بعد عامين من بدء العدوان الإسرائيلي على غزة وما تخلله من انقسام داخلي واحتجاجات لإتمام صفقة لتبادل الأسرى، بدأت نهاية فبراير/شباط 2026 حرب جديدة مع إيران تحول فيها موقف المعارضة الإسرائيلية 180 درجة.
وكان لافتا أن الخصوم السياسيين الذين تشاجروا حول كيفية إدارة العدوان على غزة، اصطفوا سريعًا خلف حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو في مواجهة إيران، فماذا وراء هذا الاصطفاف والإجماع المصطنع؟
إجماع عبر تسويق “التهديد الوجودي”
منذ سنوات، يكرس النظام السياسي الإسرائيلي إيران كعدو وجودي يوحد مجتمعه ويوفر غطاءً لعدوانه العسكري، ويشمل هذا المعارضة.
فمع بدء الهجوم، أعلن زعيم المعارضة يائير لابيد من الكنيست أن الخلافات السياسية “ستدخل في تجميد عميق” حتى ينتهي النزاع، مؤكّدًا أنه سيعمل في المحافل الدولية لشرح ما أسماه “ضرورة ضرب إيران” وأنه “رغم خصومتي مع نتنياهو، يجب مهاجمة طهران بكل قوة”.
وفي بيان آخر كتب أن “لا وجود لائتلاف (حكومي) أو معارضة” فيما يخص ضرب إيران وأن الجميع يقف خلف الجيش، وفق تعبيره.
وانضمّ رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، وهو منافس بارز لنتنياهو في الانتخابات المقبلة (خريف 2026)، إلى هذا الاصطفاف معلنًا “دعمي الكامل للجيش والحكومة ورئيس الوزراء” ومؤكدًا أن “الأمة كلها تقف خلفكم حتى تدمير التهديد الإيراني”، وفق وصفه.
القياديان في كتلة “المعسكر الوطني” بيني غانتس وغادي آيزنكوت، اللذان كانا عضوين في الحكومة بعد 7 أكتوبر ثم استقالا، تحدثا أيضا عن ما أسمياه “الوحدة” قائلين إن “الجميع يقفون معًا” في ما سمياها “الحرب العادلة”، في خطاب يمنح حكومة الاحتلال مظلّة داخلية.
حتى رئيس حزب “الديمقراطيون” اليساري يائير غولان منح دعمه الكامل لجيش الاحتلال لكنه طالب بتحديد أهداف واضحة للعملية حتى لا تتحول إلى جولة تصعيد أخرى.

واقتصرت المعارضة هذه المرة على الأحزاب العربية في الكنيست التي أدانت الهجوم واعتبرته تعزيزا لـ”الإمبريالية الأمريكية” مطالبة بتوفير ملاجئ لفلسطينيي النقب الذين يفتقرون للحماية.
ولاحظ تقرير لمركز أبحاث ستيمسون الأمريكي أن “تأطير التهديد الإيراني كخطر وجودي” يحد من النقاش العام ويمنع التفكير في بدائل أخرى كالدبلوماسية، ليصبح الرد العسكري “بديهيًا”.
كما أشار إلى أن هذا الإجماع يوفر مزايا سياسية وأمنية للحكومة والمعارضة، ويجعل ملف إيران “مبدأ موحدًا في عقيدة الأمن القومي” يبرر الإنفاق العسكري ويمنح أي زعيم شرعية واسعة.
ما الذي يربحه نتنياهو؟
1- إعادة الشرعية والقيادة: تعطي الحرب نتنياهو فرصة لارتداء ثوب “الزعيم الوحيد القادر على حماية إسرائيل”، وهو أمر لطالما روج له.
ويؤكد خبراء مجلس العلاقات الخارجية (CFR) أن العملية المشتركة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ستقوي موقف نتنياهو سياسيًا، لأنها تعرض علاقته الخاصة بساكن البيت الأبيض وتعزز إحساس الناخبين بأنه الأقدر على “التعامل مع الأعداء” في عام انتخابي.
2- تقويض القضاء: في ذروة التكهنات حول حرب إيران ومفاوضات التجنيد العسكري للحريديم، ظل نتنياهو يدفع قدمًا بمشاريع لتقويض القضاء وتمديد عمر ائتلافه عبر تمرير مشروع قانون يحظر على المحكمة العليا التدخل في تعيين الوزراء.
ويهدف القانون أساسًا إلى حماية الوزير المتطرف إيتمار بن غفير وذلك بعد أن أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية، مطلع فبراير/شباط، أمرًا يُلزم نتنياهو بتوضيح أسباب عدم إقالته الأول المتهم بتقويض استقلالية الشرطة وتحويلها من جهاز لإنفاذ القانون إلى قوة سياسية”.
ولا يزال النقاش حول إعفاء طلاب المدارس الدينية (الحريديم) من التجنيد يهدد الائتلاف؛ فالأحزاب الدينية تطالب بضمانات لعدم تجنيدهم من أجل البقاء في الحكومة، بينما يرفض نتنياهو ذلك.
