أدى الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران نهاية فبراير/شباط 2026 وما تبع ذلك من ردود إيرانية إلى اضطرابات غير مسبوقة في شريان الطاقة وحركة السفن العالمية.
وتركز التأثير الفوري على مضيق هرمز الذي ينقل نحو خُمس النفط العالمي وكمية مماثلة من الغاز المسال. وقالت مصادر في الحرس الثوري إن “المضيق مغلق” وإنه “سيتم حرق أي سفينة تحاول المرور”، لتتوقف الحركة البحرية عمليا رغم عدم وجود إعلان إيراني رسمي بالإغلاق.
يرصد هذا التقرير حجم التعطل الملاحي حتى 3 مارس/آذار 2026 وتأثيراته، ويبرز المسارات البديلة لتصدير النفط والغاز وكلفتها على التجارة في منطقة الخليج والعالم.
مضيق هرمز.. ما حجم التعطل؟
1- حركة السفن: أظهرت بيانات MarineTraffic مطلع مارس/آذار أن 150 ناقلة على الأقل رست في المياه المفتوحة خارج هرمز، مع وجود عشرات أخرى على الجانب الآخر بالقرب من سواحل الإمارات وعُمان.
وبحلول الثاني مارس/آذار كان عبور المضيق شبه متوقف؛ إذ سجلت شركة Kpler مرور ثلاث ناقلات فقط تحمل 2.8 مليون برميل مقابل أكثر من 20 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة، ما يعني تراجع تدفق النفط الخام بأكثر من 90 %.
2- أضرار مباشرة: أصيبت أربع ناقلات على الأقل وقُتل بحاران في الأيام الأولى للنزاع، وتوقفت عمليات ميناء جبل علي مؤقتًا بعد سقوط حطام صاروخي.
3- التأمين وأقساط المخاطر: أعلنت شركات التأمين البحري إلغاء تغطيات الحرب في الخليج اعتبارًا من 5 مارس/آذار، ما أجبر الملاك على شراء تغطيات جديدة بأسعار مرتفعة.
وقفزت أقساط مخاطر الحرب إلى حوالي 1 % من قيمة السفينة بعد أن كانت نحو 0.2 %، بما يعادل مئات الآلاف من الدولارات لكل رحلة.
4- تكاليف الشحن وأسعار الطاقة: تضاعفت أجور استئجار ناقلة نفط عملاقة على خط الشرق الأوسط–الصين إلى حوالي 12 مليون دولار، وارتفع سعر نفط برنت بأكثر من 10 % والغاز الطبيعي المسال بحوالي 50 %. كما قفزت أسعار شحن الغاز المسال الفوري نحو 40 % وفق بيانات السوق.

المسار الأول – طريق قصير محفوف بالخطر
يُعد مسار الخليج عبر باب المندب وقناة السويس أقصر الطرق إلى أوروبا، لكن هذا الممر يواجه تحديات. فقناة السويس لا تسمح للناقلات العملاقة بالعبور محمّلة بالكامل.
ويجب أن تفرغ السفن الكبيرة جزءًا من حمولتها أو تستخدم خط أنابيب سوميد بسعة نحو 2.3 مليون برميل يوميًا، وهي قدرة محدودة مقارنة بتدفقات هرمز التي تزيد عن 20 مليون برميل يوميًا.
من جهة أخرى، تهدد الهجمات في البحر الأحمر وباب المندب حركة السفن؛ فقد انخفضت حركة القناة 50 % في مطلع 2024، وعادت الشركات لاحقًا إلى رأس الرجاء الصالح.
ومع الأزمة الحالية علقت شركات الحاويات الكبرى مايرسك وهاباغ لويد وCMA CGM وMSC الإبحار عبر البحر الأحمر. ولذلك يصبح المرور عبر هذا الطريق مخاطرة كبرى وقبل أن يستعيد استقراره يجب ضمان عدم وجود هجمات من قبل الحوثيين.
