هل تتجه دول الخليج نحو الانخراط العسكري المباشر ضد إيران؟ سؤال يفرض نفسه مع توسّع ردّ طهران على الضربات الأمريكية الإسرائيلية ليطال بنى تحتية مدنية وعسكرية في تلك البلدان، من مواقع الطاقة والموانئ إلى المطارات.
وفي الأيام الأخيرة تضاربت الإشارات بين دعوات التهدئة وتجنّب الانزلاق، وبين خطاب يؤكد “حق الدفاع” وضرورات الردع. لكن أي انتقالٍ من التصدي إلى الردّ المباشر قد يفتح سابقةً سياسية حساسة تتمثل بما يمكن النظر إليه على أنه “اصطفاف عملي في نفس الأهداف مع إسرائيل”.
نبرة متغيرة
بدأت النبرة الخليجية في التغير بعد شروع إيران بالانتقال من قصف القواعد والمصالحة الأمريكية في دول مجلس التعاون والانتقال إلى المطارات والموانئ ومنشآت النفط الحيوية.
وأمام هذا التصعيد، تدرس بعض الدولة الخليجية ومنها الإمارات والسعودية “المشاركة الفعلية” في ضرب إيران، بعدما تعرضت للهجوم، وفق ما نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مصادر عربية في 2 مارس/آذار.
تقرير آخر للموقع ذكر أن الإمارات تفكر في عمل عسكري وأن مسؤولين إسرائيليين يعتقدون بأن السعودية قد تتخذ خطوات مشابهة، كما أشار إلى أن قطر أسقطت مقاتلتين إيرانيتين وأن الكويت والبحرين وعُمان كانت هدفًا لضربات متكررة.
ودفعت الهجمات الأخيرة، الإمارات إلى استدعاء سفيرها من طهران وإغلاق سفارتها هناك، ووصفها للضربات بأنها “أعمال إرهابية”، فيما قال الناطق باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن الدوحة سترد “إذا استمرت الهجمات”، لكنه لم يحدد شكل الرد
في الأثناء، أعلن جهاز أمن الدولة القطري عن تفكيك خليتين تجسسيتين تتبعان للحرس الثوري الإيراني، وإلقاء القبض على عشرة مشتبه بهم اعترفوا بجمع إحداثيات عن منشآت حيوية وعسكرية، وتلقي تدريبات لتنفيذ عمليات تخريبية بالطائرات المسيرة.

يمثل هذا الإعلان خروجًا عن لغة الدبلوماسية الهادئة المعتادة، ويبرز تغليب منطق الأمن الداخلي الصارم على محاولات التهدئة.
وفي السعودية، بعد استهداف السفارة الأمريكية في الرياض بصاروخ إيراني في 2 مارس/آذار، أعلن مجلس الوزراء السعودي أن المملكة “ستتخذ كل الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنها وحماية أراضيها”، في نبرة تلمح إلى الحق في الرد.
في اليوم نفسه عقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا، وفعّلوا المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة حول الدفاع الجماعي، وحدّدوا “خطوطًا حمراء” لإيران واعتبروا استمرار الهجمات سببًا لتحويل الخليج من “درع دفاعي” إلى “ساحة رد فعل”.
هذا الموقف يشير إلى أن دول الخليج باتت تنسق دفاعًا مشتركًا وتلمح إلى رد جماعي إذا استمرت الضربات، وخاصة أن بيانات الإدانة لمعظم دول الخليج أصبحت تتحدث عن حق الرد.
دعوات للتهدئة
في المقابل، نقل موقع ميدل إيست آي البريطاني عن مصادر خليجية قولها إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حثّ قادة البحرين والكويت وقطر والإمارات على عدم اتخاذ خطوات قد تثير إيران، داعيًا إلى تجنب التصعيد.
وأشار التقرير إلى اتصالات لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان مع نظرائه في الخليج للتأكيد على وحدة الموقف والدعوة للتهدئة.
وغرد السياسي والمسؤول القطري السابق حمد بن جاسم بالقول: “يجب على دول مجلس التعاون ألا تُجَرَّ ولا تنزلق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رغم أنها انتهكت سيادة دول المجلس وكانت البادئة بالهجوم على دولنا”.
وأردف: “يجب أن يكون هناك موقف (من الهجوم) ولكن ورغم كل شيء فيجب علينا في دول المجلس أن نمعن النظر في هذا الأمر بأبعاده المختلفة، فهناك قوى تريد أن تشتبك دول المجلس مباشرة مع إيران”.
وذكر أن تلك القوى “تعلم أن الاشتباك الحالي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى سينتهي، ولكن الاشتباك المباشر بين دول المجلس وإيران إن وقع سيستنزف موارد الطرفين وسيتيح الفرصة لقوى كثيرة للتحكم بنا بحجة مساعدتنا للخروج من الأزمة ووقف الاستنزاف”.
وأوضح أنه “بعد انتهاء المعركة التي أريد لها أن تندلع قبل انتهاء مفاوضات السلام، ستكون هناك قوى جديدة وسيكون لإسرائيل سطوة على منطقتنا. ومن هنا فإنه ليس أمام دول المجلس إلا أن تكون يدا واحدة موحدة لمواجهة أي اعتداء، ورفض أي محاولة لفرض الإملاءات عليها وابتزازها”.
