في تطور لافت على مسار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن المملكة المتحدة أجازت للولايات المتحدة استخدام بعض قواعدها العسكرية لتنفيذ ضربات وصفها بـ”الدفاعية”، تستهدف تدمير مواقع الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها.
وبرّر ستارمر القرار بالقول إن “إيران تنتهج استراتيجية الأرض المحروقة”، مؤكّدًا أن لندن تدعم “الدفاع الجماعي عن النفس” لحلفائها وشعوبها في المنطقة، لكنه شدّد، في الوقت نفسه، على أن بريطانيا “لم تشارك في الضربات الأولى على إيران، ولن تنضم إلى العملية الهجومية في الوقت الراهن”.
وجاءت تصريحات رئيس الوزراء البريطاني عقب بيان مشترك صادر عن فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أكد استعداد الدول الثلاث للدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها في الخليج عند الضرورة، عبر اتخاذ إجراءات “دفاعية” ضد إيران، قد تشمل استهداف مصادر إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.
ورغم غياب مؤشرات عملية حتى الآن على انخراط أوروبي مباشر في الحرب، فإن القراءة الأولية لهذه التصريحات تفتح المجال أمام احتمال انزلاق بعض الدول الأوروبية إلى دائرة المواجهة، وهي خطوة ستكون لها تداعيات ممتدة، وقد تُمهّد لتوسّع غير متوقع للصراع يتجاوز نطاقه الحالي.. فأي مقاربة أوروبية في هذا الشأن؟
• أعلن زعماء فرنسا وألمانيا وبريطانيا في بيان مشترك استعدادهم للدفاع عن مصالح دولهم ومصالح حلفائهم في الخليج العربي وتدمير قدرات إيران.
• وأكد البيان أن الدول الثلاث قد تلجأ إلى اتخاذ "إجراءات دفاعية" إذا تطلبت الظروف ذلك. pic.twitter.com/SEouihtAqj
— نون بوست (@NoonPost) March 1, 2026
تجاهل أمريكي لأوروبا
بدايةً، لا بد من التنبيه إلى أن واشنطن مضت في قرار ضرب إيران من دون اكتراث يُذكر بالموقف الأوروبي، في خطوة بدت كأنها تعمدت تجاوز الحلفاء لا التشاور معهم، وهو الانطباع الذي كرّسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال اجتماع مجلس الدفاع الذي ترأسه في قصر الإليزيه، السبت 1 مارس/آذار، حين قال إن “فرنسا لم تُبلَّغ ولم يتم إشراكها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى دول المنطقة كافة وحلفائنا”.
وتشير قراءات متداولة في الإعلام الأوروبي إلى أن الولايات المتحدة اتخذت قرار الحرب بعيدًا عن حلفائها في القارة، بما يلخص على نحو كاشف الحالة الراهنة للعلاقة عبر ضفتي الأطلسي التي تتلخص في شراكة مُعلنة في الخطاب السياسي الرسمي مقابل فجوة متسعة في صناعة القرار.
وفي هذا السياق، يعكس هذا التجاهل —بحسب منتقدين في أوروبا— نزعة استعلائية لدى دونالد ترامب تجاه الحليف الأوروبي، وهي نزعة لا تبدو طارئة على سلوكه السياسي، بل تتسق مع مواقفه وتصريحاته السابقة التي لطالما أبرزت حجم التباعد بين الطرفين.
وبينما تحافظ العواصم الأوروبية والأمريكية على لغة دبلوماسية تتحدث عن وحدة الصف والتنسيق المشترك، تبدو الوقائع على الأرض وكأنها تُعمّق توترًا مكتومًا، وتكشف أن “التحالف” لا يعني بالضرورة “الشراكة” في لحظة القرار.
انقسام في الموقف الأوروبي
بطبيعة الحال، انعكس تجاهل واشنطن لحليفها الأوروبي في قرار الحرب ضد إيران على مواقف العواصم الأوروبية التي بدت منقسمة ومتباينة الرؤى، وإن غلبت عليها في المحصلة قدرٌ من الازدواجية، ويظهر ذلك بوضوح في موقف دول “الترويكا” (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)، التي تُعد تقليديًا العمود الفقري للدبلوماسية الأوروبية في الملف الإيراني.
