بينما كانت التصريحات الدبلوماسية تشير باتجاه إختراق مهم في مفاوضات جينيف، حيث بدت طهران مستعدة لتقديم ضمانات مقبولة أمريكيًا على عدم نيتها تخصيب اليورانيوم لغايات عسكرية، كانت الطائرات الإسرائيلية والأمريكية تتزود بالوقود لتوجه ضرباتها العسكرية لطهران صباح السبت.
فما الذي حدث؟ هل كانت المفاوضات الأمريكية مجرد خدعة وشراءً للوقت؟ أم أن واشنطن لم تحصل فعلاً على ما أرادت من ضغوطها القصوى على طهران؟ هل كانت واشنطن بمفاوضاتها تحاول بناء سردية للشرعية الدولية لتبرر به التصعيد؟ أم أنّ دبلوماسية القوة هي ديدن واشنطن منذ عقود؟ وهل غفلت طهران فعلاً عن الخدعة؟ أم أن تفاؤلها السياسي الحذر كان مبررًا وكانت هي الاخرى تشتري الوقت؟ أي أثر حملته المفاوضات على إعادة ترتيب الأوراق الاستخباراتية والعسكرية والسياسية بين واشنطن وتل ابيب؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.
خط المفاوضات المتعرّج
بعد الضربات الموجعة التي تعرضت لها منشآت إيران النووية حزيران الماضي؛ وقّع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان قرارًا يوقف تمامًا بموجبه التعاون مع المنشأة الدولية للطاقة النووية وتمنع دخول مفتشيها للمنشآت النووية الإيرانية إلا بإذن من مجلس الأمن القومي الأعلى، ورافق هذه الخطوة التشريعية تصريحات من وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن طهران لن تتخلى عن نيتها بتخصيب اليورانيوم رغم ما عانته منشآتها من ضرر كبير أدى لتوقف نشاطها مؤقتًا.
لم يمض وقت طويل قبل أن تعود طهران في الثاني والعشرين من آب لطاولة المفاوضات التي جمعت كل من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة رغم سيف العقوبات المعلق على رقبتها، لكن تلك المفاوضات كانت قصيرة النفس، فلم يمض أسبوع على انطلاقها حتى أعلنت الدول الأوروبية نيتها إحياء العقوبات الاممية على طهران.
لماذا لم تمنع التنازلات التي قدمتها إيران خلال المفاوضات من شن حرب عليها؟ رئيس منتدى الشرق وضاح خنفر يجيب على ذلك pic.twitter.com/vsWDvcCaPY
— نون بوست (@NoonPost) March 2, 2026
دبلوماسية القوة
لا تشكّل جولة المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران مثالاً على الدبلوماسية الفاشلة، بقدر ما تشكل جزءًا مهمًا من استراتيجية الإكراه الأمريكية التي تستخدم المفاوضات لبناء سردية المشروعية في الخارج، وتشتيت المعارضة في الداخل وإنهاء الترتيبات العسكرية والاستخباراتية في المنطقة قبل توجيه ضربتها العسكرية.
فمفاوضاتها الأخيرة مع طهران لا تشذّ عن ديدن واشنطن بسوء النوايا التي ترافق الجهود الحربية والتي يجمعها بالخصم، لا رغبتها بالتوصل لاتفاق يحقق سلامًا عادلاً أو الحيلولة دون وقوع الحرب بحدها الأدنى، بقدر ما يجمعها أداوت سياسية وإستراتيجية تمهد للضربة العسكرية المتخذ قرارها قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.
تكرر نمط دبلوماسية القوة المنطوية على المفاوضات المضللة والتي تسبق الضربة العسكرية في حرب أمريكا المفتوحة على الإرهاب التي وصمت الألفية الحالية منذ بدايتها؛ ففي عام 2003 وقبيل غزو العراق مباشرة دفعت واشنطن باتجاه ما أسمته “الفرصة الأخيرة للدبلوماسية” قادت بموجبه عمليات التفتيش الأممية، قبل أن تعلن فشل الجهود الدبلوماسية وضرورة العملية العسكرية لتحييد خطر أسلحة الدمار الشامل.
