سبقت التقديرات لأنماط المواجهة المحتملة بين إيران والولايات المتحدة اندلاع الحرب ذاتها، إذ كشفت المناورات العسكرية المتبادلة، والتصريحات التصعيدية، والحشودات العسكرية المتدرجة، ملامح الشكل الذي يستعد كل طرف لخوض المواجهة من خلاله، وطبيعة الأدوات التي يعتزم توظيفها في إدارة الصراع.
أمريكيًا، شكّلت القوة العسكرية الصلبة والفارق الهائل في القدرات بين الجيش الأمريكي – الأقوى في العالم – وبين خصومه، الركيزة الأساسية في استراتيجية الهجوم، وقد تعزز هذا التفوق بمشاركة مباشرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يمتلك خبرة عملياتية واسعة في بيئة الشرق الأوسط، إضافة إلى ما يوصف بإحكام الإطباق الاستخباراتي والعسكري على بنية النظام الإيراني وقدراته. وعلى هذه الأرضية، دفعت الولايات المتحدة بحشد عسكري يُعد الأكبر في المنطقة منذ حرب العراق عام 2003، معتمدة على منطق التفوق الساحق لإخضاع الخصم وكسر إرادته سريعًا.
في المقابل، كانت إيران تراقب هذا الحشد العسكري منذ بداياته، وتستعد منذ سنوات لسيناريو المواجهة الذي لطالما لُوِّح به ضدها، وفي ضوء استخلاصات حرب الأيام الاثني عشر السابقة، اتخذت طهران مسارات أكثر جدية في إعداد نفسها لمواجهة واسعة النطاق، واضعةً سقفًا استراتيجيًا يقوم على إدارة مواردها العسكرية والسياسية بأكبر قدر من الكفاءة، بما يرفع كلفة الهجوم إلى حدها الأقصى.
وانطلاقًا من تقدير إيراني بأن أي هجوم واسع لن يكون مجرد ضربة محدودة، بل محاولة تستهدف في جوهرها تصفية النظام القائم أو تقويضه، تعاملت طهران مع المواجهة منذ لحظاتها الأولى بوصفها حربًا وجودية لا يمكن احتواؤها أو امتصاصها سياسيًا، بل مواجهة يجب خوضها بمنطق إطالة أمد الاشتباك ورفع كلفته إلى مستويات يصعب على الخصوم تحملها.
تأمين القيادة والسيطرة
من أبرز الاستخلاصات التي خرجت بها إيران من حرب الأيام الاثني عشر السابقة، أن الاستهداف الإسرائيلي الأمريكي المحتمل لن يقتصر على المنشآت النووية أو البنية التحتية العسكرية، بل سيركّز بدرجة أساسية على منظومة القيادة والسيطرة العسكرية والأمنية للنظام الإيراني، فقد أظهرت الضربة الافتتاحية في تلك المواجهة أن ضرب مركز اتخاذ القرار يمكن أن يخلق حالة من الارتباك العملياتي حتى لو بقيت القدرات العسكرية الأساسية سليمة.
ورغم أن طهران تمكنت آنذاك من احتواء هذا الارتباك سريعًا في إطار مواجهة محدودة، فإن التجربة كشفت وجود خلل في آليات انتقال القيادة وتوزيع المسؤوليات في حال تعرض القيادات العليا للاستهداف، إضافة إلى ثغرات في إجراءات التأمين والاتصال بين المستويات القيادية المختلفة.
وفي ضوء هذه التجربة، عمل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي خلال الفترة التي سبقت الحرب الحالية على إعادة ترتيب بنية القيادة السياسية والعسكرية للنظام، عبر إنشاء ترتيبات تضمن استمرارية منظومة اتخاذ القرار حتى في حال تنفيذ عمليات اغتيال واسعة قد تستهدف القيادات العليا، بما في ذلك رأس النظام نفسه. ووفق تقارير نشرتها منصات دولية، فقد جرى وضع آليات واضحة لانتقال الصلاحيات وتوزيع المسؤوليات داخل هرم القيادة، بما يضمن عدم حدوث فراغ في مواقع القرار الاستراتيجي.
