ترجمة وتحرير: نون بوست
تجري الآن في إيران مقامرة كبرى، تحمل في طياتها رهانات جسيمة تثير القلق في نفوس الشعب الإيراني ومنطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع. وقد يكون الضحايا كُثر، وعلى رأسهم الإيرانيون العاديون.
في هذه الأيام الأولى المليئة بالشكوك، يبرز رابح مبكر: إسرائيل. فرغم أن الحملة على إيران تعتمد على القوة العسكرية الأمريكية، إلا أنها تتشكل بوضوح وفق نظريات الحرب الإسرائيلية. ويمكن تلخيص قواعد النصر الإسرائيلية في: الهجوم دون سابق إنذار، واستخدام القوة الغاشمة، وعدم التردد في اغتيال قادة العدو. وبالطبع، يصر السياسيون والدبلوماسيون الإسرائيليون على أن بلادهم تؤمن بالقانون الدولي، لكن إسرائيل، بصفتها “ديمقراطية صغيرة في محيط خطير”، ترى أنها مضطرة لتقديم الأمن على ما سواه.
ويدعي المسؤولون الإسرائيليون أنهم يلتزمون بقواعد الحرب، على عكس “الإرهابيين” الذين لا يستحقون بكاءً ولا شفقة. ورغم ذلك، فإن الحملة الطويلة وسقوط أعداد هائلة من الضحايا في غزة جعلت إسرائيل في عزلة متزايدة، حتى بين الحكومات الغربية التي كانت داعمة لها يومًا ما. ولكن فجأة، بات العديد من القادة الديمقراطيين أكثر قبولًا للحجج القائمة على الأسلوب الإسرائيلي.
وعندما شنت أمريكا وإسرائيل هجومًا مشتركًا على إيران في 28 فبراير/ شباط، عكست العناصر الرئيسية للعملية منطقًا إسرائيليًّا، بدءًا من اغتيال كبار القادة الإيرانيين. ويمثل هذا تحولًا في الموقف الأمريكي. ففي ولايته الأولى، كان الرئيس دونالد ترامب كان يتجنب المخاطر ورفض دعوات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو له من أجل السعي لتغيير النظام في إيران.
أما الآن، فقد باتت الدعوة إلى انتفاضة شعبية ضد “الاستبداد” تبدو لترامب فكرة جذابة، على الأقل من حيث المظهر. وحين يحث ترامب الإيرانيين العاديين على الثورة، فإنه يردد صدى أطروحات نتنياهو القديمة، حتى وإن بدا الرئيس الأمريكي في كثير من الأحيان منفتحًا على إبرام صفقة مع أي منشق من النخبة الحاكمة في إيران.
وبعد وقت قصير من بدء الهجمات على إيران، أشاد وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، بإسرائيل بوصفها شريك كفؤًا قدم رؤية واضحة للمهمة في المواجهة الإيرانية، “على عكس الكثير من حلفائنا التقليديين، الذين يكتفون بالقلق والذعر، ويترددون ويتحججون بشأن استخدام القوة”. وليست هذه المرة الأولى التي يغفل فيها هيغسيث – المعروف بخطابه الثقافي الاستعراضي – عن الرؤية الأشمل للمشهد.
صحيح أن بعض الشركاء الأمريكيين أبدوا حذرًا تجاه الانضمام إلى العملية ضد إيران. فقد رفض رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، في البداية السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية. لكنه عاد لاحقًا وسمح باستخدامها في ضربات “دفاعية” ضد قوات إيرانية تهدد دولًا مجاورة. وستارمر، والذي كان يعمل محاميًا في مجال حقوق الإنسان، عُرف بكثرة تحفّظه، ويُحسب له أنه أعرب عن معارضة حكومته المبدئية لفكرة “تغيير النظام من الجو”.
