خلال حملته الانتخابية، روّج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنفسه بضراوة كـ”مرشح سلام استثنائي” جاء لإنهاء “الحروب الأبدية” وتكريس عقيدة “أمريكا أولًا”، متعهدًا للناخبين بتجنيب البلاد الانزلاق مجددًا في مستنقعات الشرق الأوسط.
لكن مع بلوغ ولايته الثانية (الحالية) عامها الثاني، تحطمت هذه السردية تمامًا على صخرة واقع عسكري دموي وتوسع هجومي غير مسبوق برز أخيرا في فنزويلا وإيران ومناطق أخرى حول العالم.
فقد تحول الخطاب السلمي الذي تبناه إلى غطاء سياسي لفتح مسارح عمليات عسكرية جديدة وجبهات مشتعلة خلفت آلاف الضحايا وتدميرًا واسعًا في البنى التحتية، مما أحدث ارتدادات سياسية زلزلت قاعدته الانتخابية الصلبة، وفجرت أزمات دستورية داخلية.
أرقام تكشف خديعة إنهاء الحروب
تكشف المعطيات الأخيرة عن تحول جذري في العقيدة العسكرية الأمريكية نحو الهجوم الاستباقي العنيف، بما يتناقض كليًا مع سياسات فك الارتباط التي وعد بها ترامب.
ووفقًا لـ “مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها” (ACLED)، نفذت إدارة ترامب 573 ضربة جوية بطائرات حربية ومسيرة في عامها الأول فقط. ويرتفع الرقم إلى 658 ضربة باحتساب العمليات المشتركة مع الدول الحليفة.
يتجاوز هذا المعدل السنوي المتسارع ما نفذته إدارة سلفه جو بايدن خلال أربع سنوات رئاسية كاملة، حيث اقتصرت عمليات الأخير على 494 ضربة أحادية في خمس دول.
كما يكشف عن الادعاءات التي تروج لها إدارته، حيث دأبت الناطقة باسمه كارولين ليفيت على الزعم بأن أول خيار للرئيس “هو دائمًا الدبلوماسية” وأنه لا يستخدم القوة إلا عند الضرورة.
لكن ثبت في العمليات الأخيرة تبني إدارته لسياسة “اضرب أولًا وتفاوض لاحقًا”، وتجاهلها القيود والأعراف الدولية الحاكمة لاستخدام القوة.

أبرز الدول المستهدفة
وعلى عكس وعود الانعزال، وسّع ترامب خريطة الاستهداف لتشمل سبع دول على الأقل، حيث استهدف الحوثيين في اليمن مخلفًا أكثر من 530 قتيلًا، وضرب فصائل مسلحة في العراق وسوريا، ونفذ عمليات في ليبيا ونيجيريا والصومال.
وشملت استراتيجيته قصف فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، ناهيك عن قتل أكثر من 110 من مهربي المخدرات المزعومين بالبحر الكاريبي.
وبلغت النزعة العسكرية لترامب ذروتها الدموية في 28 فبراير/شباط 2026، عندما أطلقت واشنطن و”تل أبيب” حربا على إيران، بهدف تدمير البنية الصاروخية والمنشآت النووية في إيران وتغيير النظام بالقوة.
وكان لافتا أن الهجوم الواسع، جاء في خضم حديث الوسيط العماني عن توافق نادر كان سيفضي إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي، قبل أن تبدأ أمريكا و”إسرائيل” الحرب، وهو تكرار لما حدث في يونيو/حزيران 2025 عندما شن الطرفان ضربة على المواقع النووية وسط تقدم بالمحادثات.
واستخدمت القوات الأمريكية قاذفات شبحية من طراز B-2 لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وتصفية العشرات من قادة الحرس الثوري، إلا أن الكلفة الإنسانية كانت باهظة ومروعة. فحتى 3 مارس/آذار، قتل 787 شخصا في إيران بفعل الهجمات الإسرائيلية الأمريكية، بحسب ما أعلن الهلال الأحمر الإيراني.
وتكشفت المأساة بوضوح في مدينة ميناب الجنوبية، حيث أسفر قصف طال مدرسة ابتدائية للبنات عن مقتل 168 طالبة وإصابة 95 آخرين، ما نسف تمامًا ادعاءات إدارة ترامب بتنفيذ “ضربات جراحية دقيقة”.