الأمر ذاته تكرر في ليبيا عام 2011؛ فقبيل تدخل الناتو العسكري بقيادة واشنطن في طرابلس روّجت واشنطن للدبلوماسية المقرونة بالعقوبات الأمريكية ضمن استراتيجية الضغط والتهديد تخللتها جولات مفاوضات متعددة مع حكومة القذافي. لم تلبث تلك الجولات أن وصلت لما وصفته واشنطن بالطريق المسدود دافعة بإتجاه تدخل عسكري مباشر من قوات حلف الناتو تحت سردية “حماية المدنيين”.
كما أن ضربة طهران السابقة العام الماضي ليست منا ببعيد؛ إذ موّهت إدارة ترامب بإشاراتها المتناقضة والمضللة، بإمكانية تفادي الضربة العسكرية لمنشآت طهران النووية إذا ما استجابت الأخيرة لجولات المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع واشنطن قبل أن تقوم الإدارة وبشكل مفاجئ بضرب تلك المنشآت يوم الثاني والعشرين من حزيران وقد كانت إسرائيل قد بدأت بضرب المنشآت النووية قبل تدخل الولايات المتحدة في الثالث عشر من الشهر ذاته.
تبرز في مفاوضات واشنطن نظرية دبلوماسية القوة، أو الدبلوماسية القسرية للاقتصادي الأمريكي توماس شيلينغ، الذي وضع العديد من أسس وقواعد الصراع والاستراتيجية النووية والسلوك الاجتماعي في الولايات المتحدة، وتقوم هذه النظرية التي تتبناها إدارة ترامب على التهديد بإلحاق الضرر قبيل استخدام القوة في سبيل التأثير على دوافع وسلوكيات الخصم الجالس على الطرف الآخر من طاولة التفاوض.
حيث تحمل سياسة الضغط القصوى التي فرضها ترامب على طهران منذ فترته الانتخابية الأولى استراتيجية التفاوض المصحوبة بمواعيد نهائية، يصحبها تهديد بالتدخل العسكري، ففي آذار الماضي وقبل العملية العسكرية الأولى على طهران؛ وجّه ترامب رسالة شديدة اللهجة للمرشد يمنحه فيها مدة شهرين للتوصل لاتفاق بشأن برنامجها النووي؛ لتبدأ بعدها حرب الاثني عشر يومًا بين طهران وتل ابيب، والتي تخللتها ضربات عسكرية أمريكية لطهران في حزيران 2025.
الأمر ذاته تكرر في مفاوضات شباط الماضي التي منح بموجبها ترامب المرشد مدة 10-15 يومًا للتوصل إلى اتفاق مرضٍ لواشنطن بشأن البرنامج النووي ومنظومة الصواريخ البالستية الإيرانية، تبدأ يوم التاسع عشر من شباط، متوعدًا بشنّ عملية عسكرية حال عدم التوصل لإتفاق بانتهاء المدة. وقبيل انتهاء الحد الأدنى للمهلة وجهت تل أبيب وواشنطن بالفعل أولى ضرباتها العسكرية في الجولة الحالية رغم التصريحات الدبلوماسية المتضاربة حول سير المفاوضات.
تتبنى الإدارة الأمريكية نهج “الموعد النهائي” لا بهدف المصداقية بقدر ما هي آلية للتبرير محليًا ودوليًا، كما تستخدمه لتوفير عنصر المفاجأة حيث عادة ما توجه ضربتها قبل انتهاء المهلة الممنوحة.
التضليل عبر التصريحات
لا تقتصر استراتيجة الخداع الأمريكية على تحديد المواعيد النهائية وتوجيه الضربة قبل انتهائها؛ بل تشمل أيضًا إرسال إشارات وتصريحات دبلوماسية مناقضة لواقع الأمر، فقبيل توجيه ضربة “مطرقة منتصف الليل” حزيران الماضي، كان المسؤولون الأمريكيون ما زالوا يدلون بتصريحات إيجابية وتطمينات باتجاه إمكانية نجاح المحادثات بالتوصل لاتفاق مرضٍ للطرفين، إذ صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين لافييت أثناء تلاوتها لبيان الإدارة الأمريكية أن ترامب يعتقد بإمكانية إجراء مزيد من المحادثات مع طهران، وعليه فإنه سيتخذ قراره بشأن العملية العسكرية من عدمها خلال الأسبوعين القادمين؛ كان هذا قبل يوم واحد من إنطلاق الهجمات على طهران.
