ترجمة وتحرير: نون بوست
قال الرئيس دونالد ترامب لأحد الصحفيين صباح السبت، بعد وقت قصير من إطلاق عملية عسكرية مشتركة مع إسرائيل ضد إيران: “كل ما أريده هو الحرية للشعب”. كان ترامب يتحدث عن الشعب الإيراني الذي عاش حوالي نصف قرن في ظل حكم ثيوقراطي قمعي كان قد نفّذ قبل أسابيع قليلة حملة قمع وحشية ضد المتظاهرين أسفرت على الأرجح عن مقتل عشرات الآلاف. ومثلما فعل رئيس أمريكي آخر لطالما انتقد ترامب مغامراته الفاشلة في الشرق الأوسط، أصبح الرئيس الحالي يقدم نفسه كـمحرِّر.
لم يتحقق التحرير، لكن الإيرانيين استيقظوا صباح الأحد على واقع جديد مرير، بعدما أكدت السلطات الإيرانية أن الجولة الواسعة من الضربات أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين. كان خامنئي – رجل الدين المستبدّ الذي تحرّكه عقيدة جامدة وغريزة بقاء لا ترحم – قد تولّى السلطة منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وتشكّل إرثه عبر سنوات من العزلة الجيوسياسية، والحروب الخفية التي خاضها في الخارج، والانتفاضات التي قمعها في الداخل.
رحّب ترامب بالخبر في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً: “خامنئي، أحد أكثر الأشخاص شرًّا في التاريخ، قد مات”. وفي إيران، أعلن مذيع في التلفزيون الرسمي: “قائد الأمة الإيرانية العظيمة، وطليعة الأمة الإسلامية، سماحة الإمام خامنئي، قد تجرع رحيق الشهادة، وفي شهر رمضان ارتقى إلى أعلى مراتب الجنان”. سيتولى ثلاثة من المسؤولين الناجين – الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، وفقيه من مجلس صيانة الدستور، وهو الهيئة الدستورية الرقابية في إيران – قيادة مرحلة الانتقال.
بالنسبة لترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تمثل الإطاحة بشخصية رمزية مثل خامنئي لحظة انتصار. يعزز ذلك صورة نتنياهو داخليا كقائد في زمن الحرب، وتمنح ترامب فرصة لتجاوز تاريخه الطويل في معارضة حروب تغيير الأنظمة المكلفة في الشرق الأوسط. كما تُشتت هذه الضربة الأنظار عن الجدل المتصاعد بشأن عدم قانونية تدخله، والذي أدى إلى انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي يوم السبت، وأثار موجة اعتراضات من الديمقراطيين في الكونغرس بشأن إساءة الرئيس استخدام صلاحيات شن الحرب.
بعد أسابيع من التخطيط، قررت الولايات المتحدة وإسرائيل ضرب نظام إيراني كان قد أُنهك جراء جولات الصراع الأخيرة، وتعرض لاختراقات من أجهزة استخبارات أجنبية، وأصبح عرضة أكثر من أي وقت مضى لتلقي الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية. بعد الإطاحة بنيكولاس مادورو في فنزويلا، بدا ترامب مقتنعًا بقدرته الفريدة على فرض شروطه على الساحة العالمية.
استغلّ المقربون من ترامب في واشنطن غروره وتصريحاته السابقة الداعمة للمعارضة الإيرانية. كتب السيناتور ليندسي غراهام، المعروف بتشدده تجاه إيران، في مقال رأي على موقع قناة “فوكس نيوز” الأسبوع الماضي: “أعتقد جازماً أن التاريخ يراقب كل خطوة نخطوها. إذا مضينا قدماً في إرسال المساعدة للمتظاهرين الذين يخاطرون بحياتهم، سنشهد لحظة تاريخية شبيهة بسقوط جدار برلين في القرن الحادي والعشرين”.
