منذ بضعة أشهر استدعت الجهات الأمنيّة الأردنيّة منال خالد (اسم مستعار) على خلفيّة نشرها منشورات عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعيّ “فيسبوك” تدعم خلالها حركة المقاومة الإسلاميّة حماس.
تقول منال لـ”نون بوست” إنَّ هاتفها قد أخذ منها حينذاك ولم تستعده إلا بعد أسابيع، غير أنها تخشى استخدامه من وقتها؛ لأنها تخاف أن يتم التجسس عليها أو اختراق بياناتها، كما كانت خائفةً من تلفيق تهمة لها على خلفيّة إرسالها النقود لمساعدة إحدى معارفها في غزة بعد قراءة الجهاز الأمنيّ للرسائل بينهما.
تجسس الأجهزة الأمنيّة
View this post on Instagram
ويشير التقرير إلى تقلّص مساحات الفضاء المدني في الأردن بشكل جذري، بعدما تبنت السلطات الأردنية تدابير قمعية قانونية وغير قانونية بشكل مطرد ضد حرية التعبير. واعتبارًا من عام 2024، صنّفت منظمة “فريدوم هاوس” الحرية الرقمية في الأردن ضمن فئة الحرية الجزئية، بينما صنّفت حالة الحريات في الأردن بشكل عام ضمن الفئة غير الحرة.
ومن قبلها قضت محكمة أمن الدولة بالسجن 10 سنوات بحق ثلاثة شبان متهمين بدعم المقاومة، خططوا للتسلل إلى الضفة الغربية، ومهاجمة أهداف إسرائيلية.
يعرّف قانون “منع الإرهاب” الأردنيّ العمل الإرهابيّ بأنه “كل عمل مقصود أو التهديد به أو الامتناع عنه أيا كانت بواعثه وأغراضه أو وسائله يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي من شأنه تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر أو إحداث فتنة إذا كان من شأن ذلك الإخلال بالنظام العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم أو تعريض حياتهم للخطر…….”.
في ذلك الحين عبّر الكثيرون عن امتعاضهم من إقرار مشروع القانون الذي تضمن هذا التعريف، ومن ضمنهم رئيس لجنة الحريات بالنقابات المهنية -آنذاك – المحامي فتحي أبو نصار الذي قال في تصريحات صحفيّة إنَّ أخطر ما تضمنه القانون أنه لا يفرق بين المقاومة المشروعة والإرهاب الذي يجرم التضامن مع المقاومة ضد الاحتلال، وهو ما يحاسب عليه الناشطون داعمي غزة الآن.
ما بين التجسس والمحاكمات
يربط وكيل الدفاع عن المعتقلين الأردنيين على خلفية قضايا متعلقة بدعم المقاومة، المحامي عبد القادر الخطيب، بين التجسس والمحاكمات، إذ يقول إن الأجهزة الأمنية يحق لها تحويل من يجدون في هواتفهم أي شيء مثيرًا للريبة أو لا يعجبهم إلى المحاكمات أو إلى الجرائم الإلكترونية.
ويقول لـ”نون بوست” إن حماس غير مصنفة في القانون الأردني كجهة إرهابية، لكن دعمها قد يُعدّ إخلالًا بأمن البلد، على الرغم من أن القوانين الدولية تشرّع المقاومة، ومع ذلك فهي موضوعة في خانة الإرهاب ضمن قانون منع الإرهاب.
أما قانونيّ آخر طلب عدم الكشف عن اسمه حمايةً له، فقد أكد أن الأمريكان والإسرائيليين هم الذين يقفون وراء تشغيل برامج التجسس التي تملكها الأجهزة الأمنية، وبالتالي يستطيعون الوصول إلى هواتف النشطاء ومعلوماتهم الشخصية.
ويضيف لـ”نون بوست” أن استهداف الهواتف يكون للنشطاء في الشارع لمنع نشاطهم ودعمهم للقضية وتخويفهم وتحليل تحركاتهم، فيما يتم استخدام برامج التجسس على داعمي المقاومة والعاملين في الملفات المتعلقة بمناهضة صانعي القرار بسياساتهم تجاه العدو، مثل الجسر البري واتفاقية السلام، والسياسات الأمريكية وتدخلها في البلاد، وهم الأكثر استهدافًا من هذه البرامج.
وبالتالي قد يعرّضونهم للمساءلة والملاحقة الأمنية، وفي أوقات أخرى للمحاكمات أو تحويلهم إلى الجرائم الإلكترونية، أو الوصول من خلال هواتفهم إلى أشخاص آخرين ترغب الأجهزة الأمنية بالقبض عليهم أو البحث عن دلائل للوصول إليهم.