ففي بيانها المشترك، أدانت دول الترويكا إيران بصورة حاسمة، لكنها في الوقت ذاته غضّت الطرف عن الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي شكّلت الشرارة المباشرة للتصعيد والردود الانتقامية، رغم أن القرار لم يمر أصلًا عبر قنوات التشاور الأوروبية، والأهم أن خطاب الترويكا بدا أقرب إلى سردية واشنطن، متقاطعًا صراحةً أو ضمنًا مع نبرة ترامب التي تلوّح بتغيير النظام في طهران.
الموقف نفسه تبنّته بعض دول شرق أوروبا، مثل التشيك ولاتفيا والسويد، إذ شددت على ضرورة مواجهة ما وصفته بـ”التهديد الإيراني”، وذهبت إلى دعم الضربة الأمريكية بقوة، منسجمةً مع توجهات ترامب الداعية إلى إطاحة النظام الإيراني الذي تربطه علاقات وثيقة بموسكو.
في المقابل، اختارت إسبانيا مسارًا مغايرًا؛ إذ ندّدت بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ورفض رئيس الوزراء بيدرو سانشيز صراحةً “العمل العسكري الأحادي للولايات المتحدة وإسرائيل”، معتبرًا أنه “تصعيد مخالف للقانون الدولي”.
مسيرة إيرانية تستهدف منشأة تابعة لشركة أرامكو النفطية السعودية في رأس تنورة ورويترز تنقل عن مصادر إغلاق مصفاة تابعة لها كإجراء احترازي. pic.twitter.com/JKAvUiwvjU
— نون بوست (@NoonPost) March 2, 2026
أما رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، فبدا أنه يتعامل مع الأزمة من زاوية براغماتية ضيقة، لا تُعنى كثيرًا بشرعية الضربات أو الردود، بقدر ما تضع أولوية قصوى لمعضلة إمدادات النفط وتداعياتها الاقتصادية.
وعلى خط موازٍ، اتخذت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني موقفًا متحفظًا في البداية، قبل أن تكسر الصمت عبر إدانة الضربات الإيرانية على دول الخليج، وإعلان التضامن مع الشعب الإيراني الذي يتعرض للقمع، من دون موقف حاسم من الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وعلى مستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، جدّد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا “التزام الاتحاد الراسخ بالحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين”، مذكّرًا بأن الاتحاد سبق أن اعتمد عقوبات ردًا على أعمال “النظام الإيراني” والحرس الثوري.
وفي السياق نفسه، سعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى تثبيت حضورها عبر الدعوة لاجتماع أمني يوم الاثنين، بينما عبّرت الممثلة العليا للسياسة الخارجية كايا كالاس عن قلقها إزاء عمليات إجلاء الأوروبيين من مناطق الاشتباك.
وتكشف هذه الرؤى المتباينة عن انقسام أوروبي واضح حيال الحرب، بما يجعل الحديث عن موقف أوروبي موحّد أقرب إلى الاستبعاد، كما أنها تفتح الباب واسعًا أمام التساؤل حول المقاربة الأوروبية بشأن إدارة التصعيد الحالي، والمتأرجحة بين الاحتواء الدبلوماسي والاصطفاف التدريجي.
المقاربة الأوروبية.. التحفظ سيد الموقف
على الرغم من النبرة التصعيدية التي اتسمت بها تصريحات قادة لندن وباريس وبرلين في الآونة الأخيرة، فإن الموقف الأوروبي في جوهره لا يزال محكومًا بتحفّظ واضح إزاء أي انخراط مباشر في المواجهة، فالعواصم الأوروبية تدرك أن الانزلاق إلى ساحة حرب مفتوحة قد يفضي إلى اتساع غير محسوب للصراع، وتحوّله من مواجهة “محدودة” إلى نزاع إقليمي ممتد تتداخل فيه مسارات الطاقة والأمن والهجرة، بما يتجاوز قدرة أوروبا على التحمل.
ويأتي في مقدمة دوافع هذا التحفّظ هاجس أزمة طاقة محتملة؛ إذ إن أي حرب واسعة في الخليج أو حول طرق الإمداد قد تدفع أسعار النفط والغاز إلى قفزات حادة، وهو سيناريو يُعد كابوسًا استراتيجيًا للأوروبيين منذ اندلاع الحرب الأوكرانية قبل أربع سنوات، حين اكتشفت أوروبا هشاشة منظومتها الطاقوية وتكاليف الاعتماد على مسارات إمداد مضطربة.
