مع اندلاع الحرب الأمريكية– الإسرائيلية على إيران، شرعت طهران في تنفيذ ردود انتقامية طاولت مصالح واشنطن وتموضعاتها العسكرية في دول الخليج، فارتفع منسوب القلق الإقليمي وتكاثرت الأسئلة حول منطق الاستهداف وحدوده.
وزاد الجدل مع حديث بعض المراقبين عن وجود قوات أمريكية في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، إذ بدا لكثيرين أن طهران تتعمّد نقل كلفة الحرب إلى دول الخليج، عبر ضربات تستهدف نقاطًا شديدة الحساسية اقتصاديًا وأمنيًا للضغط على واشنطن.
أولاً: الثقل العملياتي الأمريكي في الخليج
تمثل جغرافية الخليج العربي مركز الثقل التشغيلي والعسكري الرئيسي للولايات المتحدة في المنطقة. إذ تستضيف دول مجلس التعاون الخليجي البنية التحتية الأساسية للقيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”.
وبذريعة “استهداف منصات الانطلاق ومراكز القيادة”، تُوسّع طهران نطاق ضرباتها نحو الخليج حيث تتواجد الأصول العسكرية الأمريكية الثقيلة والمؤثرة.
وينتشر في الشرق الأوسط ما بين 40 إلى 50 ألف جندي أمريكي في عدة دول بالمنطقة ضمن نحو 19 موقعًا وقاعدة عسكرية.
فيما يتركز الثقل الأكبر للقوات الأمريكية في دول الخليج العربي، حيث تستضيف هذه الدول القسم الأعظم من الجنود والمعدات، وفق ما يبرز الإنفوجراف التالي.

ثانياً: سلاح الطاقة والضغط الاقتصادي العالمي
تراهن إيران على إحداث صدمة اقتصادية عالمية عبر استهداف الطاقة وتهديد الملاحة، في نهج يتمثل بالضغط على الأسواق ودفع المجتمع الدولي نحو وقف إطلاق النار.
وهنا تلعب دول الخليج دور الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي نظراً لكونها المزود الرئيسي لموارد الطاقة. وباستهداف البنية التحتية النفطية والغازية فيها، ومحاولة إغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، تمارس إيران أقصى درجات الضغط الاقتصادي عبر تهديد شرايين الطاقة والتجارة.
وأثبتت التداعيات الفورية أسباب هذا التوجه الإيراني، فبمجرد اندلاع الهجمات، شهدت أسواق الطاقة العالمية حالة من الذعر، فارتفعت أسعار النفط الخام بأكثر من 10%، حيث قفز خام برنت إلى أكثر من 82 دولاراً للبرميل، وارتفع الخام الأمريكي إلى مستويات قياسية.
والأكثر خطورة كان الارتفاع الصاروخي في أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة تجاوزت 40%، وذلك في أعقاب إعلان شركة “قطر للطاقة” تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال كإجراء احترازي بسبب التهديدات الأمنية وتضرر المنشآت.
كما أن إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للنفط، وضرب مصافي النفط الحيوية مثل استهداف محيط مصفاة نفط رأس تنورة في السعودية، تسعى إيران من خلاله لتوجيه رسالة بأن استمرار الحرب يعني انهيارًا اقتصاديًا عالميًا وارتفاعًا في معدلات التضخم.
ثالثاً: تحطيم أسطورة “الملاذ الآمن”
لا يخلو الاستهداف الإيراني لدول الخليج من بعد سياسي ونفسي يتمثل بتقويض صورة الاستقرار عبر ضرب معالم مدنية واقتصادية لزيادة وقع الخوف وتعطيل الثقة.
فطوال السنوات التي سبقت حرب 2026، استثمرت دول مثل الإمارات والبحرين وقطر جهوداً جبارة لتكريس صورتها كعواصم مالية، ومراكز سياحية آمنة، ومحطات ربط عالمية.
ولكن مع اندلاع الحرب، سُجلت انفجارات وحرائق بالقرب من فندق “برج العرب” الأيقوني وفندق “فيرمونت النخلة” في دبي، وتصاعدت أعمدة الدخان بالقرب من “برج خليفة” وميناء جبل علي الحيوي، فضلاً عن استهداف المطارات الدولية في الدوحة والكويت وأبوظبي.
يظهر الإنفوجراف التالي أبرز المواقع الحيوية الاقتصادية التي استهدفتها إيران في 5 دول خليجية.
باستهداف هذه المواقع، تهدف إيران إلى تدمير هذه الصورة الذهنية والاقتصادية بعد أن تعمدت القوات الإيرانية توجيه مسيراتها وصواريخها نحو معالم سياحية ومدنية بارزة بما يُعظّم التأثير النفسي ويُربك صورة الأمن والاستقرار.