وتشير المؤشرات الميدانية إلى أن هذه الإجراءات لم تقتصر على المستوى السياسي، بل شملت أيضًا المستويات العسكرية العملياتية، حيث جرى إعداد خطط طوارئ تفصيلية للانتقال السريع من حالة الترقب إلى حالة الحرب، مع تحديد بدائل قيادية مسبقة وفتح خطوط اتصال بديلة تضمن بقاء الارتباط بين العقل القيادي والمستوى العملياتي حتى في ظل عمليات الاستهداف أو الاغتيال.
ظهر كرجل دولة أكثر منه قائدًا عسكريًا هجوميًا، ما يجعله مرشحًا لإدارة مرحلة انتقالية دقيقة بمزيج من الصلابة والمرونة في إبقاء الأفق السياسي مفتوحًا أمام احتمالات التهدئة أو إعادة التموضع.. ماذا تعرف عن علي لاريجاني؟ pic.twitter.com/kNjBXQdPOb
— نون بوست (@NoonPost) March 3, 2026
ومع ذلك، فقد أظهرت الضربة الافتتاحية للحرب الحالية محدودية فعالية بعض إجراءات التأمين، في ضوء نجاح إسرائيل في تنفيذ سلسلة اغتيالات طالت عددًا مؤثرًا من القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية.
فقد أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي مقتل سبعة من كبار القادة العسكريين الإيرانيين خلال ما وصفه بـ”هجوم مفاجئ” استهدف موقعين كان يجتمع فيهما القادة في العاصمة طهران، وشملت الضربة قائد الحرس الثوري الإيراني، ووزير الدفاع، إضافة إلى علي شمخاني، مستشار الشؤون الأمنية لدى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
وفي السياق ذاته، نقلت شبكة “سي بي إس نيوز” الأمريكية عن مصادر استخبارية وعسكرية أن الغارات الأمريكية الإسرائيلية أسفرت عن مقتل نحو أربعين مسؤولًا إيرانيًا، في واحدة من أكبر الضربات التي استهدفت بنية القيادة العسكرية للنظام الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية، في محاولة واضحة لإحداث صدمة قيادية تُربك منظومة اتخاذ القرار في الساعات الأولى من الحرب.
لكن سرعة بدء الرد الإيراني بعد نحو ساعة واحدة فقط من الضربة الافتتاحية، عكست قدرة النظام على تفعيل خطط الطوارئ الموضوعة مسبقًا، فقد ظهر تماسك واضح بين المستوى السياسي والعسكري، تجلّى في الخطابات المتتالية التي صدرت عن رئيس مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية، إلى جانب بيانات الحرس الثوري والجيش الإيراني، وهو ما أعطى مؤشرًا مبكرًا على بقاء منظومة القيادة والسيطرة قادرة على إدارة المواجهة.
وخلال الأيام اللاحقة من الحرب، أظهرت أنماط العمليات العسكرية درجة واضحة من التماسك التنظيمي، في تطور ملحوظ مقارنة بتجربة حرب الأيام الاثني عشر، سواء في سرعة انتقال القيادة إلى الخطط العملياتية البديلة أو في انتظام وتيرة الضربات العسكرية.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الحرس الثوري اعتمد في إدارة المواجهة نظامًا شبكيًا موزعًا، جرى من خلاله توزيع محددات الاشتباك وخطط العمليات على وحدات متعددة تعمل بشكل أفقي، مع تقليص الاتصال العملياتي اليومي بينها لتقليل مخاطر الاختراق أو التتبع. ووفق هذا النمط، تُفعّل خطوط الاتصال المباشر فقط عند الضرورة القصوى، بما يضمن استمرار زخم العمليات حتى في حال تعرض بعض مراكز القيادة للاستهداف أو التعطيل.
