شكل اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي نقطة تحول تاريخية في مسار الجمهورية الإسلامية، ليس فقط من حيث البنية القيادية للنظام، بل من حيث فلسفة إدارة الصراع الخارجي. فإيران، التي بُنيت استراتيجيتها العسكرية منذ عام 1979 على مفهوم “الصمود الثوري” و”الحرب غير المتماثلة”، وجدت نفسها فجأة أمام اختبار وجودي مباشر مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
ما إن استوعبت إيران مرحلة ما بعد خامنئي، حتى شرعت تعيد إنتاج نفسها من جديد، وتحديدًا على المستوى العسكري الذي يبدو اليوم أنه أصبح يتجه لنهايات غير واضحة، وبدأت ملامح الحرب تتضح شيئاُ فشيئًا، فهي لم تعد حربًا قائمة على الحسم العسكري السريع، بل حرب قائمة على كسر إرادة العدو وإجباره على عدم مواصلة القتال، إذًا هي حرب ذات أبعاد شاملة، لم تعد محصورة في ميدان القتال.
جاء المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اليوم الثالث من الحرب، ليوضح طبيعة الرؤية الأمريكية من الحرب الحالية، إذ قال ترامب “نتوقع أن نخوض حربًا قد تستمر لعدة أسابيع”، وهو بذلك يحاول أن يرسل رسالة واضحة للداخل الأمريكي بأن الهجوم على إيران لم يكن بالسهولة المتوقعة، وإن على الكونغرس الأمريكي أن يهيأ نفسه لمنح تفويض حرب من أجل إزالة التهديد الذي تتعرض له الولايات المتحدة اليوم.
وفي مقابل ذلك، برز الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وباعتباره الحاكم الفعلي لإيران ما بعد خامنئي، ليقول إن “إيران مستعدة هي الأخرى لحرب طويلة”، ليعزز بذلك قناعة ترامب بأن الذهاب نحور حرب طويلة، وبلا نهايات واضحة، هي رغبة إيرانية قبل أن تكون أمريكية، وعلى إدارة ترامب أن تتحمل تبعات ذلك.
من الحرب الإقليمية إلى الحرب متعددة الساحات
كان الاستعداد العسكري الإيراني مبنيًا بالأساس على خوض صراع طويل الأجل مع الولايات المتحدة، وهذا الاستعداد توضح بشكل جلي حتى في مرحلة ما قبل الحرب الأخيرة، عندما وضع خامنئي التصور النهائي للحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، من خلال إعداد قائمة طويلة تتضمن خيارات بديلة لكل قائد عسكري أو مسؤول سياسي سيتم اغتياله خلال الحرب، كما وضع خطة عسكرية قائمة على استيعاب أكبر قدر ممكن من الخسائر، انطلاقًا من مبدأ (الحرب الوجودية) مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
تقوم التقديرات العسكرية الإيرانية الحالية على الانتقال من (إقليمية الحرب) إلى (عالمية الحرب) مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ انتقلت إيران عمليًا ومع اليوم الثالث من الحرب، من استهداف العواصم الخليجية والمواقع العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى الإعلان عن إغلاق مضيق هرمز، وتهديد ناقلات النفط الدولية، وهو ما استدعى انخراط كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا، فضلًا تحريك الساحات الإقليمية، وتحديدًا العراق ولبنان، والهدف من ذلك هو تشظية الصراع الحالي، لتكون تأثيراته تشمل الجميع.
السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام يدعو ترامب إلى الانضمام إلى “إسرائيل” في قصف لبنان pic.twitter.com/th289BFDgr
— نون بوست (@NoonPost) March 4, 2026
وعبر هذا التحول تعمل إيران على جعل الجميع يتحمل تكاليف هذه الحرب، فهي إذا لم تكن قادرة على إنتاج توازن عسكري في ميدان القتال مع إدارة ترامب، فإنها قادرة على جعل إدارة ترامب تتحمل تكاليف سياسية واقتصادية جراء هذه الحرب، وهذا بالأساس يندرج ضمن سياسة (الحرب الطويلة) التي عبر عنها لاريجاني بشكل واضح، إذ تطمح إيران وعبر هذا السلوك إلى تحفيز دوائر صنع القرار الإقليمي والدولي لممارسة ضغوط سياسية مضاعفة على إدارة ترامب من أجل إيقاف الحرب، وبالتالي الحصول على نصر معنوي، يمثل ضربة قوية لشعار (إسقاط النظام) الذي رفعه كل من ترامب، ورئيس والوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع بدء الحرب الحالية على إيران.
النصر السياسي وليس الحسم العسكري
تدرك إيران جيدًا فارق القوة بينها وبينها عدويها، ولذلك عملت على توظيف مفردات القوة العسكرية القادرة على إعادة تشكيل مدركات ترامب من هذه الحرب، فهي تحاول الموازنة بين الأهداف السياسية والعسكرية من الصراع الحالي، تارةً عبر نقل المواجهة للبحر من خلال استهداف الناقلات والمنصات النفطية، وتارةً عبر استهداف العواصم الخليجية وتارةً ثالثة عبر إدخال أجيال جديدة من الصواريخ بعيدة المدى خلال عمليات القصف التي تطال الكيان الإسرائيلي، وهي بذلك ترغب في إرسال عدة رسائل سياسية ذات طابع عسكري، بأنها حاضرة في أكثر من ميدان في آن واحد.