إلى جانب ذلك، يفرض الرأي العام الأوروبي نفسه كعامل كابح لا يمكن تجاهله؛ فالمزاج الشعبي يميل بوضوح إلى تجنّب التورط في حروب خارجية جديدة، خصوصًا بعد الإرث الثقيل لتجربتي أفغانستان والعراق.
كما أن استمرار الحرب الأوكرانية حتى اليوم يستنزف الموارد والقدرات الأوروبية، ويُبقي مساحات المناورة السياسية والعسكرية ضيقة، في وقت يدفع فيه الأوروبيون كلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ولا ينفصل هذا كله عن هاجس الهجرة واللجوء؛ إذ تضع أوروبا في حساباتها أن انفلات الوضع قد يطلق موجات نزوح جديدة ويغذي شبكات الهجرة غير الشرعية، بما يعيد إلى الواجهة أزمات داخلية سبق أن هزّت تماسك الاتحاد الأوروبي.
وفوق ذلك، ثمة قلق متنامٍ من أن اتساع دائرة المواجهة قد يؤدي إلى تشظّي العمليات المسلحة وتعدد ساحاتها، بما يرفع احتمالات استهداف المصالح الأوروبية أو تهديد خطوط الملاحة والبنى الحيوية في الإقليم.
كلفة باهظة
بلغة الحسابات المنطقية، لا يبدو الاتحاد الأوروبي—المنهك أصلًا بتداعيات الحرب الأوكرانية على مدى السنوات الأربع الماضية اقتصاديًا وعسكريًا ميالا إلى فتح جبهة جديدة في الشرق الأوسط، وهي ساحة تتقاطع فيها مصالحه اللوجستية والتجارية والأمنية على نحو شديد الحساسية، فالأولويات الأوروبية ما تزال مشدودة إلى استحقاقات الداخل، وإلى ارتدادات حرب لم تضع أوزارها بعد على الجبهة الشرقية للقارة.
ومن هذا المنطلق، تدرك العواصم الأوروبية أن الانزلاق إلى حرب شاملة عبر اصطفاف مباشر إلى جانب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد يفرض كلفة استراتيجية لا تبدو أوروبا قادرة على تحملها في هذه اللحظة الحرجة، فالقارة لم تتعافَ بعد من صدمات أوكرانيا، تضخم مرتفع، ضغوط طاقة، استنزاف مخزونات وتسليح، ومجتمعات مرهقة من الأزمات المتلاحقة.
وزير الدفاع البريطاني:
– تم إطلاق صاروخين باتجاه قبرص حيث يتمركز آلاف من أفراد القوات البريطانية
– سقوط صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية على بعد مئات الأمتار من جنودنا في قاعدة بالبحرين pic.twitter.com/tGTAVbTIba
— نون بوست (@NoonPost) March 1, 2026
ولهذا تتعامل أوروبا حتى الآن مع الحرب الدائرة ضمن “إطارها الضيق”، ضربة أمريكية إسرائيلية تقابلها ضربة إيرانية، داخل ساحة اشتباك محدودة، وإن بدت أوسع من مواجهة “الاثني عشر يومًا” الماضية، لكنها تظل، في الحساب الأوروبي، محصورة جغرافيًا وقابلة للاحتواء نسبيًا، مقارنةً بما قد تؤول إليه الأمور إذا قررت أوروبا الانخراط العسكري المباشر، بما يعنيه ذلك من توسيع نطاق الصراع وتعقيد مساراته.
وفي هذا السياق، سعت طهران إلى توجيه رسالة إنذار مبكر إلى أوروبا تحذّرها من مغبة التورط، فبعد دقائق من البيان الثلاثي (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا)، وبعد حديث كير ستارمر عن وضع قواعد بلاده في خدمة الولايات المتحدة، جاء ردّ إيراني سريع استهدف قاعدتين بريطانيتين في قبرص بصاروخين، هذا بخلاف استهداف مناطق قريبة من مقر تمركز القوات البريطانية في البحرين.