بالنسبة لكثير من الإيرانيين، يُعدّ رحيل خامنئي أمرا جيدا، فهو يرمز لنهاية فصلٍ طويلٍ من تاريخ ثورة بلادهم المُتهالكة، والخطوة الأولى نحو مستقبل سياسي جديد. لكن مقتل خامنئي لا يعني موت الجمهورية الإسلامية. كان خامنئي، الرجل الثمانيني المنهك، يتحدث كثيرًا عن استعداده للشهادة، فيما زعم مسؤولون في النظام أن إسرائيل حاولت استهدافه الصيف الماضي، عندما تبادلت إسرائيل وإيران الضربات في ما أصبح يُعرف بـ”حرب الاثني عشر يومًا”.
يقول ولي نصر، أستاذ العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز: “كان هذا متوقعًا، وكان الإيرانيون يعلمون أنه قادم. على الولايات المتحدة أن تذهب إلى أبعد بكثير من مجرد قتل خامنئي لشلّ الجمهورية الإسلامية”.
أدى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران يوم السبت إلى موجة عنف في الشرق الأوسط. أطلقت إيران صواريخ ومسيرات انتقامية ضد أهداف في إسرائيل، كما ضربت مدنًا خليجية كبرى، مستهدفة بنى تحتية مدنية مثل المطارات والفنادق الفاخرة في دبي، إضافة إلى منشآت عسكرية أمريكية في البحرين وقطر والكويت. (أسفرت هذه الضربات الانتقامية عن مقتل أربعة أشخاص على الأقل: ثلاثة أجانب في الإمارات، وشخص واحد في الكويت).
قُتل ما لا يقل عن 200 إيراني، بينهم العديد من الأطفال، إثر استهداف مدرسة جنوبي إيران. كما قُتل تسعة أشخاص في إسرائيل بعد سقوط صاروخ إيراني على مدينة بيت شيمش. وفي صباح الأحد، أكدت القيادة المركزية الأمريكية مقتل ثلاثة جنود أمريكيين وإصابة خمسة آخرين، في إطار العمليات المستمرة على إيران، فيما واصلت إسرائيل شنّ المزيد من الغارات الجوية على طهران. وحذّر ترامب من أن “القصف المكثّف والدقيق” قد يستمر طوال الأسبوع إذا لزم الأمر، لكنه قال لمجلة “ذا أتلانتيك” إنه منفتح على التفاوض مع القيادة الإيرانية الجديدة.
كتب إميل هوكاييم، من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن: “لا ينبغي أن يُخدع المرء بالتفوق العسكري الذي أظهرته أمريكا وإسرائيل في الساعات الأولى من هذا الصراع. ما يهم هو كيف تنتهي الحرب، ومن غير المرجح أن تتمكن أمريكا في عهد ترامب من إدارة الفوضى الإقليمية طويلة الأمد التي تخلقها”.
لا يوجد أي مؤشر على أن إدارة ترامب قد فكّرت مليا في مآلات في الحرب. يرى المحللون أن إسرائيل يمكنها التعايش مع دولة إيرانية ممزقة وضعيفة، يمكنها تدمير أصولها العسكرية متى شاءت، كما فعلت مع سوريا خلال الفترة الماضية. لكن الولايات المتحدة، وحلفاءها الخليجيون على وجه الخصوص، لا يريدون انهيارًا كاملًا لدولة تضم أكثر من تسعين مليون نسمة.
تقول سانام فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس: “ما تخشاه دول المنطقة وأوروبا، وإن لم تصرّح بذلك، هو موجة نزوح واسعة من إيران بعد سقوط الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى صراعات داخلية قد تمتد إلى دول مجاورة مثل تركيا وباكستان وأفغانستان”.
هناك سوابق قليلة يمكن الاستفادة منها لرسم الطريق للمستقبل. قد يأمل ترامب في نتيجة مشابهة لما حدث في فنزويلا بعد اختطاف مادورو من فنزويلا، حيث أعاد النظام المعادي في كاراكاس ترتيب نفسه تحت قيادة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز، ليصبح أشبه بالدولة التابعة لواشنطن. لكن سانام فاكيل تؤكد أنه “لا توجد شخصيات مثل ديلسي في إيران”.