إقليمية الحرب
منذ الأيام التي سبقت اندلاع الحرب، لوّح القادة الإيرانيون بوضوح بأن أي هجوم على إيران – مهما كان حجمه – لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل سيؤدي إلى فتح مواجهة إقليمية واسعة، وجاء هذا التهديد بالتوازي مع جولات التفاوض التي كانت تجري بوساطة عمانية فعّالة، حيث صرّح المرشد الإيراني علي خامنئي في فبراير/شباط الماضي بأن أي مواجهة مقبلة ستكون “حربًا إقليمية”.
ويعني هذا المفهوم، وفق التعريف الإيراني، عدم حصر القتال داخل الأراضي الإيرانية ومحيطها المباشر، بل نقل الاشتباك إلى ساحات متعددة في المنطقة، بما يدفع الشرق الأوسط بأكمله إلى حالة من التصعيد يصعب احتواؤها من الأطراف المعنية، سواء كدول أو ككيانات اقتصادية تعتمد على استقرار الإقليم.
ويمثل نقل الصراع إلى مستوى الاشتباك الإقليمي إعلانًا إيرانيًا واضحًا بمغادرة استراتيجية الصبر الاستراتيجي والاحتواء التي حكمت السلوك الإيراني وسلوك حلفائها في المنطقة طوال العقود الماضية، وحتى في سياق التصعيد الذي شهده الإقليم منذ عملية “طوفان الأقصى”، وما أعقبها من سلسلة عمليات عسكرية إسرائيلية بدأت بحرب الإبادة في قطاع غزة، ثم توسعت لتشمل اعتداءات متزايدة في الإقليم، ضمن مسعى إسرائيلي لحسم الصراع مع خصومه الإقليميين، وفي مقدمتهم قوى “محور المقاومة” التي تمثل الحلفاء الرئيسيين لإيران.
أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ردًا على ما نقلته صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤولين بشأن مبادرة لاستئناف المحادثات مع واشنطن عبر وسطاء من سلطنة عُمان: “لن نتفاوض مع إيران.” pic.twitter.com/1QIeCrxUzu
— نون بوست (@NoonPost) March 2, 2026
وتجاوز مفهوم الحرب الإقليمية نطاق الاشتباك العسكري، ليشمل احتمالات متعددة تمتد إلى تفعيل أدوات ضغط غير تقليدية داخل دول المنطقة نفسها، بما في ذلك أنماط الحروب الهجينة وتقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي في الإقليم. وهو ما يرفع منسوب المخاطر إلى ما يتجاوز تأثير الضربات الصاروخية الإيرانية المباشرة، ليطال توازنات الاستقرار في الشرق الأوسط بأسره.
وفي هذا الإطار، يبدو أن التقدير الإيراني ينظر إلى هذه المخاطر بوصفها ورقة ضغط استراتيجية على الولايات المتحدة، خصوصًا بعد بدء الرد الإيراني على الضربة الافتتاحية بفارق زمني محدود، انطلقت من خلاله سلسلة ضربات استهدفت إسرائيل، إضافة إلى مواقع داخل دول المنطقة، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة لخلق طبقة ضغط إضافية على واشنطن عبر حلفائها الإقليميين الذين سيسعون بدورهم إلى تجنب تحوّل أراضيهم إلى ساحات مواجهة مفتوحة، في وقت تبقى فيه الولايات المتحدة ماضية في حرب بعيدة عن أراضيها.
استهداف القواعد والمصالح
انطلاقًا من قاعدة مفادها أن عدم القدرة على ضرب الولايات المتحدة داخل حدودها يستدعي ضربها داخل حدود الشرق الأوسط، استقرت استراتيجية بنك الأهداف الذي أعدته إيران على توجيه الضربات إلى القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية المنتشرة في المنطقة منذ اليوم الأول للحرب.