صحيح أن الضربة بحسب ما تردد لم تُحدث إصابة مباشرة وحاسمة، لكنها حملت دلالة سياسية وأمنية واضحة، مفادها أن أي انتقال أوروبي من مستوى الخطاب إلى مستوى الفعل سيقابله ثمن باهظ، وأن القواعد والبنى المرتبطة بالعمليات قد تتحول إلى أهداف في معادلة ردع متبادلة.
بين الانخراط المحسوب والانزلاق
وفق هذا التصور، يبدو من الصعب أن تنخرط أوروبا في الحرب بصورة مباشرة عبر الانضمام إلى عمليات قتالية واسعة أو إرسال قوات إلى المنطقة دعمًا للوجود الأمريكي، حتى بالنسبة للدول المصنفة تقليديًا ضمن دائرة الحلفاء الأقرب لواشنطن.
أما ما يُثار بشأن احتمالات دخول حلف شمال الأطلسي (الناتو) على خط المواجهة، فتغلب عليه تقديرات تستبعد هذا المسار؛ إذ يشير كثيرون إلى أن الشرق الأوسط ليس ضمن نطاق العمليات التقليدي للحلف، ما يجعل تورطه في حرب خارج مجاله الجغرافي والوظيفي أمرًا بالغ التعقيد سياسيًا وقانونيًا داخل الدول الأعضاء.
ويبقى السؤال العملي: ماذا يمكن أن تقدمه أوروبا لحليفها الأمريكي من دون الانزلاق إلى الحرب؟ في هذا السياق، قد يرى الأوروبيون أن إتاحة استخدام القواعد العسكرية من قبل الولايات المتحدة تمثل “حلًا وسطًا” يمكّنهم من مساندة واشنطن من جهة، وتفادي الانخراط الرسمي المباشر في المواجهة من جهة أخرى، مع العمل توازيًا على تهدئة الأمور عبر احتمالات القيام بدور الوسيط لتقريب وجهات النظر وتخفيض مستوى التوتر.
ويُقصد بالسماح باستخدام القواعد الأوروبية في المنطقة حزمة من التسهيلات التشغيلية، تشمل إقلاع الطائرات الأمريكية من تلك القواعد، وإجراء عمليات التزوّد بالوقود والدعم اللوجستي، فضلًا عن تبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي، إضافة إلى استخدامها كمقار مؤقتة لتمركز معدات أو قوات إضافية عند الحاجة.
ومع ذلك، لا تخلو هذه الصيغة من كلفة ومخاطر؛ إذ قد تُفسَّر لدى طهران باعتبارها مشاركة غير مباشرة، بما يرفع احتمالات استهداف المصالح الأوروبية وبخاصة البريطانية أو تعريض القواعد والبنى المرتبطة بالعمليات للتهديد.
كما أن هذا الخيار قد يفتح بابًا لجدل داخلي واسع داخل المجتمعات الأوروبية، ويغذي انقسامات سياسية بين من يراه دعمًا ضروريًا للحليف الأمريكي، ومن يعتبره تورطًا تدريجيًا قد يجرّ القارة إلى حرب لا تريدها، ورغم هذه التداعيات، قد تُعد تلك “الكلفة الأقل” مقارنةً بثمن الانخراط العسكري المباشر في حرب مفتوحة.
في المحصلة، تحاول أوروبا تثبيت رسالة مفادها أنها ليست طرفًا في الحرب ضد إيران، وأن مقاربتها تنطلق من تغليب الحل السياسي والعمل على تهدئة التوتر، وعليه، يبقى الاحتمال الأكبر هو تقديم دعم سياسي ودبلوماسي وربما لوجستي محدود للولايات المتحدة دون مشاركة قتالية مباشرة.
غير أن هذا السيناريو ليس مطلقًا؛ إذ قد تتبدل الحسابات إذا ما شعرت أوروبا بأن مصالحها الحيوية باتت مهددة بصورة مباشرة، بما قد يدفعها، قسرًا، إلى توسيع انخراطها العسكري، وهو ما يعكس طبيعة هذه الحرب تحديدًا، صراع مفتوح على احتمالات متعددة، لا يُنظر إليه في طهران باعتباره مجرد معركة نفوذ، بل كاختبار وجودي يرفع سقف المخاطرة ويجعل مسارات التصعيد أكثر قابلية للانفلات.
