على مدار السنوات الأخيرة، تعمقت علاقات الهند وإسرائيل بشدة، حتى أن الهويّة السياسية للبلديّن تماثلت، فمودي الذي يقود الحكومة الهندية ممثلًا حزب “بهاراتيا جاناتا” اليميني الديني ومهيّمنًا عليه، لا يختلف عن شخصية نتنياهو الذي يقود حكومة الاحتلال الإسرائيلية منذ سنوات طويلة ممثلًا لحزبه “الليّكود” ومهيّمنًا عليه كذلك.
يؤكد الزعيمان دائمًا على قيمة “الصداقة” بقدر ما يتحدثان عن المصالح التي تجمع بلديهما، وقد رأينا هذه المشاعر واضحة خلال زيارة ناريندرا مودي الأخيرة إلى تل أبيب، حيث ألقى خطابًا أمام الكنيست عبّر فيه عن “ألمه لضحايا إسرائيل منذ أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023”.
وبهذه الزيارة أصبح مودي خامس زعيم عالمي يخاطب الكنيست منذ السابع من أكتوبر، كما أنها تعد أول زيارة له إلى إسرائيل منذ عام 2017، لكنها جاءت هذه المرة من دون التوجه إلى الأراضي الفلسطينية أو لقاء رئيسها، على خلاف زيارته السابقة إلى المنطقة.
“بدأت الحركة الصهيونية في ترتيب الأصوات لمصلحة قرار التقسيم داخل الأمم المتحدة. علم حاييم وايزمان أن الهند كانت تنوي التصويت ضده، فطلب من صديقه العالم ألبرت آينشتاين التدخل لدى رئيس الوزراء جواهر لال نهرو، فكتب إليه رسالةً مذكرًا بأن اليهود كانوا “ضحية التاريخ”، وطلب منه التفكير مليًا قبل أن يقف في وجه ملايين اليهود الناجين من محرقة النازية. رد نهرو على صاحب نظرية النسبية، بأنه بلا شك يحترم اليهود وسعيهم الدؤوب على إنشاء دولًة لهم في فلسطين ولكنه غير قادر على إعطاء صوت بلاده لمصلحة قرار التقسيم، أولًا لأنه غير عادل، وثانيًا كي لايُغضب مسلمي بلاده. وكرر وايزمان الطلب، فأعرب نهرو عن انزعاجه من كل هذا الضغط الممارس عليه شاكيًا من أن الحركة الصهيونية تحاول رشوة الهند، وأن تهديدات بالقتل قد وصلت أخيرًا إلى شقيقته التي كانت ترأس وفد بلاده إلى الأمم المتحدة، في حال رفضها التصويت لمصلحة التقسيم. وقال أحد أعضاء الوفد الهندي صراحة لمندوب وايزمان “لا فائدة من محاولاتك اقناعنا بأن لليهود قضية، فنحن نعرف ذلك جيدًا. ولكن أن نقف معكم في هذا الأمر يعني الوقوف في وجه المسلمين حول العالم، ولدينا في الهند 13 مليون مسلم”.
دعمت الهند القضية الفلسطينية منذ استقلالها عام 1947، فكان جواهر لال نهرو عضوًا مؤسسًا في حركة عدم الانحياز الشهيرة، التي وجّهت دعمها الرئيسي لحركات التحرر في العالم الثالث والجنوب العالمي، وكانت القضية الفلسطينية جزءًا بديهيًا من هذا التوجه، وكانت ابنته أنديرا أكثر وضوحًا في عدائها لإسرائيل منه. وبالنسبة للهند، لطالما كان ياسر عرفات “صديقًا عظيمًا”، على حد تعبير مودي نفسه. كما كانت الهند أول دولة غير عربية تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا رسميًا للشعب الفلسطيني عام 1974.
ولم تُقم الهند علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا في وقت متأخر، عام 1992. ورغم ذلك، ظلت تتبنى موقف حل الدولتين وتميل سياسيًا نحو فلسطين إلى وقت قريب. فكيف نفهم إذن هذا التحول الهندي الأخير؟ وهل هو بالفعل تحول كبير، أم أنه مجرد انعكاس لخطاب نتنياهو؟
لفهم طبيعة علاقات الهند بإسرائيل، علينا النظر إلى السياسة الخارجية الهندية، خاصة في علاقتها مع الولايات المتحدة، فواشنطن التي سعت إلى استخدام الهند، بل إلى “صناعتها قوة عظمى” على حد تعبير أحد الرؤساء الأمريكيين، ضمن استراتيجيتها لاحتواء الصين، قدمت للهند وعودًا وتصورات تتجاوز بكثير ما قد يقدمه لها نتنياهو.