وعلى نحو متوقع، ردت إيران سريعًا باستهداف مواقع عسكرية أمريكية في منطقة الخليج، فقد أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف قواعد أمريكية في قطر والإمارات، إلى جانب مراكز عسكرية وأمنية داخل إسرائيل، كما أكد استهداف مقر قيادة الأسطول الأمريكي الخامس في البحرين باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لكن الأيام اللاحقة شهدت توسعًا واضحًا في نمط الاستهداف الإيراني، إذ لم يعد مقتصرًا على القواعد العسكرية، بل امتد ليشمل منظومة المصالح الأمريكية المرتبطة بالوجود الاقتصادي والاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك منشآت اقتصادية وبنى تحتية حيوية.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى رفع كلفة الحرب على شبكة المصالح الأمريكية الواسعة في الشرق الأوسط، وبشكل خاص في منطقة الخليج، عبر تعطيل قدرتها على العمل بصورة طبيعية، وزيادة كلفة الاصطفاف الإقليمي خلف الحملة العسكرية الأمريكية.
مشاهد متداولة من حريق اندلع في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية نتجية سقوط شظايا عقب اعتراض طائرة مسيّرة إيرانية حسبما أفادت وكالة تسنيم الإيرانية. pic.twitter.com/yJDjBXGUcJ
— نون بوست (@NoonPost) March 3, 2026
ولم يتوقف الاستهداف عند هذا الحد، بل امتد ليطال قطاع الطاقة بوصفه أحد أهم مفاصل الاقتصاد الإقليمي والعالمي، فوفق القاعدة التي تسعى إيران إلى فرضها في هذه المواجهة، فإن ما يتعطل داخل إيران يمكن أن يتعطل في الشرق الأوسط بأسره. وبذلك، فإن أي تعطّل في سوق الطاقة الإيراني قد ينعكس على سوق الطاقة الإقليمي الذي يمثل بدوره المورد الرئيسي لسوق الطاقة العالمي، بما يحمله ذلك من احتمالات لاندلاع أزمة اقتصادية دولية.
وفي هذا السياق، أدت الحرب حتى الآن إلى خفض إنتاج العراق، وتوقف إمدادات الغاز القطري، إضافة إلى اضطرابات في السعودية، وحتى في إسرائيل وإقليم كردستان، حيث تعرضت عمليات استخراج الطاقة للإيقاف الجزئي أو الكلي في بعض المواقع.
وتشير مصادر خليجية إلى أن استهداف طهران لدول الخليج الغنية بالنفط يساهم في تحويل المعركة من مواجهة إقليمية إلى أزمة عالمية تهدد تدفقات النفط الدولية، وليس الأمن الإقليمي فحسب، فاقتصادات مثل السعودية وقطر والإمارات تعتمد بصورة كبيرة على استقرار المجال الجوي وممرات الشحن البحرية والتجارية، وهو ما يجعل أي تصعيد واسع النطاق عاملًا مهددًا لركائز النمو الاقتصادي في هذه الدول.
إدارة وتيرة الاشتباك والتكتيكات العملياتية
ولتحقيق أفضل النتائج العسكرية، عملت إيران على تنظيم سلوكها العسكري الدفاعي والهجومي عبر مجموعة من الخطوات التي تسمح لها بالانتقال من موقع المتلقي للهجوم إلى موقع المتحكم بجزء من مسار الحرب ووتيرتها. وقد تجلت هذه المقاربة في عدة تكتيكات عملياتية شكّلت السمة الأبرز لإدارة المواجهة:
الإعماء الراداري: ركز الحرس الثوري الإيراني في الضربات الأولى على استهداف الرادارات بعيدة المدى في عدد من دول المنطقة، بينها قطر والبحرين والإمارات والكويت والعراق، في محاولة لإضعاف منظومة الإنذار المبكر التي تعتمد عليها الدفاعات الجوية الأمريكية والحليفة.
وأعلنت مصادر دفاعية إيرانية تدمير رادار تابع لمنظومة ثاد في منطقة الرويس بالإمارات بعد إصابته بصاروخ دقيق أطلقته قوات الجو-فضاء التابعة للحرس الثوري. كما أعلنت طهران استهداف رادار أمريكي من طراز FP132 في قطر، وهو رادار بعيد المدى مخصص لرصد الصواريخ الباليستية.