تُذكّر الحملة الجوية على إيران بالتدخل الذي قاده حلف شمال الأطلسي في ليبيا عام 2011، والذي أدى إلى الإطاحة بالدكتاتور معمر القذافي وقتله. ولكن على عكس ليبيا، لا يوجد تمرد كبير داخل إيران، ولا معارضة متماسكة. وفي غياب انشقاقات جماعية من قوات الأمن، تبدو فرص نجاح أي عملية مسلحة ضد النظام بمفردها ضئيلة للغاية. ثم هناك إرث الكارثة التي أعقبت عملية الناتو في ليبيا، حيث مهدت الإطاحة بالقذافي الطريق لأكثر من عقد من الفشل السياسي والحرب الأهلية.
خارج إيران، توحدت بعض جماعات الشتات والمعارضة خلف رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أُطيح به في ثورة 1979. ويقدّم بهلوي نفسه كشخصية قادرة على توحيد الإيرانيين وقيادة الانتقال السياسي في البلاد، لكنه شخصية مثيرة للانقسام خارج إيران، وتأثيره محدود داخلها.
وكما أشار المؤرخ إرفاند أبراهاميان، الأستاذ الفخري بجامعة مدينة نيويورك، في حديث دار بيننا مؤخرًا، فإن التاريخ لا يقدم أمثلة كثيرة ناجحة على عودة الملكية بعد فترة طويلة من الثورة. وأشار إلى أن أحدث مثال على ذلك قد يعود إلى تنصيب آل بوربون في باريس بعد هزيمة نابليون عام 1815، لكن ذلك تطلب نشر مئات الآلاف من القوات البروسية والروسية وقوات الحلفاء الأخرى لدعم عودة الملكية. لا يرغب ترامب ولا نتنياهو ولا أي زعيم في الشرق الأوسط بالمشاركة في مثل هذا الاحتلال.
في الوقت الراهن، ومع تضييق الخناق على النظام الإيراني، يظل خطر اندلاع صراع إقليمي واسع النطاق قائمًا. في مقابلة مع مجلة “فورين أفيرز”، قال الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي كريم سجادبور: “هناك خطر نشوب حرب إقليمية تحاول فيها إيران تدمير الإنجازات التي تحققت في الخليج واستهداف منشآت النفط لرفع أسعاره”. وأضاف: “إسرائيل أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها بفضل قوتها العسكرية وبعدها عن إيران، ودول الخليج أكثر عرضة للخطر”.
ويرى كوتس كريستيان أولريخسن، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمعهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس، أن مشاهد الدمار في مدن مزدحمة بالمغتربين مثل الدوحة ودبي هو أسوأ كوابيس قادة الخليج الذين يريدون أن نظهر دولهم للعالم كواحات للاستقرار والازدهار.
كما يُعقّد هذا الوضع معاملات إدارة ترامب مع العائلات المالكة الثرية في الخليج، والتي تشمل استثمارات ضخمة في شركات التكنولوجيا الأمريكية وبعض مشاريع عائلة ترامب.
تُذكّر الحملة الجوية فوق إيران بالتدخل الذي قاده حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا عام 2011، والذي أدى إلى الإطاحة بالدكتاتور معمر القذافي وقتله. ولكن، على عكس ليبيا، لا يوجد تمرد كبير داخل إيران، ولا حتى معارضة متماسكة، وفي غياب انشقاقات جماعية من قوات الأمن، يكاد ينعدم احتمال أن يحقق أي تحدٍ مسلح للنظام مكاسب كبيرة بمفرده. ثم هناك إرث الكارثة التي أعقبت ذلك في ليبيا، حيث مهدت الإطاحة بالقذافي الطريق لأكثر من عقد من الحكم الفاشل والصراع الأهلي الممتد.