3- تسويق انتخابي: كشفت صحيفة “هآرتس” العبرية أن نتنياهو سارع إلى تجيير الحرب لأغراض دعائية، إذ أطلق شعارًا انتخابيًا على شكل أسد يزأر يلفه العلم، في تصميم يحاكي شعار حزب “الليكود”، ليخدم حملته. لكن هذا الربح معرض للتآكل، فإذا طال أمد الحرب وكثرت الخسائر، سيحمّل الجمهور نتنياهو المسؤولية.
ويشير تحليل لموقع “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكي إلى أن نتنياهو يواجه ضغوطًا داخلية، بينها دعوات لتشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول، وانتقادات لفساد محيطه، ما يعني أن نجاح العملية بات رهنًا بالنتائج الميدانية.
كما أن استمرار العدوان العسكري قد يفاقم الابتزاز داخل الائتلاف اليميني المتطرف بشأن ملفات مثل التجنيد، ويهدد تماسك الحكومة.
ما الذي يربحه خصومه؟
1- رصيد أمني بدون تحمل المسؤولية: دعم الحرب يمنح الخصوم شهادة “وطنية” ويحصنهم من تهمة “الضعف”، ما يفسر إعلان لابيد أنه لن تكون هناك “معارضة” بشأن الأمر.
2- أهداف انتخابية: يعد رفض الحرب على إيران مكلفًا انتخابيًا داخل “إسرائيل” لأن الخطاب العام يربط أي شعور بالتراخي أمام ما يجري التسويق له على أنه “تهديد وجودي”.
فقد تحدث لابيد عن ضرورة “محو الشر”، بينما ادعى نتنياهو أن إيران تطور صواريخ قد تضرب الساحل الأمريكي، وهي تصريحات توحي أن من يرفض الحرب كمن ينكر خطرًا مصيريًا.
3- انتزاع موقع في إدارة القرار: تدرك المعارضة أن الحرب قد تطول وتُضعف نتنياهو، وبالتالي يمكن دعمها الآن وانتظار تعرضه للاستنزاف السياسي إذا طال الأمر ثم محاسبته لاحقًا.
ويذكر موقع “كريستيان ساينس مونيتور” أن الحديث عن الحرب يخدم نتنياهو في الانتخابات لكنه يصرف الانتباه عن قضايا فساد وإخفاقات أمنية. فإذا ساءت النتائج، سيعود اللوم عليه وحده، بينما تقول المعارضة إنها أيدت الجيش لا الحكومة.

ويلاحظ تقرير “ستيمسون” أن التركيز على إيران أصبح جزءًا من ثقافة دولة الاحتلال، لذا فإن أي زعيم يسعى لاستلام السلطة مجبر على إثبات صلابته على اعتبار أن دعم الحرب يمنحهم فرصة للتأهل في نظر المؤسسة الأمنية.
4- التفرغ لملفات الفساد والاقتصاد لاحقًا: بإظهار التزامهم بـ”الأمن”، يمكن للمعارضة العودة لاحقًا لمحاسبة نتنياهو على تهم الفساد وسوء إدارة الاقتصاد، خاصة إذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية بسبب الحرب.
متى ينكسر الإجماع؟
رغم قوة الاصطفاف الحالي، ثمة مؤشرات قد تُحدث شرخًا:
1- إطالة أمد الحرب وتفاقم الخسائر البشرية والاقتصادية: إذا استمرت الضربات المتبادلة لأشهر، وارتفعت أعداد القتلى والمختبئين في الملاجئ، سيبدأ الرأي العام بالتساؤل عن أهداف الحرب وعوائدها.
ويحذر تقرير “كريستيان ساينس مونيتور” من أن الحرب قد تكلف الطرفين خسائر “كبيرة”، وقد تجد “إسرائيل” نفسها غير قادرة على حماية مستوطنيها أو إعادة ملء مخزوناتها العسكرية.
2- خلاف على الأهداف النهائية: إذا تحولت العملية من ضربات محددة إلى حرب مفتوحة لتغيير النظام في إيران، أو إذا طالبت واشنطن بـ”وقف” الضربات من دون إسقاط النظام، فسيظهر خلاف بين من يريد الاكتفاء بردع إيران ومن يضغط لمواصلة الحرب حتى النهاية.
ويشير مركز ستيمسون إلى أن الخطر يكمن في جعل التخلص من النظام الإيراني “مبدأ وجودي” لأنه يعني استنزاف الموارد وإعادة طرح أسئلة جديدة حول الجدوى.
3- عودة الملفات الداخلية والانتخابات: تسود ترجيحات أنه كلما اقترب موعد الانتخابات، تعود قضايا القضاء والاقتصاد والفساد لتقليل حظوظ معسكر نتنياهو.
وإذا استمر نتنياهو في استغلال الحرب لحماية ائتلافه وتمرير قوانين لحمايته من المحاكمة كما يفعل حاليًا، فقد تستخدم المعارضة تأييدها السابق كغطاء جديد ضده، لتقول إنها دعمت الجيش ولكنها ترفض “حكم الفساد”.