وتعد هذه الرادارات عنصرًا أساسيًا في شبكة الإنذار المبكر التي تمكّن أنظمة الدفاع الجوي من اكتشاف الصواريخ والأهداف الجوية في مراحل مبكرة. ولذلك فإن استهدافها يهدف إلى تقليص قدرة الدفاعات الجوية على اكتشاف التهديدات في الوقت المناسب، وتقليل زمن الاستجابة المتاح لها، ما يزيد احتمالات اختراق الصواريخ للأجواء المستهدفة.
تصعيد المخاطر على حاملات الطائرات: تشكل حاملات الطائرات أحد أهم أدوات القوة الأمريكية في أي مواجهة مع إيران. وتدير الولايات المتحدة أكثر من اثنتي عشرة قطعة بحرية في المنطقة، بينها حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln العاملة في بحر عُمان، إضافة إلى حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford المنتشرة في البحر المتوسط.
– أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” بأربعة صواريخ باليستية.
– تُعد “لينكولن” واحدة من حاملتي طائرات أرسلتها واشنطن إلى المنطقة مؤخرًا، وهي الأقرب نسبيًا إلى السواحل الإيرانية. pic.twitter.com/AB7rjzJt8v
— نون بوست (@NoonPost) March 1, 2026
وقبيل الحرب، لوّح المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بإمكانية استهداف هذه الحاملات، معتبرًا أن أخطر ما يواجهها هو السلاح القادر على إغراقها.
ورغم أن إغراق حاملة طائرات أمريكية يبقى احتمالًا نادرًا في التاريخ العسكري، فإن مجرد التهديد به يمثل سيناريو شديد الحساسية للجيش الأمريكي. فإصابة حاملة طائرات – حتى دون إغراقها – قد تمثل ضربة معنوية وعسكرية كبيرة، إضافة إلى كونها مكسبًا دعائيًا مهمًا لإيران.
وفي هذا السياق أعلن الحرس الثوري استهداف حاملة الطائرات لينكولن بأربعة صواريخ كروز، مشيرًا إلى أن الحاملة اضطرت إلى الابتعاد عن موقع عملياتها، في حين قالت الولايات المتحدة إن الصواريخ لم تتمكن من الاقتراب منها. ورغم تضارب الروايات، فإن مجرد كشف موقع الحاملة واستهدافها يعكس تصعيدًا في مستوى المخاطر التي تواجهها القطع البحرية الأمريكية في المنطقة.
رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة: تراهن إيران أيضًا على رفع الكلفة الاقتصادية والعسكرية للحرب على الولايات المتحدة. وتشير تقارير إعلامية إلى أن واشنطن أنفقت نحو 779 مليون دولار خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى من هجومها على إيران.
كما كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن تكلفة الحشد العسكري الأمريكي الذي سبق الحرب، بما في ذلك نشر السفن الحربية والطائرات في المنطقة، بلغت نحو 630 مليون دولار. وبحسب مركز الأمن الأمريكي الجديد، فإن تشغيل مجموعة حاملة طائرات ضاربة مثل يو إس إس جيرالد فورد يكلّف نحو 6.5 ملايين دولار يوميًا.
وتشير تقديرات إلى أن استمرار الحرب لأسابيع قد يؤدي إلى استنزاف مخزون الأسلحة الأمريكية، خصوصًا مع ارتفاع كلفة الصواريخ المستخدمة في العمليات، فصاروخ توماهوك يتجاوز سعره مليون دولار، بينما تبلغ تكلفة صاروخ باتريوت نحو أربعة ملايين دولار، في حين تصل تكلفة صاروخ ثاد إلى نحو 13 مليون دولار.
وفي هذا السياق تعمل إيران على توسيع نطاق الضربات الصاروخية جغرافيًا، من الخليج حتى الأراضي الفلسطينية وقبرص، بما يفتح مساحة واسعة لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي الأمريكية والحليفة.