لماذا تتجنب جنوب القوقاز ووسط آسيا؟
1- غياب القواعد الأمريكية
يُعد الوجود العسكري الأمريكي في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى هامشياً إلى حد كبير بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان عام 2021 وإعادة هيكلة القوات في المنطقة.
منذ ذلك الحين، تحولت القواعد الموجودة في أوزبكستان وقيرغيزستان إما إلى مراكز لوجستية بسيطة أو محطات لجمع الاستخبارات والتدريب الأمني المحدود، وسط حضور عسكري روسي واقتصادي صيني.
ولا توفر هذه الجغرافيا الآسيوية للولايات المتحدة قدرة هجومية استراتيجية يمكن أن تشكل تهديداً وجودياً مباشراً لإيران يتطلب رداً استباقياً أو انتقامياً واسع النطاق.
وبالتالي، فإن توجيه ضربات بعيدة إلى أهداف هامشية هناك لا يمنح طهران عائدًا ردعيًا مماثلًا مقارنة بالخليج، حيث الأثر الفوري على الطاقة والأسواق.
ويوضح تقرير لـCEPA (مركز تحليل السياسات الأوروبية) أن الطموحات الأمريكية في جنوب القوقاز “لا تشمل وجودًا عسكريًا” بل تتركز على مشاريع اقتصادية، وأن روسيا تخشى تأثيرها التجاري.
2- قيود جغرافية وحسابات سياسية
تبلغ معظم الصواريخ الإيرانية مداها الأقصى 2,000 كم، وبينما يتيح هذا المدى إصابة عواصم مثل باكو وتبليسي نظريًا، إلا أن المسافة وشروط الطيران أصعب مقارنة بالمدى القصير نحو الخليج. كما أن الصواريخ ستحتاج التحليق فوق أراضٍ تابعة لروسيا أو تركيا أو أرمينيا، ما يهدد باحتمال اعتراضها أو إثارة جبهة جديدة ضد طهران.
وتعتبر موسكو منطقة جنوب القوقاز وآسيا الوسطى جزءاً لا يتجزأ من مجالها الحيوي وعمقها الاستراتيجي. وحذر وزير الدفاع الروسي السابق سيرجي شويغو عام 2023 من أن واشنطن تحاول “إعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى” تحت ستار مكافحة الإرهاب، وتعهد بتعزيز جهوزية القواعد الروسية في قيرغيزستان وطاجيكستان لمواجهة هذه الجهود.
وهو ما يظهر حساسية موسكو لأي نشاط عسكري أمريكي في المنطقة، ويعني أن قصف إيران للقواعد الروسية أو مواصلات القوقاز قد يجرّها إلى مواجهة مع روسيا وتركيا.
وبحسب مركز استطلاع الفكر الروسي، تمتلك موسكو 5,000 جندي في أرمينيا تسيطر على أجوائها، ما يجعل استهداف هذه المواقع بمثابة تحدٍ مباشر لموسكو. من جهة أخرى، تنظر الصين إلى آسيا الوسطى باعتبارها القلب النابض لمبادرة “الحزام والطريق” والممر الاقتصادي القاري لبكين.
وتعتمد إيران اقتصادياً بشكل شبه كلي على تصدير نفطها المهرب إلى الصين (التي تشتري نحو 80% من صادرات النفط الإيرانية) كشريان حياة لتجاوز العقوبات الغربية. ولذلك فإن تصدير الحرب إلى آسيا الوسطى سيشكل تهديداً مباشراً للمصالح التجارية والاستثمارية الصينية.
3- محدودية “العائد” مقارنة بالخليج
الحضور الأمريكي في وسط آسيا والقوقاز اقتصادي أكثر منه عسكري، ويركز على مشاريع النقل والطاقة مثل ممر الغاز العابر لتركيا وممر آسيا الوسطى–القوقاز.
ويوضح تقرير CEPA أن الولايات المتحدة تطور مشاريع التعاون النووي والتكنولوجي مع أرمينيا وأذربيجان دون تخطيط لنشر قوات.
وبما أن المنطقة ليست مركزًا لتجارة النفط، فإن ضربها لن يحدث تأثيرًا عالميًا مماثلًا لضرب مضيق هرمز أو مطار دبي.
لذلك، يفضّل قادة إيران استهداف نقاط يمكن أن تُحدِث صدمة للأسواق وترفع كلفة دعم واشنطن، كما فعلوا عندما أصابوا منشآت النفط السعودية عام 2019.