاوف المنشئة للحروب الاستباقية، تحت مبرر الدفاع عن النفس، وعلى أن تكون الادعاءات فورية ومبنية على حقائق.
حيث تُقر المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، بالحرية الأصيلة للدول في استخدام القوة للدفاع عن نفسها في حالة وقوع هجوم مسلح، إلى حين تدخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وبدئه جهود حل الخلاف، ولا يُعد هنا حق الدفاع عن النفس ممارسةً مطلقةً للسلطة، بل يجب أن يُمارس بضبط النفس، أي بدافع الضرورة والتناسب، ولا يشترط فيه التعرض المباشر للهجوم، وإنما وجود تأكيدات على اقترابه.
وفي إطار هذه المادة أو ما يُعرف بـ “القانون الدولي العرفي”، اندرج الدفاع الاستباقي عن النفس، شريطة أن تكون التهديدات الوشيكة تندرج بالكامل ضمن نطاق المادة 51، وحينها يمكن دعم الحق الأصيل للدول في الدفاع عن نفسها ضد الهجمات المسلحة.
أما فيما يخص جيش الاحتلال، فيعتبر الباحث ميسييلز أن الجيوش تلجأ عادة للحروب الاستباقية أو الوقائية تبعًا لظروفها، لكن الحروب الوقائية تؤمن لها الموازنة بين التكاليف والفوائد، وتحقيق ميزة هجومية على الخصم، ومزيدًا من الاستقلال والموارد المادية والهيبة مقارنة بحالة الدفاع، وهو ما قد ينطبق على “الجيش الإسرائيلي” الذي يأخذ في اعتباره، إضافة لكل ما سبق، أن ثقافته التنظيمية قد تدفعه نحو الضربات الهجومية، باعتبارها جزءًا من هوية مؤسستهم وممارساتهم التاريخية.
ورغم هذه الطبيعة والثقافة الهجومية، إلا أن ديفانغ كالا الباحثة في العلوم القانونية بمنتدى جندال الخاص بالقوانين الدولية والاقتصادية، تعتبر هجمات جيش الاحتلال عبر عمليتي “زئير الأسد” وعملية “الأسد الصاعد” التي سبقتها، غير قانونية ومخالفة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، لأنها هجمات عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة.
إن المطلوب لتبرير الهجوم هو نية محتملة وقدرة على الهجوم، ونافذة الفرصة الأخيرة -وهو مصطلح يكرره نتنياهو كثيرًا-، ليكون العمل العسكري وقائيًا بدلًا من كونه استباقيًا
عدا عن أنه لا يوجد ما يثبت استخدام إيران للقوة، أو شنها هجومًا مسلحًا ضد “إسرائيل”، علاوة على ذلك، لا تستوفي الضربات الحالية معايير الضرورة، نظرًا لأن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة كانت جارية للتوصل إلى اتفاق نووي، بوساطة عُمانية، فمن غير المعقول تبرير الضربات باعتبارها الخيار الأخير الوحيد المتاح لـ”إسرائيل” لتجنب خطر هجوم نووي محتمل.
في المقابل، يجادل مايكل شميت، أستاذ القانون الدولي في جامعة ريدينغ بالقول، إن استمرار حالة العداء بين “إسرائيل” وإيران منذ يونيو/حزيران 2025، يُغير التقييم القانوني، لأنه بمجرد اندلاع الحرب فإن ممارسة حق الدفاع عن النفس تستلزم تدمير جيش العدو حتى يُسحق تمامًا ولا يعود يشكل تهديدًا عسكريًا فعالًا، معتبرًا أن انتظار تلقي الضربة الأولى للدفاع عن النفس لن يكون معقولًا ولا فعالًا.
يقتبس القانوني الأمريكي وجهة نظرٍ قانونية لبروفيسور القانون الدولي ورئيس جامعة تل أبيب السابق يورام دينشتاين، بالقول إن المطلوب لتبرير الهجوم هو نية محتملة وقدرة على الهجوم، ونافذة الفرصة الأخيرة -وهو مصطلح يكرره نتنياهو كثيرًا-، ليكون العمل العسكري وقائيًا بدلًا من كونه استباقيًا، رغم غياب قرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
لغات “إسرائيل” الأمنية
يصدق قول شميت وبروفيسوره، فإلى درجة كبيرة تعتمد “إسرائيل” في وجودها ومستقبلها على النوايا والتكهنات، لذا تحفل مبررات هجماتها في قطاع غزة والضفة وجنوب لبنان وجنوب سوريا وقلب العراق وعمق إيران وأطراف اليمن، بمصطلحات جز العشب وتقليم الإرهاب، واستباق الأخطار.
ولذا تُنتج إلى جانب لغتها الأمنية الخاصة، حزمة مصطلحات لإدارة ما تعتبره مخاطر مستقبلية، ولتنظيم استخدامها للقوة تحت عتبة الإبادة والعدوان والحرب الشاملة، فقبل السابع من أكتوبر كانت تجز العشب في القطاع، والآن تستأصل العشب والقطاع وأهله.
وقبل الثورة السورية كانت تضرب لتوقف التحولات النوعية العسكرية، من إمداد وإسناد وتسليح، واليوم تضرب الجنوب السوري لمنع ظهور بنية عسكرية أو اجتماعية قد تغدو خصمًا لها، مستخدمة وصف “منع التموضع”، باعتبارها نمطًا من أنماط الوقاية الاستراتيجية طويلة المدى لأمنها.
وعلى الدول والشعوب العربية تطبق مصطلحات الردع التراكمي، فتوجه ضربات اقتصادية وسياسية واجتماعية صغيرة تبني خوفًا ورهبة تدريجية، وتتيح لها أريحية عسكرية بعيدًا عن حربٍ شاملة لإنتاج ردعٍ من الصفر.
وهناك “إدارة التصعيد” في القدس وخلال شهر رمضان، و”الرد تحت العتبة” إن كان الهجوم سيبرانيًا دقيقًا دون حربٍ شاملة، و”تفكيك البنية” إن استهدف تنظيمًا بحد ذاته، و”إعادة هندسة للبيئة الأمنية” إذا ترافق الفعل العسكري مع تجريفٍ وبوابات واعتقالات ونقاط فصل ومناطق عازلة وخطٍ أصفرٍ وأخضر.
وجميعها مصطلحات تتأهب، وقوات تُحشد، واحتياطي يُستدعى، وخطابٌ يهدد، وقانون دولي يهوي، بحثًا عن أمن مُتخيل، تحاول “إسرائيل” السعي لتحقيقه، في مكان ينبذها ويُهاجمها كُل ما فيه.