مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تتكشف أبعاد أزمة جيوسياسية بالغة التعقيد تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتضرب تمامًا في صميم التحالف عبر الأطلسي.
فلم تقتصر ارتدادات هذه المواجهة على الأهداف العسكرية، بل امتدت لتحدث زلزالًا سياسيًا غير مسبوق بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. فما مواقف دول أوروبا من الحرب ومدى استعدادها للتدخل عسكريًا؟
في هذا التقرير نرصد المواقف الأوروبية من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران:
1- رفض إسباني وتهديد بالعقوبات
شكلت إسبانيا رأس الحربة في المعارضة الأوروبية للتوجهات الأمريكية، حيث اتخذ رئيس الوزراء بيدرو سانشيز موقفًا حازمًا برفض الانخراط في النزاع، رافعًا شعار “لا للحرب”.
تُرجم هذا الموقف عمليًا من خلال إعلان مدريد الصريح رفضها القاطع لاستخدام الولايات المتحدة لقواعدها العسكرية المشتركة في “روتا” و”مورون” لتوجيه ضربات قتالية نحو إيران.
وقد حذر سانشيز من أن هذا التصعيد العسكري يمثل “لعبة روليت روسية بمصير الملايين”، مشددًا على أن بلاده لن تكون شريكة في تصعيد يخالف المواثيق الدولية.
هذا الموقف أثار غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي شن هجومًا لاذعًا على مدريد واصفًا إياها بأنها “حليف فظيع”.
لم يكتفِ ترامب بالتصريحات، بل أعلن أنه أصدر أوامر لوزير الخزانة بقطع كافة العلاقات التجارية مع إسبانيا، مستغلًا امتناع مدريد عن رفع إنفاقها الدفاعي ضمن حلف شمال الأطلسي “الناتو” إلى 5%.
وفي مواجهة هذا الابتزاز الاقتصادي، تدخلت المفوضية الأوروبية سريعًا لتؤكد حمايتها لمصالح التكتل، ما ينذر باشتعال حرب تجارية طاحنة بين ضفتي الأطلسي.
2- تحرك فرنسي مستقل
على النقيض من الانقياد المعتاد، اختارت فرنسا مسارًا يعكس رغبتها التاريخية في الحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية.
إذ أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون صراحةً أن العمليات العسكرية التي شنتها واشنطن و”تل أبيب” جرت “خارج إطار القانون الدولي”.
وأكد أن باريس لا يمكنها القبول بالأعمال العسكرية الأمريكية الإسرائيلية أحادية الجانب والتي تزعزع استقرار المنطقة بأسرها وتدفع نحو المجهول.
وفي ترجمة عسكرية لهذا الموقف السياسي، وجه ماكرون بتحريك حاملة الطائرات “شارل ديغول” إلى البحر الأبيض المتوسط، بالتوازي مع تعزيز الدفاعات الجوية الفرنسية في قبرص لحماية المصالح الأوروبية حصرًا.
هذا التموضع الفرنسي يعكس استراتيجية أعمق تهدف إلى استغلال الأزمة للدفع نحو “استقلالية استراتيجية” أوروبية حقيقية، بعيدًا عن المغامرات العسكرية الأمريكية المتهورة، وهو ما يسرع فعليًا من وتيرة تآكل الثقة المؤسسية بين باريس وواشنطن.
3- تردد بريطاني وتهكم أمريكي
وجدت حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسها عالقة بين ضغوط التحالف التاريخي “الخاص” مع واشنطن، والالتزامات القانونية والأخلاقية الضاغطة.
ففي الأيام الأولى للعمليات، امتنعت لندن عن منح واشنطن الإذن باستخدام قواعدها الاستراتيجية، وتحديدًا قاعدة “دييغو غارسيا” وقواعدها الجوية في قبرص، متحدثة عن مخاوف جدية حول شرعية الضربات.
ورغم أن بريطانيا تراجعت متأخرًا وسمحت باستخدام منشآتها بشكل محدود لأغراض تتعلق باعتراض الصواريخ والدفاع، إلا أن هذا التردد كان كافيًا لتفجير أزمة ثقة عميقة.
فقد سخر ترامب علنًا من ستارمر، قائلًا في تصريح إعلامي: “نحن لسنا نتعامل مع وينستون تشرشل هنا”، معربًا عن خيبة أمله العميقة من تأخر بريطانيا.
وشدد ترامب بقسوة على أنه ليس بحاجة فعلية لمساعدتهم لشن حرب في الشرق الأوسط، ما يعكس نظرة استعلائية تضرب جوهر التحالف الوثيق الذي لطالما ربط البلدين، وتُنذر بتهميش الدور البريطاني لاحقًا.

4- قيود دستورية في ألمانيا
في برلين، سيطر الحذر التام على المقاربة الألمانية التي عبر عنها المستشار فريدريش ميرتس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن.
أشار ميرتس بوضوح إلى أن الخطط العسكرية لإحداث تغيير سياسي في طهران “لا تخلو من مخاطر وتداعيات بالغة”، معربًا عن شكوكه في قدرة القوة العسكرية وحدها على فرض واقع جديد دون جر المنطقة لحرب إقليمية شاملة.
ومن الناحية العملية، قيدت ألمانيا أي حديث عن انخراط عسكري بضرورة الحصول على موافقة مسبقة من البرلمان الألماني (البوندستاغ)، متمسكة بالأطر الدستورية الصارمة.
وفي حين بدا ميرتس مرنًا في تقبل الضغوط الأمريكية المطالبة بزيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء الأوروبيين، إلا أنه حافظ على مسافة آمنة تمنع تورط بلاده في صراع مفتوح قد يرتد عكسيًا على أمن الطاقة والاقتصاد الألماني.