الأمر ذاته تكرر قبيل الهجوم الأخير، مثيرة موجة من الاتهامات لواشنطن بالتفاوض بسوء نية، حيث عبر البوسعيدي عن خيبة أمل مسقط بتقويض ما أسماه “المفاوضات الجادة والفعالة”، داعيًا واشنطن لعدم الانجرار أكثر، وقائلًا “هذه ليست حربكم”. وقد كان نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد طمأن البوسعيدي قبيل شنّ الهجمات، لأن مسار الدبلوماسية ما زال ممكنًا، ولأن زخم المفاوضات يتزايد حيث إن الحوار ما زال أداة محتملة لخفض التصعيد، في تضليل دبلوماسي مباشر لمساعي الوسطاء.
قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة في سلطنة عُمان شكّلت “بداية جيدة”، موضحًا أن وفدي البلدين تبادلا وجهات النظر خلال الاجتماع، وأن ذلك أسهم في إيصال مخاوف ومصالح وحقوق الشعب الإيراني في أجواء وصفها بالإيجابية.
أشار عراقجي إلى أن… pic.twitter.com/RdUVSsWVxh
— نون بوست (@NoonPost) February 6, 2026
ورغم هذه الخدعة المعروفة؛ أبقى المسؤولون الإيرانيون على لغة دبلوماسية متفائلة أثناء جولة المفاوضات الأخيرة، فقبل يوم واحد من الضربة العسكرية، صرّح عراقجي أن طهران تعكف حالياً على إعداد مسودة إتفاق ستزود به المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف خلال الأيام القليلة القادمة.
وقد شكّل توقيت الضربة العسكرية، رغم توقّعها عمومًا، مفاجئة لبعض المراقبين نتيجة التفاؤل الحذر الذي عبّر عنه الوسيط ودعمته التصريحات الأمريكية الرسمية، خاصة في ظل تقديم طهران ضمانات غير مسبوقة حول طبيعة برنامجها النووي واستعدادها للعودة مرارًا لطاولة المفاوضات. وقد كانت طهران عبّرت عن موقفها من الضربات بوصفها “خيانة للجهود الدبلوماسية”.
الاستعدادات العسكرية والاستخباراتية
لم تقدم واشنطن بوادر حسن نية طوال جولات التفاوض الأخيرة مع طهران؛ فقد شهد شباط تعزيزًا للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لم يشهد مثيلاً منذ عام 2003؛ فإضافة إلى الانتشار العسكري المكثف، الذي شمل ما لا يقل عن 12 مدمرة صواريخ موجهة، ومقاتلات الشبح إف-22، وأكثر من 100 طائرة تزويد بالوقود، شهدت المنطقة وصول حاملتي الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد” و”يو إس إس أبراهام لينكولن” ومدمرتي “يو أس أس روزفلت وبلكلي” إلى البحر المتوسط وبحر العرب.
كما كثفت واشنطن من تواجدها العسكري في قواعدها العسكرية في دول الشرق الأوسط؛ فقد وصلت مدمرات أمريكية وسفن حربية لميناء خليفة بن سلمان في عمان واحتشدت الطائرات الحربية الأمريكية في قاعدة موفق سلطي في الأردن، وتمركزت مدمرة “يو أس أس ديلبرت دي بلاك” في البحر الأحمر.
أعلن الجيش الأمريكي إسقاط مسيّرة إيرانية من طراز “شاهد-139” اقتربت من حاملة الطائرات أبراهام لينكولن أثناء وجودها في بحر العرب، ونُفذت عملية الإسقاط بواسطة مقاتلة “إف-35”.
البيت الأبيض أكد أن إسقاط المسيّرة جاء في إطار تصرف مناسب من القيادة المركزية الأمريكية، مشددًا على أن… pic.twitter.com/HHNYx8yvIw
— نون بوست (@NoonPost) February 4, 2026
وقد نقلت أسوشيتد برس عن مسؤول إسرائيلي أن واشنطن وتل أبيب دأبت طوال الأشهر الماضية على جمع معلومات استخباراتية دقيقة بتتبع تحركات القادة الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الإيراني، ومراقبة تجهيزاتهم العسكرية واستعدادات الحرس الثوري؛ الأمر الذي ساعدها على توجيه ضرباتها المكثفة الثلاثة، التي جاءت بالتزامن والتنسيق بين تل أبيب وواشنطن في وضح نهار أول يوم من الهجوم، والذي أودى بحياة المرشد وعدد من أفراد أسرته و40 مسؤولًا إيرانيًا رفيع المستوى، في دقيقة واحدة، في ثلاثة مواقع متباينة.