على صعيد الكلفة، يبلغ زمن الرحلة عبر هذا الطريق نحو 19 يومًا؛ ومع التوترات العسكرية قد يتطلب الأمر مرافقة بحرية وتأمينًا إضافيًا، ما يزيد الأيام والتكاليف.
وفرضت شركات الحاويات رسوم تأمين إضافية بلغت 1,500–4,000 دولار للحاوية الواحدة، وتأتي إضافةً إلى أقساط الحرب المرتفعة.
المسار الثاني – طريق طويل بلا تهديدات
عندما يتعذر المرور عبر البحر الأحمر، تضطر السفن إلى الإبحار حول إفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح.
هذا الطريق خالٍ من قيود الحجم، لكنه يزيد زمن الرحلة بشكل ملحوظ؛ فالرحلة من الخليج إلى أوروبا تستغرق نحو 35 يومًا مقابل 19 يومًا عبر قناة السويس، أي إضافة حوالي 16 يومًا.
ولذلك تحرق ناقلات الغاز الكبيرة وقودًا بقيمة 30–35 ألف دولار يوميًا؛ وبالتالي فإن زيادة الرحلة 16 يومًا تضيف نحو نصف مليون دولار على تكاليف التشغيل قبل حساب أجور الطواقم والصيانة. ويقلص الطريق الطويل أيضًا عدد السفن المتاحة لأن كل دورة تستغرق وقتًا أكبر.
فأثناء أزمة البحر الأحمر في 2024 تضاعف مؤشر شنغهاي للشحن وزادت أسعار النقل بأكثر من 100 %. وفي 2026 قد تشهد الأسواق ارتفاعًا مشابهًا إذا استمر تعطيل هرمز والبحر الأحمر معًا.

من يدفع ثمن الأزمة؟
تتحمل التجارة العالمية والاقتصادات الآسيوية فواتير هذا التعطل المزدوج عبر زيادات حادة في رسوم الشحن وتكاليف السلع، حيث تعتمد دول مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية على هرمز لتأمين أكثر من 80% من وارداتها النفطية.
وفرضت خطوط شحن الحاويات رسوم أخطار حرب فورية لتعويض المخاطر؛ إذ أعلنت “Hapag-Lloyd” رسومًا إضافية تبلغ 1500 دولار أمريكي لكل حاوية نمطية قياسية (TEU) و3500 دولار للحاويات المبردة المرتبطة بالخليج، بينما طبقت “CMA CGM” رسومًا تصل إلى 4000 دولار للمعدات الخاصة.
وعلى مستوى التأمين، تعني زيادة أقساط أخطار الحرب إلى 0.5% أن سفينة حاويات قيمتها 150 مليون دولار ستدفع قسطًا قدره 750 ألف دولار للعبور الواحد، صعودًا من 375 ألف دولار قبل الأزمة.
وفي أسواق الطاقة، تسبب تعطل الملاحة وتوقف إنتاج الغاز مؤقتًا في منشأة رأس لفان القطرية في قفزة سريعة لخام برنت بنسبة فوق 10 ٪ مقتربًا من حاجز 82 دولارًا للبرميل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغاز الأوروبية بنسبة وصلت إلى 54%.
وأوقفت قطر إنتاج الغاز المسال في رأس لفان بعد هجمات على المنشآت، وذكرت تقارير أن 150 ناقلة غاز مسال عالقة يفقد بعضها 50–100 طن يوميًا بسبب تبخر الشحنة. وتُنقل هذه التكاليف التراكمية بشكل مباشر إلى المستهلك النهائي، مما يعزز الضغوط التضخمية.
كما أن تعليق رحلات شركات الحاويات الكبرى عبر هرمز والبحر الأحمر يجعل نحو 10 % من أسطول الحاويات العالمي خارج الخدمة ويهدد سلاسل الإمداد العالمية، إضافةً إلى تعطيل جزء من الشحن الجوي.