5- إيطاليا لن ترسل قوات
إيطاليا، بحكم موقعها الجغرافي واعتمادها النسبي على واردات الطاقة، تنظر إلى الأزمة من زاوية تأثيرها المباشر على الاستقرار المتوسطي.
وعبرت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن قلقها البالغ، واضعة الأزمة في سياق انهيار شامل للقانون الدولي بدأ مع حرب أوكرانيا، وطالبت في الوقت ذاته طهران بوقف هجماتها على دول الخليج.
وبدوره، قال ماتيو سالفيني نائب رئيس مجلس الوزراء إن “إيطاليا ليست في حالة حرب مع أحد، وقد أكدت دائمًا أنها لن ترسل قوات إلى أوكرانيا، وأتصوّر أنها لن ترسل قوات إلى إيران أيضًا”.
وأردف: “دعم تحالف الدول الحرة والغربية شيء، وإرسال جنود إلى ساحة حرب أمر آخر، وهذا ليس ضمن الخطة”. وواصل القول: “المشكلة تتعلق بحياة الناس في إيطاليا والعالم، وبالنسبة لي تبقى الدبلوماسية دائمًا الطريق الأمثل”.
6- أزمة تناقضات داخل التكتل الأوروبي
بالتوازي، برزت تناقضات حادة بين مؤسسات التكتل الغربي ذاته؛ فقد حذرت الممثل الأعلى للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، من تدهور الوضع الدبلوماسي مطالبة بضبط النفس.
ووصفت كلاس الوضع في الشرق الأوسط بـ”الخطير”، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي يعمل بالتنسيق مع الشركاء العرب لاستكشاف مسارات دبلوماسية تهدف إلى تهدئة التوتر.
فيما سارع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، إلى الإشادة بالعمليات الأمريكية التي استهدفت القدرات النووية والصاروخية لإيران.
هذا التخبط بين دعوات التهدئة الأوروبية وتأييد الناتو يعكس أزمة هيكلية حادة في صياغة سياسة خارجية وأمنية أوروبية موحدة.
إعادة تعريف العلاقات عبر الأطلسي
لم تكن المواقف الأوروبية من الصراع الأخير مفاجئة، فمنذ نهاية 2025، وجدت أوروبا نفسها تعيد تقييم علاقتها بواشنطن بعد عام واحد من عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ظهر فيه توتر متعدد الجبهات: أمنًا (أوكرانيا والناتو)، واقتصادًا (حرب الرسوم).
هذا الواقع تجلى عمليًا في مواقف إدارة ترامب منذ أيامها الأولى. ففي يوليو/تموز 2025، عندما اجتمع ترامب برئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين بأسكتلندا، لم يكن اللقاء وديًا أو رمزيًا كما اعتادت ضفتا الأطلسي، بل جاء تتويجًا لأشهر من التوتر والندية الصارخة. فماذا فعل؟
- شكّك ترامب في جدوى حلف “الناتو” بالنسبة لأمريكا ولوّح بإمكانية تجاهل مبدأ الدفاع المشترك.
- أعاد إحياء فكرة شراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك كأنها سلعة معروضة.
- لم يتردد في فرض رسوم جمركية عقابية على واردات الاتحاد الأوروبي وبريطانيا.

ذروة الصدمة الأوروبية جاءت في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مع صدور إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية التي قدّمت أوروبا كشريك ضعيف يجب “إعادة تشكيله”، وأكدت أن زمن اعتماد العالم على الولايات المتحدة كـ”عملاق للنظام الدولي” انتهى، مطالبةً الأوروبيين بتحمل عبء دفاعهم.
وانتقلت الأزمة إلى الاقتصاد عندما أعلن ترامب في أبريل/نيسان 2025 رسوما واسعة شملت واردات الاتحاد الأوروبي (20%) ورفع رسوم الصلب والألمنيوم (25 ٪ ثم 50 ٪).
أمام هذه الصدمة، اتخذ الاتحاد إجراءات مضادة شملت قوائم رسوم انتقامية على بضائع أمريكية بقيمة 72 مليار يورو، وهددت بروكسل باستخدام “أداة مكافحة الإكراه” الجديدة ضد الولايات المتحدة.
لكن اعتماد أوروبا الأمني على واشنطن في خضم حرب أوكرانيا قلّص هامش مناورتها، لتنتهي الأزمة بصفقة في يوليو/تموز 2025 وصفها قادة أوروبيون بأنها مذلة وتمثل إذعانًا صريحات لواشنطن. وقد تضمنت ما يلي:
- ألغى الاتحاد الأوروبي معظم رسومه الصناعية أمام المنتجات الأمريكية.
- أبقت واشنطن رسومًا بنسبة 15% على الصادرات الأوروبية (ثلاثة أضعاف ما كانت قبل الحرب التجارية).
- وافق الأوروبيون على ضخَّ استثمارات بـ 600 مليار دولار في أمريكا، وشراء ما قيمته 750 مليار دولار من الطاقة الأمريكية بحلول 2028.
ولذلك فإن الانقسامات التي نشهدها اليوم ليست مجرد اختلافات تكتيكية أو تبادل للتصريحات الدبلوماسية، بل تمثل شرخًا بنيويًا يهدد منظومة التحالف الغربي برمتها.
فالحرب المفتوحة على إيران، والتي جرت دون غطاء من مجلس الأمن، دفعت الخبراء إلى وصف المرحلة الحالية بـ”التمزق العظيم” للنظام العالمي.
ويأتي ذلك ضمن مسار إدارة ترامب باختيار فرض سياسة الأمر الواقع، متجاهلة تحفظات القارة العجوز، ومستخدمة لغة التهديد الاقتصادي لتركيع حلفائها بدلاً من التشاور معهم.