ورغم هذه المؤشرات على قرب العملية العسكرية، اتجه بعض المحللين المتفائلين إلى كون هذه التحشيدات تأتي من قبيل التهديد للحرس الثوري والبنية التحتية الإيرانية وفرض استراتيجية التفاوض تحت النار، أو على أبعد تقدير توجيه ضربات محددة لطهران لإرغامها على العودة صاغرة إلى طاولة المفاوضات وتقديم التنازلات المطلوبة من قبل واشنطن. وقد أوحى ترامب بهذا الاتجاه حين صرح بإمكانية توجيه ضربة “محدودة لطهران” حال عدم استجابتها، وعلى الجانب الآخر اعتبرت طهران أن وجود هذه التجهيزات سيُعد هدفًا مشروعًا للنيران الإيرانية حال استخدامها في أعمال عدوانية ضدها.
سردية الشرعية
تستخدم واشنطن الدبلوماسية المضللة لغايات بناء السردية الشرعية التي تسوّق بها تصعيدها على الصعيدين المحلي والدولي؛ فاستراتيجية “فعلنا ما بوسعنا” قبل “الوصول لطريق مسدود” كانت ملجأ دائمًا للإدارات الأمريكية المتعاقبة قبل انخراطها في تدخلات عسكرية خارجية.
وطوال الفترة السابقة للضربة العسكرية الأخيرة، ظلت واشنطن مجرورة بحبل تل أبيب تشير إلى “الخطر الوجودي” الذي تشكّله طهران بنظامها السياسي الحالي على مصالحها الحيوية وسلامة مواطنيها في الخارج، بل إن ترامب في إعلانه للعملية العسكرية التي أطلق عليها مسمى “عملية الغضب الملحمي” على حسابه على منصة تروث سوشال ذهب بعيدًا إلى القول بأن طهران تمتلك ترسانة عسكرية لا تهدد إسرائيل والقوات الأمريكية في الخارج فحسب، بل قادرة على إلحاق الضرر بأوروبا وبالولايات المتحدة في عقر دارها، وأن هدف هذه العملية المستمرة، وواسعة النطاق هو القضاء على المنظومة الصاروخية لطهران وصناعتها العسكرية وتحييد خطر وكلائها في الخارج حتى لا تشكل تهديدًا وزعزعة لاستقرار المنطقة.
– دعا نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس طهران لأخذ تهديدات بلاده على محمل الجد، مؤكدًا أن الخيار الدبلوماسي مفضل لكن “كافة الأدوات” مطروحة لمنع إيران من حيازة سلاح نووي.
– هذا وتنطلق في جنيف اليوم جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، بمشاركة مبعوثين… pic.twitter.com/V5tUnVdznb
— نون بوست (@NoonPost) February 26, 2026
يتضمن إعلان ترامب الذي أشار فيه إلى أن “طهران تتصرف بشكل سيئ منذ عقود”، وإلى أن واشنطن تسعى من خلال تدخلها العسكري لتصحيح مسار طويل من السلوك المزعزع لاستقرار المجتمع الدولي، وضعًا للتدخل العسكري الأمريكي في إطار تاريخي أوسع يعود لجذور الثورة الإسلامية في طهران 1979، وليس رد فعل آني على فشل المفاوضات كما روّج سابقًا، الأمر الذي يستدعي سردية أبعد نطاقًا وأدعى لحلفاء واشنطن في أوروبا والشرق الأوسط للتدخل وتحييد الخطر الفارسي في منأى عن سياسات الفعل ورد الفعل والأخذ والعطاء التي تضمنتها الأشهر الأخيرة، ما يوحي بسردية أعم وأخطر.
السردية الأشمل التي أطلقها إعلان ترامب لاقت صدىً في بيان نتنياهو الذي أعلن من جهته بدء عملية “زئير الأسد” التي تهدف لإنقاذ السلام العالمي الذي يهدده سعي إيران لامتلاك سلاح نووي. البيان الذي أتبعه آخر يوضح أن هذه العملية هي جزء من مسعى نتنياهو لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.
