يعاني قطاع غزة منذ سنوات طويلة من حصار وإغلاق متكرر للمعابر من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ما انعكس على الواقع الاقتصادي ورفع معدلات الفقر والبطالة بين الشباب، ورغم محدودية الفرص وعدم استقرار سوق العمل، حاول كثير من الخريجين إيجاد موطئ قدم عبر عقود أو أعمال جزئية، فيما تمكنت قلة من الحصول على وظائف أكثر مستقرة، لكنها ظلت محدودة.
لكن الحرب التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 دفعت الاقتصاد الهش إلى مرحلة أشد قسوة، بعد تدمير واسع للقطاعات الإنتاجية وفقدان آلاف العاملين مصادر دخلهم، ومع تقلص الفرص، لم يعد السؤال كيف يجد الشباب وظيفة مناسبة، بل كيف يؤمّنون أي مصدر دخل يضمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة في ظل اقتصاد يترنح تحت وطأة الحرب.
سوق عمل هش قبل الحرب.. وانهيار كامل بعدها
محمود منصور (26 عاماً)، خريج هندسة الحاسوب من الجامعة الإسلامية، نزح مع عائلته من مخيم جباليا إلى حي النصر بعد أن دمر الاحتلال منزلهم، يصف واقع العمل قبل الحرب قائلاً: ” كان البحث عن عمل في غزة صعباً ومسألة شائكة، لكن مع قدوم الحرب تفاقمت المشكلة أضعاف مضاعفة”.
يتابع محمود حديثه لـ”نون بوست”: ” كوني خريج هندسة حاسوب، كنت أتخيل مستقبلي المهني، مهندسًا في إحدى الدوائر الحكومية، أو الشركات الكبرى، لكن شحّ الفرص في سوق العمل دفعني مبكراً للعمل خارج تخصصي، إذ عملت إعلامياً رياضياً في إذاعة ونادي نماء الرياضي”.
ومع اندلاع الحرب، انهار كل ما بناه محمود مرة واحدة، “تم تدمير النادي والإذاعة في الأشهر الأولى من الحرب، واستشهد أصحابها”، يقول محمود، موضحاً أن حياته المهنية توقفت بالكامل، ليس فقط بسبب فقدان العمل، بل بسبب الشعور الطاغي بأن الموت أقرب من أي تخطيط للمستقبل.
ومع امتداد الحرب وتبدد فكرة أنها قصيرة ومؤقتة، تغيّر إدراك محمود للواقع بشكل جذري، فلم يعد يسأل نفسه: ماذا أريد أن أكون؟ بل كيف يمكنني الاستمرار؟، فيضيف بحزن “أصبحنا نواجه الحياة لا لنحقق أحلامنا، بل لنؤمّن لقمة عيش تحفظ كرامتنا وتمنعنا من السؤال”.
وبعد ذلك اضطر محمود إلى خوض تجارب عمل مختلفة، فعمل في تصوير تقارير وأفلام وثائقية تنقل الواقع المأساوي بالقطاع، وفي مشروع لتحلية المياه، لكن توقف عمله بشكل مفاجئ بحجة انتهاء التمويل، ليجد نفسه بلا عمل مرة أخرى، إلى أن وجد وظيفة محاسبة في أحد المقاهي التي تم افتتاحها مؤخراً، رغم أنه لم يدرس المحاسبة يوماً.
يختتم محمود حديثه بمرارة: “نعيش في حالة عدم أمان وظيفي، قد نخسر عملنا أي لحظة، والدخل بالكاد يغطي أساسيات الحياة”. وبين العمل الشاق والعائد المحدود، يرى محمود أن العمل المؤقت لم يعد خياراً، بل أصبح القاعدة في غزة، في انتظار واقع قد يمنحهم يوماً فرصة للاستقرار.
مطاردة الاستقرار في سوق عمل متقلب
لا يختلف حال سها سكر (28 عاماً)، خريجة الإعلام من جامعة الأزهر، والنازحة مع عائلتها من مخيم الشجاعية إلى منطقة السرايا، كثيراً عن حال شباب جيلها، فقد كانت تعمل مع مؤسسات بعقود مؤقتة ضمن تخصصها، وكان آخرها عقد لمدة تسعة أشهر مع مؤسسة إعلامية محلية شكّل بالنسبة لها فرصة مهمة لبداية شبه مستقرة، لكن الحرب جاءت وقلبت كل شيء رأساً على عقب.
فتوقف العمل في معظم المؤسسات بعد اندلاع الحرب وضع سها، كما كثيرين غيرها، أمام واقع مهني أكثر صعوبة، مما دفعها للبحث عن أي فرصة عمل متاحة. تقول ل”نون بوست”: “أصبحت مضطرة للعمل في أي مجال متاح لتفادي البقاء دون عمل”.
وتضيف سها أن رحلة البحث عن الاستقرار الوظيفي منذ تخرجها كانت شاقة، تصفها بأنها أشبه بمحاولة “مطاردة سراب”، فمع محدودية الفرص، يجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين لقبول أعمال مؤقتة أو بعيدة عن طموحاتهم، فقط للحفاظ على مصدر دخل يساعدهم على الاستمرار في حياتهم.
خلال هذه الرحلة، تنقلت سها بين عدة مجالات عمل، مستثمرة خبرتها بالإعلام في إنتاج القصص الرقمية إلى جانب عملها في مجالات أخرى غير تخصصها مثل، تقديم جلسات الدعم النفسي، إضافة إلى مشاركتها في العمل الإغاثي.