ورغم إن مثل هذا السلوك العسكري قد يحفز العديد من العواصم الخليجية والأوروبية على الانخراط في الحرب الحالية، وقد نكون أمام تحالف دولي قد يتشكل بأي لحظة ضد إيران، إلاّ أن مثل هذا السيناريو لا يزال مستبعد حتى الآن، وإن كانت طبيعة الردود والهجمات الإيرانية قد تساعد على تسريع تشكله بأي لحظة، من خلال خلق مظلة ردع دولية تثني إيران عن مواصلة حربها المفتوحة على الجميع.
– كسر دونالد ترامب الأرقام القياسية في العصر الحديث بإصدار أوامر لضربات عسكرية استهدفت 7 دول، من بينها إيران ونيجيريا وفنزويلا التي لم تُستهدف أمريكيًا من قبل، ليتجاوز في عام واحد معدل الضربات الجوية التي نفذها بايدن في أربع سنوات.
– أطلق ترامب “عملية الغضب الملحمي” كحملة… pic.twitter.com/4Gi70s9rrk
— نون بوست (@NoonPost) March 3, 2026
مما لاشك فيه إن إيران تجد نفسها في موقف صعب للغاية، فهي ورغم قدرتها على خوض صراع مفتوح مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن هذا لا يعني أنها سوف لن تتحمل تكاليف ذلك في المستقبل، فهي عمليًا أصبحت اليوم في موقف غير مرغوب به إقليميًا، ورغم أن مثل هذا السلوك الإيراني قد يعود في جزء كبير منه إلى سوء تقدير إدارة المشهد العسكري بعد خامنئي، بسبب شدة الصدمة التي تعرضت لها إيران، وحالة الارتباك التي تسيطر على المنظومة السياسية الإيرانية الحالية، والتي تدور ما بين ترتيب البيت الداخلي وحسابات المواجهة مع الخارج، إلاّ إن ذلك لا يمنع من القول بأن إيران ستحتاج لسنوات طويلة من أجل أن تعيد ثقة دول الإقليم بها.
#إيران تتلقى الضربة…#حزب_الله يتخلى عن الحياد ويتحرك عمليًا…#العراق يشتعل بين المطرقة والسندان… و #اليمن يترقب المشهد بحذر
هل بدأ فصل جديد من حرب إقليمية مفتوحة؟#أمريكا#إسرائيل#علي_خامنئي https://t.co/rvHkJRtyQh— نون بوست (@NoonPost) March 3, 2026
وفي هذا السياق يمكن القول بأن إيران تبحث عن حرب تُفشل من خلال شعار (إسقاط النظام) الذي يحاول ترامب ونتنياهو جعله الهدف النهائي لهذه الحرب، كما إنها تطميح لفرض معادلة ردع جديدة تطال جميع الدول التي تعتبرها إيران سببًا بوصول الأوضاع عند هذه النقطة، الدول الخليجية (كساحة لانتشار القوات الأمريكية)، والدول الأوروبية (باعتبارها وسيطًا غير نزيه وشريك إستراتيجي للولايات المتحدة)، والأهم إثبات إن إيران لم تتأثر بغياب المرشد الأعلى عن المشهد السياسي، وإنها حاضرة بقوة في الميدان العسكري، وبالتالي فإنها تبحث عن سيناريو حرب يضمن بقاء النظام صامدًا، لا بعدد الأهداف التي تسعى لتدميرها والمصالح التي يمكن ضربها.
التاريخ يحضر في الحرب الحالية
تنظر إيران إلى حربها مع العراق في ثمانينات القرن العشرين، على أنها حرب يجب أن تكون حاضرة في العقل العسكري الإيراني في أي صراع تخوضه إيران في المستقبل، فهذه الحرب عززت لدى إيران فلسفة (الصبر الإستراتيجي)، خصوصًا وإنها تعتبر حربها اليوم مع الولايات المتحدة وإسرائيل شبيهة بحرب الأمس، من حيث الظروف والمعطيات، فهي كانت تعاني من حصار عسكري واقتصادي، ومن عزلة سياسية، وبالتالي فإن درس الحرب مع العراق يجب أن يكون حاضرًا في حربها الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
تتصاعد المواجهة الإقليمية بعد دخول حـز.ب الـله الحرب مع “إسرائيل”، مع تحركات متوازية لوكلاء إيران بين التصعيد المباشر والترقب الحذر pic.twitter.com/X9WWhMnxyG
— نون بوست (@NoonPost) March 4, 2026
إجمالًا تسعى إيران في حربها الحالية إلى تحويلها لصراع عالي الكلفة على المستوى الاقتصادي والسياسي، ومنع ترامب من تحقيق نصر سريع وحاسم، والأهم تجعل إسرائيل لا تفكر في خوض حرب جديدة معها في المستقبل القريب، ولكن الخطر الإستراتيجي هنا، هو إنه كلما توسع نطاق الحرب، كلما زادت مؤشرات انخراط دول أخرى فيها، وهو ما يطرح بدوره تساؤلًا مهمًا (هل إيران مستعدة لمثل هذا السيناريو؟).
إن الحرب التي تريدها طهران مع إدارة ترامب، هي لسيت حرب من جولة واحدة، أو ميدان واحد، هي حرب يجب أن يكون المتفوق فيها عسكريًا، خاسر فيها سياسيًا واقتصاديًا، هي حرب لا يجب أن تحدد مستقبل العلاقة مع واشنطن و”تل أبيب”، بل تعيد تشكيل منطقة الشرق الأوسط من جديد.