إدارة الموارد النارية: تعتمد إيران في إدارة مواردها العسكرية على مبدأ إطالة أمد القتال والاستخدام الأمثل للقدرات النارية المتاحة، وتتركز قوتها الهجومية أساسًا في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
وخلافًا لما جرى في حرب الأيام الاثني عشر، يبدو أن إيران تتجنب الاستخدام المكثف لصواريخها متوسطة المدى مثل شهاب-3 وعماد وقدر وسجيل، مفضلة الاعتماد بدرجة أكبر على الصواريخ قصيرة المدى التي يتراوح مداها بين 150 و800 كيلومتر مثل عائلة فاتح وذو الفقار وقيام، وتتميز هذه الصواريخ بإمكانية إطلاقها في رشقات متتالية تقلص زمن الإنذار المبكر لدى الخصم، ما يزيد صعوبة اعتراضها.
مسيرة إيرانية تستهدف منشأة تابعة لشركة أرامكو النفطية السعودية في رأس تنورة ورويترز تنقل عن مصادر إغلاق مصفاة تابعة لها كإجراء احترازي. pic.twitter.com/JKAvUiwvjU
— نون بوست (@NoonPost) March 2, 2026
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن معظم الهجمات التي استهدفت الخليج وأربيل ضمن عملية الوعد الصادق 4 اعتمدت بصورة أساسية على صواريخ فاتح-110 قصيرة المدى، وهي صواريخ تمتلك إيران مخزونًا كبيرًا منها يسمح بمواصلة الهجمات لفترات طويلة.
إشراك تدريجي للحلفاء: سبق للقوى الحليفة لإيران في المنطقة، المنضوية ضمن محور المقاومة، أن أرسلت إشارات حول استعدادها للانخراط في أي مواجهة مع طهران، إلا أن مشاركتها جاءت تدريجيًا ومتوافقة مع إيقاع العمليات الإيرانية.
فقد بدأت الفصائل العراقية بالهجمات الأولى عبر استهداف مواقع عسكرية أمريكية في العراق وأربيل، قبل أن يلتحق حزب الله اللبناني بالمواجهة بعد إعلان اغتيال المرشد الإيراني، حيث بدأ الاشتباك برشقات صاروخية محدودة ثم تصاعد تدريجيًا.
في المقابل، برز تأخر انخراط جماعة أنصار الله الحوثيين رغم إعلانها الاستعداد للتدخل، ما يشير إلى أن مشاركتها قد تكون مرتبطة بتوقيتات عملياتية يجري تنسيقها مع الحرس الثوري الإيراني. ويسهم انضمام حلفاء إيران في توسيع نطاق الاستنزاف للقدرات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية، كما يشتت الجهد العسكري والاستخباراتي، ويخفف الضغط عن الترسانة الإيرانية المباشرة.
ختامًا، تكشف أنماط الاشتباك التي اتبعتها إيران في هذه الحرب أن هدفها لا يتمثل في تحقيق حسم عسكري تقليدي بقدر ما يتمثل في إعادة صياغة معادلة الكلفة في الصراع، فبدل مواجهة التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي مباشرة، تسعى طهران إلى توسيع مساحات الاستنزاف وتعقيد مسرح العمليات، بما يحول الحرب من ضربة مركزة إلى أزمة إقليمية متعددة المستويات.
وفي الوقت الذي تبحث فيه الولايات المتحدة وإسرائيل عن “نصر” واضح المعالم، تبدو إيران معنية بتحقيق إفشال حقيقي لأهداف الحرب، خصوصًا ما يتعلق بالحفاظ على بنية النظام قائمًا وعدم تقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر الاستراتيجية التي حكمت نظام الثورة الإسلامية لعقود. وبذلك تبدو هذه الحرب، في أحد وجوهها، اختبارًا لقدرة كل طرف على تحمّل كلفة الاستمرار أكثر مما هي سباقًا لتحقيق ضربة حاسمة سريعة.