وينتقد القانوني حصول السلطات الأردنية على برامج إسرائيلية لمواجهة من يحتجون ويدعمون غزة، في الوقت الذي يصرّح فيه الأردن بأنه ضد الإسرائيليين والإبادة في القطاع، مشددًا على أن هذا التناقض يعرّض أمن الأردنيين للخطر، إذ قال إن لسان حال موكليه الذين تعرضوا لتجربة التجسس عليهم هو: “لقد سلّمتني ولم تحمِ بياناتي، وعرّضتها للاستباحة من قِبل جهة تُعدّ خطرًا في حالة حرب”.
مطالبات بتعديل القانون
طالبت هيئة الدفاع عن معتقلي دعم المقاومة في الأردن، البرلمان الأردني بضرورة تعديل قانون “منع الإرهاب”، معتبرة أنه بات أداة تجريم رئيسية في مواجهة العمل الوطني المشروع، ووضعت الهيئة البرلمان أمام مسؤولياته التشريعية، مطالبة بطرح مشروع قانون معدل ينص صراحة على وقف تجريم المقاومة وتثبيت حق دعمها.
View this post on Instagram
ويؤكد الناطق باسم كتلة الإصلاح النيابية ينال فريحات لـ”نون بوست” أن الكتلة قد تقدمت بمشروع قانون معدّل لقانون منع الإرهاب، بحيث يتم استثناء دعم المقاومة من القانون، وهو معروض أمام اللجنة القانونية التي ستعرضه بعد ذلك أمام أعضاء المجلس للتصويت عليه بالقبول أو الرفض. وذلك في الوقت نفسه الذي لم تتحرك فيه لجنة فلسطين النيابية لاتخاذ أي إجراءات حول تجريم المقاومة الفلسطينية أو التجسس على داعمي المقاومة ونشطاء غزة، وهو ما أكده لنون بوست رئيس اللجنة سليمان السعود حين تواصلنا معه.
وقد يؤدي تعديل قانون منع الإرهاب إلى التوقف عن تجريم المقاومة، ما قد يساعد على إيقاف الجهات الأمنية من التجسس على داعميها وإرباك المواطنين وفقدانهم الثقة باستخدام هواتفهم والتعامل معها.
وينقل الباحث في مختبر “سيتزن لاب” كامل الشوارب لـ”نون بوست” صورةً حيّةً لمعاناة الأشخاص الذين تعرضوا لمصادرة أجهزتهم، مستندًا إلى مقابلات وشهادات وثّقت مشاعرهم بعد استرجاع هواتفهم، ويستحضر تعبيرًا لأحد الضحايا يلخص هذا الأثر، حيث قال: “شعرت بالظلم والانتهاك، وكأنهم سرقوا شيئًا مني.. حدث ذلك ليس لأنهم أقوياء، بل لأن موقفهم القانوني ضعيف”.
ومن خلال تعامل الشوارب مع عدد كبير من أصحاب الهواتف المصادرة، لاحظ تغيرًا واضحًا في سلوكياتهم الرقمية اليومية؛ إذ اتجه الكثيرون إلى الاعتماد على تطبيقات المراسلة الآمنة مثل “سيغنال”، وتفعيل خاصية الرسائل ذاتية الاختفاء بعد ساعات أو حتى دقائق معدودة.
ويضيف أن هذا القلق دفع المستخدمين إلى تجنب كتابة أسمائهم الحقيقية على أجهزتهم، وباتت تساؤلات من قبيل “أين وكيف أحتفظ بصوري الخاصة؟” تسيطر على تفكيرهم، لافتًا إلى أن قدرة الجهات الأمنية على كشف كل شيء، بدءًا من كلمات المرور والصور الشخصية وصولًا إلى احتمالية استرجاع الملفات المحذوفة، أحدثت تغييرًا فعليًا في تصرفات الناس وعاداتهم التكنولوجية، في محاولة يائسة لحماية مساحتهم الشخصية.
View this post on Instagram
ويقدَّر عدد معتقلي دعم المقاومة بمحاولة الإمداد بالسلاح أو محاولة تنفيذ عمليات عبر الحدود ودعم المقاومة بشكل مباشر بالعشرات أو ما يقارب المئات، أمّا قضايا التعبير عن الرأي أو القيام بأفعال احتجاجية فهم بالآلاف، بحسب تقديرات المحامي.
أما من استدعتهم الأجهزة الأمنية فيُقدَّرون بالآلاف، حتى باتت نكتة يتناقلها الناس فيما بينهم: “ما استدعوك؟” أو “ما حكوا معك؟”، وذلك لكثرة الاستدعاءات الأمنية، وبالأخص لدى دائرة المخابرات العامة، والتي تزيد يومًا تلو الآخر.
وهذا الحال يدعو إلى تغيير في القانون ومنع الأجهزة الأمنية من التجسس على الهواتف لمجرد نشاط داعم، وخاصة خلال الإبادة في غزة، وبالإضافة إلى ذلك التوقف عن تسليم معلومات الأردنيين إلى أجهزة خارجية وتفويض بياناتهم للبرامج الإسرائيلية.