ومع ذلك، فإن تحديه القصير لترامب يمكن تفسيره إلى حد كبير بقبضته الضعيفة على قيادة حزب العمال، الذي يضم منتقدين لإسرائيل ويساريين لم يغفروا لتوني بلير مشاركته في غزو العراق عام 2003. كما يفسر هشاشة الائتلاف الحكومي اليساري في إسبانيا قرار مدريد منع الطائرات الأمريكية من استخدام قواعدها للوصول إلى إيران، ما دفع ترامب إلى التهديد بفرض حظر تجاري على إسبانيا. غير أن هذه التجاذبات المحلية تبقى هامشية، والأجدر بالاهتمام هو سبب إعلان حكومات غربية أخرى دعمها لمواجهة ترامب مع إيران.
وقدّم المستشار الألماني فريدريش ميرتس درسًا صريحًا في الواقعية القاتمة في الأول من مارس/ آذار. إذ اعتبر أن الجدل حول قانونية الضربات التي أودت بحياة المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين لا جدوى منه، مستعرضًا أسبابًا لعدم الحداد على ما وصفه بـ”نظام الإرهاب”، بدءًا من قمعه للشعب الإيراني وصولًا إلى دعمه لحماس وحزب الله وبرامجه النووية والصاروخية. وأقرّ ميرتس بأن تغيير النظام محفوف بالمخاطر، لكنه أكد أن ألمانيا لن تنتقد الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
وأوضح أن الحكومات الأوروبية أمضت سنوات تدين إيران لانتهاكها القواعد الدولية دون أن تدعم ذلك بتحرك عسكري، كما أن أوروبا تحتاج إلى دعم واشنطن في الدفاع عن أوكرانيا، مضيفًا أن الوقت ليس مناسبًا لإلقاء المحاضرات على الحلفاء رغم التحفظات. وكان ميرتس قد صرّح سابقًا بأن إسرائيل تستحق الشكر لأنها تقوم بـ”الأعمال القذرة” نيابة عن العالم.
أما حكومات أستراليا وكندا ونيوزيلندا فلم تذهب إلى هذا الحد، لكنها أعربت أيضًا عن دعمها للضربات على إيران. وقال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي إن خامنئي “لن يُحزن عليه”. وفي البداية عبّرت فرنسا عن قلقها ودعت مجلس الأمن إلى التدخل، غير أن لهجتها ازدادت حدة بعد استهداف طائرات مسيّرة إيرانية لقاعدة فرنسية في الخليج، حيث تعهدت لاحقًا، في بيان مشترك مع بريطانيا وألمانيا، بالمساعدة في تدمير قدرات إيران الصاروخية والمسيّرة.
تتلاشى الضوابط والتوازنات
وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها حلفاء الولايات المتحدة رؤية جانب إيجابي في تدخل على الطريقة “الترامبية”. فبعد أن اختطفت أمريكا الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير/ كانون الثاني، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن بلاده لا تؤيد الأسلوب الذي استُخدم، لكنه وصف مادورو بالديكتاتور، معتبرًا أن رحيله “خبر جيد بالنسبة للفنزويليين”.
ومن إيران إلى فنزويلا، تُرسَّخ سوابق كبرى من دون نقاش يُذكر. فالصين، على سبيل المثال، تعتبر العديد من السياسيين التايوانيين المنتخبين ديمقراطيًا انفصاليين مجرمين. فهل أصبحوا الآن أهدافًا مشروعة للقتل أو الاعتقال؟
لقد انقسم الغرب حول حجج كارثية قبيل غزو العراق عام 2003. وعلى الأقل آنذاك، كانت تلك الحجج نتاج محاولات الرئيس جورج دبليو بوش الحصول على تفويض من الأمم المتحدة لحربه. أما أمريكا اليوم، فلا تسعى إلى مثل هذه التفويضات قبل أن تتحرك. ويتشكل نظام يقوم على مبدأ “القوة تصنع الحق”، يجيد كل من ترامب ونتنياهو التحرك ضمنه بسهولة. ولم يكن معظم الحلفاء الغربيين يتمنون قيام مثل هذا العالم، لكن مع تشكّله باتوا مضطرين إلى التكيف مع قواعده.
المصدر: الإيكونوميست