بينما خرجت السردية الأولى للإدارة الأمريكية متكئة على استنفاذ الأدوات الدبلوماسية دون التوصل لاتفاق وضرورة اللجوء للحل العسكري كملجأ أخير؛ ما لبثت التصريحات الأمريكية المتتالية والصادرة عن مسؤولين رفيعي المستوى أن أظهرت التضارب والمأزق الشرعي للتدخل الأمريكي.
فقد بدأت تلك التصريحات بتبرير الضربة الأخيرة بحجة أن إيران كانت تجهز صواريخها البالستية لضرب مصالح أمريكية حيوية، وأن واشنطن حالت دون وقوع تلك الضربات بهجوم استباقي رادع.
رغم أنه وفي تسريبات لاجتماع مغلق لمسؤولين في إدارة ترامب يوم الأول من مارس؛ أشار عدد من موظفي الإدارة إلى أن وكالة الاستخبارات الأمريكية لا تعتقد أن طهران كانت ستشن حربًا استباقية على قدرات واشنطن العسكرية لو لم توجه واشنطن ضربتها أولًا، وأن مخاوف الإدارة هي مجرد تخوفات عامة من برنامج طهران الصاروخي ووكلائها في المنطقة، على خلاف التصريحات المدلى بها عن نية طهران ضرب المصالح الأمريكية في الخارج، ما حدا بإدارة ترامب لتوجيه ضربتها العسكرية أولًا.
– صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن تغيير النظام في إيران قد يكون الخيار الأفضل، بينما أكد أن واشنطن لن تشن هجوما إذا تم التوصل إلى “الاتفاق الصحيح” بشأن الملف النووي.
– أشار ترمب خلال كلمة بقاعدة عسكرية في نورث كارولاينا إلى أن نهج طهران في المفاوضات النووية “صعب”، معتبرا أن… pic.twitter.com/bhkuxfCC7G
— نون بوست (@NoonPost) February 14, 2026
ثم ما لبثت التناقضات أن ظهرت على ألسنة مسؤولي الإدارة؛ إذ أثارت تصريحات مارك روبيو الأخيرة موجة عارمة من الانتقادات الأمريكية والدولية؛ حيث كشف الأخير أن توقيت الحرب جاء بضغط من حكومة نتنياهو، وأنها حرب إسرائيل بالدرجة الأولى وقد دخلتها الولايات المتحدة إلى جانب أهم حلفائها في الشرق الأوسط.
وقد توالت تصريحات مسؤولين عسكريين رفيعين حول الطبيعة الدينية للحرب الدائرة بوصفها “جزءًا من خطة الرب لعودة المسيح”، حيث تعتبر عقيدة “الهرمجدون” التي تؤمن بكون الشرق الأوسط مسرحًا للمعركة الأخيرة بين الخير والشر عقيدة متغلغلة في إدارة ترامب الحالية والعمود الفقري للمسيحية القومية الصهيونية في الولايات المتحدة.
هذه التصريحات أثارت زوبعة من الاحتجاج داخل أروقة السياسة الأمريكية وبين ظهراني الحزبين الحاكمين؛ فقد كانت حركة ماجا التي تعد القاعدة الانتخابية الأولى لترامب أولى الساخطين على هذه السردية بوصفها انشقاقًا صارخًا عن سياسة “أمريكا أولًا” التي ترفع الحركة شعارها وتم بناء عليها انتخاب ترامب لفترتيه الرئاسيتين.
كما أن ترديد شعار الحرب الدينية من قبل مسؤولين رفيعي المستوى يبدو مستهجنًا ويحيل إلى العقائد اللاهوتية التي يرفض دستور الولايات المتحدة أن تكون أساسًا للحياة العامة، ناهيك عن أن تقود السياسة الخارجية لواشنطن وتملي قراراتها المفصلية. ولم تتأخر الانتقادات الموجهة له من قبل مجلس الكنائس العالمي وعدد من الكنائس الكاثوليكية وقادة دينيين أمريكيين وعرب يرفضون صبغ الصراع بالصبغة الدينية ويعتبرونها “حربًا شريرة” تزعزع استقرار المنطقة.
وعليه فإن سردية استنفاذ الوسائل الدبلوماسية وفشل المفاوضات سرعان ما أسلمت الطريق لسرديات أكثر عنصرية وجدلاً ستجد ولا بد تحديات جمة على المستويين الدولي والأمريكي في القريب المنظور.