لكن التجربة الهندية تُظهر أن تلك الرؤى والأهداف الغربية التي تسعى إلى توظيف الهند تصطدم دائمًا برؤية هندية للعالم تختلف عما يريده حلفاؤها منها، فهي رؤية تتسم بقدر كبير من الانتهازية والبراغماتية، تقوم على تعظيم الاستفادة من الشراكات الدولية، مقابل التزام محدود أو مكاسب حقيقية ضئيلة يقدمها الطرف الهندي لحلفائه.
الهند كأداة للسياسة الخارجية الأمريكية


استفادت الهند من مجمل هذه الخطوات الأمريكية، لكنها في المقابل حافظت على انخراطها العميق في منتديات مثل مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، حيث تلعب المصالح الصينية دورًا رئيسيًا في هذه التكتلات. وفي هذا السياق، واصلت الهند السعي إلى إقامة شراكات انتقائية مع دول منفردة أو مجموعات من الدول، حتى وإن كان لدى بعض هؤلاء الشركاء أجندات معادية للولايات المتحدة بشكل واضح. وحتى مع تعميق علاقاتها الثنائية مع واشنطن، سعت نيودلهي إلى الحد من النفوذ الأمريكي على الساحة العالمية الأوسع.
على سبيل المثال، وكما يعدد الأستاذ تيليس في مقاله، تصدت الهند للولايات المتحدة في قضايا عدة، مثل سياسات المناخ، والامتيازات التجارية، وسيادة البيانات، وقواعد التجارة الإلكترونية، والحوكمة العالمية. وحتى في مجال السياسة العليا، عارضت نيودلهي العقوبات الأمريكية المفروضة على دول ثالثة صديقة، ودافعت عما يُسمى بـ”الجنوب العالمي” في حملته ضد الهيمنة الغربية، كما حافظت على علاقاتها التقليدية مع دول مثل إيران وروسيا. بل سعت أيضًا إلى إبقاء علاقات مستقرة مع الصين، متعاونةً معها كلما أمكن للحفاظ على قدر من الاستقرار عبر حدودهما المشتركة.
وعلى الرغم من التوتر الذي شهدته العلاقات بين الصين والهند، كما في أحداث غالوان عام 2020، ظلت العلاقات بين البلدين فاعلة، فالصين تُعد أحد أهم الشركاء التجاريين للهند؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2025 نحو 128 مليار دولار، مسجلًا نموًا بنسبة 81% خلال العقد الأخير. كما أثبت البلدان قدرتهما على إدارة نزاعهما الحدودي منذ الاتفاقية التي وُقعت عام 2024.
وتبدو خيبة الأمل الأمريكية من الهند جلية، خصوصًا مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، فقد ظهرت في عدة مواقف، منها فرض إدارة ترامب رسومًا جمركية بنسبة 25% على الهند بسبب استمرارها في شراء النفط الروسي، قبل أن تتراجع عنها لاحقًا بعد حصولها على تعهد من نيودلهي بتقليص هذه المشتريات، وهو تعهد لا يبدو قابلًا للتحقق بسهولة. وبذلك، تبدو العلاقات الأمريكية الهندية اليوم في أحد أدنى مستوياتها خلال ربع القرن الأخير.
“الانحياز المتعدد”.. السيّاسة الخارجية على الطريقة الهندية
حين ننظر إلى الطريقة التي تقابل بها الهند آمال حلفائها فيها، يتضح أن معادلة الربح والخسارة غالبًا ما تميل لصالحها؛ إذ تحقق نيودلهي القدر الأكبر من المكاسب من تحالفاتها، مع الحفاظ على سجل لا يضم الكثير من الخسائر الدبلوماسية. ولا عجب في ذلك، فهكذا يصف وزير الخارجية الهندي إس. جايشانكار سياسة بلاده، إذ يقول إنها تقوم على مبدأ “الانحياز المتعدد”، أي أن الهند تجلس على كل الطاولات وتأخذ منها ما يتوافق مع مصالحها فقط.
وعلى هذا الأساس تتقارب الهند مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ شراكات كبرى، لكنها لا تقيّد تحركات السياسة الخارجية الهندية، وقد كان هذا المبدأ حاضرًا أيضًا في موقفها من القضية الفلسطينية والعالم العربي، فاقتراب الهند من إسرائيل جاء أساسًا بعدما رأت فيها قدرة على الاستجابة السريعة لاحتياجاتها العسكرية خلال أزمة كارجيل مع جارتها باكستان عام 1999، فحين احتاجت الهند إلى السلاح في ظل العقوبات المفروضة عليها، سرعان ما تدفقت أنظمة الأسلحة الإسرائيلية بمليارات الدولارات، إلى جانب اتفاقيات لتصنيع بعض مكوناتها الرئيسية داخل الهند.
واليوم أصبحت إسرائيل ثالث أكبر مورد للسلاح إلى الهند، بينما تُعد الهند أكبر مشترٍ للسلاح والتقنيات الإسرائيلية. وبشكل عام، تُعد الهند اليوم ثاني أكبر شريك اقتصادي لإسرائيل في آسيا، إذ يقدَّر حجم التبادل التجاري بين البلدين بنحو 5 مليارات دولار، مع توقعات بتوسع التعاون مستقبلًا ليشمل مجالات مثل أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والفضاء.