خارج إيران، تجمعت بعض جماعات الشتات والمعارضة حول رضا بهلوي، نجل الشاه الذي أُطيح به في ثورة 1979. وقد صوّر بهلوي نفسه كرمز للوحدة قادر على قيادة التحول السياسي في إيران. لكنه بالفعل شخصية مثيرة للانقسام خارج البلاد، وتأثيره محدود للغاية داخلها. كما أشار إرفاند أبراهاميان، مؤرخ إيران والأستاذ الفخري بجامعة مدينة نيويورك، في حديث دار بيننا مؤخرًا، فإن التاريخ لا يقدم إلا أمثلة قليلة سعيدة على عودة الملكية بعد فترة طويلة من الثورة. وأشار إلى أن أحدث مثال على ذلك قد يعود إلى تنصيب آل بوربون في باريس بعد هزيمة نابليون عام ١٨١٥، لكن ذلك استلزم نشر مئات الآلاف من القوات البروسية والروسية وقوات الحلفاء الأخرى لدعم عودة الملكية. ولا يرغب ترامب ولا نتنياهو ولا أي زعيم شرق أوسطي في المشاركة في مثل هذا الاحتلال.
في الوقت الراهن، ومع انحصار النظام الإيراني في زاوية ضيقة، فإن احتمال اندلاع حرب مزعزعة للاستقرار قائم. وفي مقابلة مع مجلة “فورين أفيرز”، قال كريم سجادبور، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: “هناك خطر نشوب حرب إقليمية تحاول فيها إيران تدمير الإنجازات التي تحققت في الخليج، واستهداف منشآت النفط لرفع أسعار النفط”. إسرائيل أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها بفضل قوتها العسكرية وبعدها عن إيران، لكن دول الخليج أكثر عرضة للخطر.
وقال أولريخسن إن الصراع المطوّل “يؤثر على مصداقية الولايات المتحدة كوسيط ومفاوض”، وأضاف: “لقد رأينا بعد غزو العراق عام 2003 كيف تستغرق استعادة المصداقية وقتًا طويلاً عند وقوع حدث بهذا الحجم”.
حتى نهاية الأسبوع الماضي، بدا أن هناك مخرجًا. قام وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بمحاولة أخيرة في واشنطن، حيث التقى بنائب الرئيس جي دي فانس، وظهر يوم الجمعة في برنامج “فيس ذي نيشن” على شبكة “سي بي إس”، وقال إن اتفاقًا جوهريًا بين إيران والولايات المتحدة كان “في متناول اليد”. وأشار البوسعيدي إلى إمكانية تبديد المخاوف الإسرائيلية والأمريكية بشأن سلاح نووي إيراني محتمل، وتأمين مخزونات إيران من اليورانيوم المخصب، وتوصل الأطراف المتنازعة إلى تسوية “سليمة ودائمة”.
لكن يبدو الآن أن المحادثات غير المباشرة التي جرت بين مبعوثي ترامب ونظرائهم الإيرانيين كانت مجرد ستار لما يجري فعليا: خطة أمريكية إسرائيلية منسقة لضرب إيران، لا تختلف كثيرًا عن الضربات التي وقعت في يونيو/ حزيران الماضي أثناء المفاوضات مع طهران. وفي خضم ضباب الحرب، أدرك البوسعيدي أن المسار الدبلوماسي الذي كان يحاول شقه كوسيط قد وصل إلى نهايته.
كتب البوسعيدي على منصة “إكس” صباح السبت: “أشعر بخيبة أمل عميقة. لقد تعرضت مفاوضات نشطة وجادة للتقويض مرةً أخرى”، وأضاف أن ما حدث “لا يخدم مصالح الولايات المتحدة ولا قضية السلام العالمي. أدعو بالرحمة للأبرياء الذين سيعانون من جراء ذلك، وأحثّ الولايات المتحدة على عدم الانجرار أكثر في هذا الصراع.. هذه ليست حربكم”.
أما بالنسبة لترامب، فقد أصبحت الحرب حربه بعد أن اتخذ هذا المسار.
المصدر: نيويوركر