لكن العمل في ظل ظروف الحرب لم يكن سهلاً، فالصعوبات اليومية، كما تروي، كانت تبدأ من تفاصيل الحياة الأساسية، فتقول: “كل يوم كان يحمل تحدياً جديداً، سواء بسبب صعوبة المواصلات، أو انقطاع الكهرباء والإنترنت في منزلنا، ما كان يدفعني للبحث عن أماكن يتوفر فيها الاتصال لأتمكن من تسليم أعمالي، إضافة إلى خطورة التنقل في كثير من الأحيان”.
تعترف سها بأنها تشعر بالإرهاق نتيجة غياب التقدير، قائلة: “أبذل جهداً كبيراً ولا أحصل على تقدير معنوي أو مادي بالشكل المطلوب”، مشيرة إلى أن بعض الأعمال التي أنجزتها لم تتقاضَ أجراً عنها. ورغم ذلك، ترفض الاستسلام، على أمل أن تحمل الأيام القادمة فرصة تمنحها الاستقرار الذي طال انتظاره، شأنها شأن كثير من شباب غزة.
ضغوط نفسية تتجاوز القدرة على التحمل
من جهتها، تشير مختصة علم النفس آية المقيد إلى أن التغيّر المستمر في العمل يخلق حالة من التشتت والضياع لدى الأفراد، ويزيد من الضغط النفسي في ظل غياب الاستقرار المهني، ما يدفع كثيرين إلى العمل في مجالات لا يحبونها ولا يجدون أنفسهم فيها، الأمر الذي يولّد لديهم شعورًا بفقدان الهوية المهنية.
وتوضح المقيد أن هذا الانفصال بين الفرد وعمله قد ينعكس في صورة صراع نفسي داخلي، خصوصاً عندما يضطر الشخص إلى قبول وظائف لا تتناسب مع قدراته، فقط لتأمين احتياجاته الأساسية. كما أن استمرار غياب الأمان الوظيفي يترك آثارًا على العلاقات الأسرية، إذ يزيد من التوتر والعصبية ويعزز شعور الفرد بالعجز، في وقت يحتاج فيه الإنسان إلى قدر أكبر من الاستقرار والطمأنينة.
وتشير إلى أن هذا الواقع يتقاطع مع ما تسميه “هندسة المجاعة” التي تسببت بها إسرائيل خلال الحرب، حيث تراجعت الطبقة الوسطى واتسعت الفجوة بين قلة تملك الموارد وأغلبية باتت تعتمد على المساعدات، وهو واقع لا يزال يلقي بظلاله حتى اليوم.
وتضيف المقيد أن هذه التحولات انعكست على وعي الشباب وطموحاتهم، إذ اتجه بعضهم إلى الاعتماد على المبادرات المؤقتة أو فرص الكسب السريع، بدل الاستثمار في تطوير مهاراتهم أو بناء مشاريع مستدامة، ما أسهم في تراجع روح الإنتاج وزيادة النزعة الاستهلاكية، في ظل الخوف من خسارة أي مشروع جديد.
وتشدد المقيد على أهمية دعم الشباب نفسيًا ومهنيًا، من خلال توفير مساحات آمنة للتعبير وبرامج إرشاد نفسي، إلى جانب تدريبهم على تطوير مهاراتهم وإعادة توجيه طموحاتهم نحو مسارات واقعية، بما يعزز قدرتهم على التكيّف مع الظروف دون فقدان هويتهم المهنية.
في ذات السياق، يقول المختص الاقتصادي أحمد أبو القمر، عضو مجلس إدارة نقابة الاقتصاديين في غزة، إن الحرب أحدثت تغيّرات هيكلية عميقة في سوق العمل، بعد تدمير واسع للقطاعات الاقتصادية. ووفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تكبد القطاع الصناعي خسائر تجاوزت 80% من منشآته، فيما دُمّر نحو 95% من الأراضي الزراعية، ما أدى إلى شلل واسع في القطاعات الإنتاجية.
ويضيف أبو القمر أن العمل عن بُعد، الذي أثبت جدواه سابقًا في ظل الحصار، توقف لفترات طويلة بسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت، موضحاً أنه رغم محاولات بعض العاملين استعادة أعمالهم تدريجياً فإن العودة ليست سهلة بعد فقدان الوظائف وتعقّد الظروف.
ويشير إلى أن نسبة البطالة تجاوزت 80% بحسب تقرير الأونكتاد، بينما يعتمد 95% من السكان على المساعدات، وفق إحصائيات الأونروا، ما يعكس تحوّلًا نحو اقتصاد بقاء فرضته الحرب، مؤكداً أن الحرب أفرزت مهناً جديدة، بعضها مؤقت وبعضها مرشح للاستمرار مثل خدمات الدفع الإلكتروني، بينما ترتبط أخرى بالأزمة وقد تختفي بزوال أسبابها، كبيع الأخشاب.
ويوضح أبو القمر أن تعطّل القطاعات الإنتاجية دفع الاقتصاد من حالة منظمة إلى اقتصاد بقاء، مشيرًا إلى إمكانية تراجع هذا النمط مع فتح المعابر وإدخال المواد الخام، ما قد يتيح إعادة تشغيل المصانع، وإحياء الزراعة وتربية الحيوانات، وتنشيط القطاعات الخدماتية.
ويختتم بالإشارة إلى أن استقرار سوق العمل يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، وفتح المعابر بشكل كامل، وتمكين التصدير، وتعزيز التعليم المهني ليتلاءم مع احتياجات السوق، إلى جانب توفير مساحات عمل وتشجيع العمل عن بُعد، بما يسهم في التخفيف من البطالة والتأثيرات السلبية للحصار.
وبين التحليلات الاقتصادية والضغوط النفسية، يبقى شباب غزة عالقين بين واقع يفرض عليهم معركة يومية للبقاء والاستمرار في حياتهم، وأحلام مؤجلة بوظيفة مستقرة قد تعيد إليهم شيئاً من الأمان الذي طال انتظاره.