يظهر الرسم البيان التالي حجم الضربات الجوية الأمريكية، حسب الفترات الرئاسية للمقارنة بين فترتي ترامب الأولى والثانية وفترة جو بايدن، وأبرز الدول المستهدفة.
الارتداد الداخلي.. شرخ عميق بقاعدة ترامب
أحدث هذا التورط الخارجي المتسارع زلزالًا سياسيًا غير مسبوق داخل معسكر ترامب وقاعدته الانتخابية الصلبة المعروفة باسم ماغا (MAGA) وانتقادات لقرارات الإدارة.
قاد هذه الهجمة الإعلامي اليميني المؤثر تاكر كارلسون، الذي خرج ليصف الضربات الأمريكية على إيران بأنها “عمل شرير ومثير للاشمئزاز تمامًا”، مشددًا على أن التهديدات الحقيقية للأمن القومي الأمريكي تتمثل في أزمة الديون وانتشار مخدر الفنتانيل، وليس في حروب الشرق الأوسط.
بدورها، وجهت مارجوري تايلور غرين النائبة السابقة والحليفة السابقة لترامب، هجومًا لاذعًا على البيت الأبيض، معتبرةً قرار الحرب “أسوأ خيانة للثقة… وتجسيدًا لسياسة أمريكا أخيرًا” من إدارة ظن الناخبون أنها مختلفة.
كما عبّر صُنّاع المحتوى المحافظون مثل التوأم هودج عن سخطهم عبر منصاتهم بالقول: “تحرير شعب إيران ليس السبب الذي جعلنا نصوت لترامب”، في حين علّق بليك نيف، المنتج السابق لبودكاست الناشط الأمريكي اليميني تشارلي كيرك، بأن أصدقاءه يرسلون رسائل تعبر عن إحباطهم العميق ورفضهم لهذه الحروب.
ووصل الغضب إلى حد قيام الناشطة بريك وورشام بوصف ترامب بأنه “أسوأ رئيس في التاريخ الأمريكي”، وهو ما يعكس انهيارًا حقيقيًا لسردية مرشح السلام المزعوم، وتصدعًا خطيرًا يهدد تماسك اليمين بالولايات المتحدة.
وخصوصًا مع اقتراب استحقاقات حاسمة لانتخابات الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حيث يقاتل الجمهوريون للحفاظ على السيطرة على مجلس الشيوخ والنواب.
صدام دستوري حول التفويض وسلطات الحرب
أمام هذا التصعيد الميداني السريع، اندلع صراع دستوري وقانوني شرس في أروقة واشنطن يتمحور حول “قانون سلطات الحرب” لعام 1973 الذي يسمح للرئيس باستخدام القوة لمدة 60 يومًا دون تفويض، لكن كثيرين يؤكدون أن السعي إلى تغيير النظام الإيراني يتجاوز حدود هذا القانون.
واتخذ ترامب قرار شن الحرب منفردًا، مستندًا إلى صلاحياته بموجب المادة الثانية من الدستور وبذريعة درء تهديدات أمنية وشيكة، مكتفيًا بإحاطة سريعة قدمها وزير الخارجية ماركو روبيو قبل أيام من الهجوم.
إلا أن غياب الأدلة الاستخباراتية القاطعة على وجود هجوم إيراني وشيك يستدعي حربًا استباقية، دفع مؤسسات قانونية مرموقة مثل مركز “برينان” (Brennan Center) لوصف العمليات العسكرية بأنها “غير دستورية” وتمثل خرقًا فاضحًا لصلاحيات الكونغرس في إعلان الحرب.
وفي تحرك عاجل للحزبين، يقود السيناتور الديمقراطي تيم كين والجمهوري راند بول حراكًا نشطًا في مجلس الشيوخ، بالتوازي مع جهود النائب الديمقراطي رو خانا والجمهوري توماس ماسي في مجلس النواب، لفرض تصويت ملزم يجبر ترامب على إنهاء القتال ما لم ينل تفويضًا برلمانيًا.
ومع تلويح ترامب بحق النقض (الفيتو)، يقف الكونغرس أمام اختبار لاستعادة سيادته، في حين تجد الإدارة نفسها محاصرة بين نارين: حرب إقليمية دموية مرشحة لمزيد من التوسع، وقاعدة شعبية ناقمة تدرك اليوم أن ترويج الرئيس لنفسه كرجل سلام لم يكن سوى سراب سياسي مكلف.