استتباعا لما نشرته بالأمس أقول إنه يجب على دول مجلس التعاون ألا تُجَرَّ إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رغم أن إيران انتهكت سيادة دول المجلس وكانت البادئة بالهجوم على دولنا، وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها إيران على عمل كهذا على الاقل بالنسبة لنا نحن في قطر. وهذا ليس بالنقيض…
— حمد بن جاسم بن جبر (@hamadjjalthani) March 1, 2026
وبدوره، أكد الأمير تركي الفيصل الرئيس الأسبق للاستخبارات السعودية لـ”سي إن إن” أن هذه “حرب نتنياهو وأن السعودية لا يجب أن تُجر إلى الصراع.
“انسوا التطبيع تمامًا”.. رئيس جهاز الاستخبارات السعودية السابق، أمير الفيصل، يصف الحرب المشتركة على إيران بأنها حرب نتنياهو، منوّهًا إلى عدم إمكانية التطبيع بين المملكة والكيان وذلك في مقابلة مع قناة “سي إن إن” الأمريكية. pic.twitter.com/kvKVNteyzf
— نون بوست (@NoonPost) March 5, 2026
فيما قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن “أحد أهداف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، دق إسفين بين طهران ودول الخليج”.
سابقة حساسة
إذا ما قررت دول الخليج الانخراط العلني والهجومي في الحرب، فإنها ستخلق واقعًا جيوسياسيًا بالغ التعقيد؛ وهو القتال المباشر ضد جار إسلامي ضمن ائتلاف أو مسرح عمليات تتقاطع فيه المصالح وتتشارك فيه الأهداف تكتيكيًا مع “إسرائيل”.
وتشكل الحرب الحالية أول اختبار لدمج “إسرائيل” في القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، وفقًا لضابط أمريكي سابق تحدث لصحيفة جيروزاليم بوست.
وبين أن واشنطن و”تل أبيب” غيّرتا قواعد اللعبة وجعلتا الجيوش العربية تتدرب وتخطط مع “إسرائيل”، والآن تُنفَّذ هذه الخطط، حيث تعمل مئات الطائرات الأمريكية والإسرائيلية والخليجية في المجال الجوي نفسه، وفق تعبيره.
ويعتبر بعض المسؤولين في “إسرائيل” أن الحرب الحالية فرصة لدمج الخليج في تحالف أمني طويل الأمد يتجاوز القضية الفلسطينية، وفق الصحيفة الإسرائيلية.

لكن، يحمل هذا الاصطفاف حال حدوثه كلفة رمزية باهظة، لاسيما بعد العدوان الإسرائيلي المدمر على قطاع غزة لسنتين كاملتين. إذ يشكل أي تقاطع عربي في نفس الأهداف مع “إسرائيل” تحديًا هائلًا أمام الرأي العام العربي.
تبرز هذه المعضلة الأخلاقية والسياسية بوضوح في التصريحات الأخيرة لتركي الفيصل، الذي شن هجومًا لاذعًا على الخطط الأمريكية الداعمة للرؤية الإسرائيلية المتطرفة في غزة، واصفًا مقترحات واشنطن بأنها “تطهير عرقي” محض، ومشددًا على أن المشكلة الجذرية تكمن في الاحتلال.
لذلك فإن الرغبة في ردع إيران من جهة، والرفض القاطع للمخططات الإسرائيلية الأمريكية في فلسطين من جهة أخرى، يضع العواصم الخليجية في مأزق سياسي غير مسبوق عند اتخاذ قرار الحرب.
كما أكد حمد بن جاسم في مقابلة مع فوكس نيوز أن “الفائز الوحيد” من الهجمات الإيرانية الأخيرة (على دول الخليج) هو سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “التي لا نتفق معها”.
ثلاثة سيناريوهات
أمام هذا التضارب في التحرك العملي الخليجي، تبرز ثلاثة سيناريوهات نرصدها كالتالي:
1- الدفاع دون هجوم: تواصل دول الخليج اعتراض الصواريخ وحماية أراضيها وتُفعل منظومة الدفاع الجوي المشتركة، لكنها ترفض شن ضربات داخل إيران. هذا السيناريو يتوافق مع تصريحات رسمية سعودية وقطرية عن “حق الدفاع” بدون مشاركة هجومية، ويعتمد على قدرة الولايات المتحدة و”إسرائيل” على تحييد الترسانة الإيرانية وحدهما. مؤشرات هذا السيناريو تتمثل في استمرار البيانات الداعية للتهدئة.
2- رد محدود ومشروط: يتيح هذا الخيار ضرب منصات إطلاق الصواريخ في إيران أو العراق بواسطة طائرات خليجية أو بإتاحة قواعد للتحالف، بهدف الردع وليس إسقاط النظام. قد يجري التوجه لهذا الخيار حال استمرار إيران باستهداف منشآت مدنية أو خطوط الطاقة، وأن توافق واشنطن على توفير الغطاء. مؤشرات هذا السيناريو قد تكون تصريحات رسمية عن “ردود متناسبة”، أو تحريك طائرات سعودية وإماراتية نحو قواعد متقدمة.
3- انخراط واسع: في هذا السيناريو تسمح الدول الخليجية باستخدام أجوائها وقواعدها علنًا لتنفيذ ضربات جماعية، وتشارك بفعالية في العمليات الجوية أو البحرية. قد يتحقق الأمر إذا استمرت الضربات الإيرانية وتصاعدت الخسائر الاقتصادية، أو إذا تعرضت العواصم لهجمات كبيرة، لكنه يحمل مخاطر داخلية كبيرة، بسبب حساسية القتال إلى جانب “إسرائيل”.