كما خفّضت الهند من تقييمها للعلاقات العربية مقابل رفع مستوى تقييمها لإسرائيل، نتيجة لغياب العوائد من السياسة التي انتهجتها تجاه العالم العربي طوال القرن العشرين، فقد كان التقارب مع الدول العربية يهدف إلى خلق نفوذ في مواجهة باكستان، لكن الهند لم تجد مواقف عربية فاعلة بشأن قضية كشمير، ما ولّد لديها شعورًا بخيبة الأمل، في الوقت الذي مدّت فيه إسرائيل يدها للمساعدة. ومع ذلك، لم تتغير العلاقات الهندية العربية بصورة جذرية، بل اتسعت لتشمل أيضًا العلاقة الناشئة مع إسرائيل، التي أخذت في التنامي حتى اللحظة الراهنة.

أيضًا، على الرغم من إعلان مودي في زيارته الأخيرة أن “الهند تقف إلى جانب إسرائيل بحزم وقناعة تامة”، ورفع مستوى العلاقات إلى “شراكة استراتيجية خاصة”، فإن نيودلهي تواصل دعمها لإقامة دولة فلسطينية وتبنيها حل الدولتين.
ففي سبتمبر/أيلول 2025، كانت الهند من بين 142 دولة صوّتت لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أقرّ التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتطبيق حل الدولتين، وأكدت الهند هذا الالتزام مرة أخرى لوزير الخارجية المصري خلال زيارته إلى نيودلهي في الشهر التالي.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، التقى وزير الخارجية الهندي نظيره الفلسطيني، حيث ناقش الجانبان خطة السلام في غزة، كما أعلنت الهند تنفيذ مشاريع تنموية لصالح فلسطين بقيمة تقارب 170 مليون دولار، في إطار دعمها للتنمية الشاملة في قطاع غزة.
حرب أخرى.. اختبار آخر
لا يبدو أن ما تحدث عنه نتنياهو من تحالفات قد انعكس بوضوح في الحرب الدائرة حاليًا في إيران، فالهند التي تقربت من إسرائيل خلال السنوات الماضية كانت تسير في الوقت نفسه بخطوات متوازية نحو إيران. لذلك، حين اندلعت الحرب، جاء موقفها شبيهًا بموقفها من الغزو الروسي لأوكرانيا: مجرد إعراب عن القلق. وذلك رغم وجود ما يقارب 10 ملايين مواطن هندي في دول الخليج العربي تحت مرمى النيران الإيرانية، فضلًا عن تعرض المصالح الهندية وسلاسل الإمداد لمخاطر الحرب، في ظل مرور نحو ثلثي واردات الهند من النفط الخام عبر مضيق هرمز.
ويغلب الحذر على الموقف الهندي من العلاقة العدائية بين حليفتيها، الولايات المتحدة وإسرائيل، وبين إيرانK ففي حرب ال12 يومًا التي شهدها العام الماضي، لم توقّع الهند على بيان منظمة شنغهاي للتعاون الذي ندد بشدة بالعمل العسكري الإسرائيلي إلا بعد بقية الأعضاء، لكنها في نهاية المطاف انضمت إلى البيان الذي وصف العمليات الإسرائيلية بأنها تنتهك القانون الدولي بشكل صارخ وتمس بسيادة إيران.
إلى جانب الأهمية الحيوية لإيران بالنسبة للهند، تمتلك نيودلهي تطلعات استثمارية وعلاقات جيدة مع النظام الإيراني، فقد استثمرت نحو مليار دولار في ميناء تشابهار، الذي يعد منفذًا مهمًا للوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، كما تملك الهند استثمارات أخرى في قطاع السكك الحديدية، من بينها مشروع إنشاء خط يربط منطقة حاجي جاك الغنية بالمعادن بميناء تشابهار، كذلك تستثمر في مشاريع طرق سريعة، مثل طريق زارانج–ديلارام الذي يربط إيران بالطريق الرئيسي قندهار–هرات في أفغانستان.
في كتابه “الطريق الهندي: استراتيجيات لعالم مضطرب”، يجادل وزير الخارجية الهندي إس. جايشانكار بأن على نيودلهي تعزيز مصالحها الوطنية من خلال تحديد واستغلال الفرص التي تخلقها التناقضات العالمية، بما يتيح لها تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب عبر شبكة واسعة من العلاقات.
وتبدو الحرب الجارية في الشرق الأوسط، مع ادعاءات إسرائيل بأن الهند حليف رئيسي لها، اختبارًا جديدًا لهذا “الطريق الهندي”، فهل تنحاز الهند بوضوح إلى حليفها الإسرائيلي، أم أن حالة الحرب والاضطراب ستدفعها إلى التمسك بهذا النهج البراغماتي أكثر من أي وقت مضى؟