حتى أوائل آذار/مارس 2026، لا تزال المنطقة الحرة المزمع إنشاؤها في محافظة إدلب مشروعًا على الورق، ولم تتجهز بعد كما أشارت التصريحات التي رافقت الإعلان عنها، فيما اقتصرت الأعمال حتى الآن على الإعلان عن إزالة مخلفات الحرب والألغام ومواصلة إعداد ورسم المخططات.
على الأرض، لا تظهر أي ملامح للمنطقة الحرة، التي تُعد الحادية عشرة في سوريا، على عكس ما صرح به رئيس الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، قتيبة بدوي، خلال الإعلان عنها في 14 يونيو/حزيران 2025. فقد قال بدوي إن العمل سيبدأ مباشرة بالتنسيق مع محافظة إدلب لوضع المخططات وضمان تأمين الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وطرقات، مشيرًا إلى أن اللجان التنفيذية ستباشر العمل الميداني خلال يوليو/تموز 2025، تمهيدًا لاستكمال المراحل المقررة من المشروع قبل نهاية العام.
منطقة حرة صناعية وتجارية وميناء جاف
تشير المخططات والتصريحات المعلنة للمنطقة الحرة إلى أنها تضم منطقة حرة صناعية وتجارية وميناءً جافًا، بمساحة إجمالية تبلغ مليونًا و105 آلاف متر مربع، في منطقة ترنبة غرب سراقب جنوب شرقي المحافظة، قرب عقدة الطرق الرئيسة (M4/M5)، وذلك بإشراف الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية (صار اسمها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك) بالتنسيق مع محافظة إدلب.
وبحسب ما أعلنته “هيئة المنافذ” فإن مشروع إنشاء المنطقة الحرة جاء تحت شعار “لأجل الوفاء يهون العطاء”، ويجسّد “توجهات الدولة في دعم محافظة إدلب اقتصاديًا وتنمويًا، ووضعها على خارطة المناطق الاقتصادية الفاعلة في البلاد”، ويهدف إلى:
- تشغيل اليد العاملة.
- إدخال صناعات جديدة.
- إدخال النقد الأجنبي إلى المحافظة خاصة وإلى سوريا بشكل عام، باعتبار أن معظم المستثمرين في المناطق الحرة يكونون من الخارج.
- التركيز على المستثمر التركي لقرب المنطقة من تركيا، ولأن العلاقات التركية والسورية قديمة.
- جذب وقدوم التجار والصناعيين إلى المنطقة، ما يساعد على تفعيل السياحة أيضًا.
من جانبها، اعتبرت محافظة إدلب أن مشروع إنشاء المنطقة الحرة يُعد أحد المرتكزات الأساسية لدعم الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص العمل، وتحفيز الاستثمار. وأوضح معاون محافظ إدلب، قتيبة الخلف، في تصريح سابق لـ”نون بوست” أن العمل بدأ منذ الإعلان عن المشروع من خلال خطة مشتركة بين “هيئة المنافذ” والمحافظة، شملت تجهيز المخططات المساحية للعقارات ذات الصلة وإعداد الدراسات الهندسية اللازمة.
وأشار الخلف إلى أن إنشاء المنطقة يتضمن شقين رئيسيين، الأول إداري وتنظيمي مرتبط بمحافظة إدلب، يشمل الربط مع باقي المؤسسات الإدارية وفئات المجتمع، والثاني فني واختصاصي ورقابي، تتولى تنفيذه “هيئة المنافذ” وفق القانون والنظام الداخلي.
عشر مناطق حرة
يشير مصطلح المنطقة الحرة إلى منطقة جغرافية محددة داخل أراضي الدولة، وتخضع الأنشطة التجارية والصناعية فيها لتسهيلات وإعفاءات جمركية وتنظيمية، تهدف إلى تشجيع الاستثمار، وتنمية التجارة والتصدير، وتسهيل حركة السلع والخدمات، ويتوفر فيها مناخ أكثر ملاءمة لزيادة حجم التجارة والتصدير.
وتوجد في سوريا عشر مناطق حرة موزعة على عدد من المحافظات والمنافذ، وهي:
- منطقة حرة في دمشق.
- منطقة حرة في مطار دمشق الدولي.
- منطقة عدرا قرب دمشق.
- منطقة حسياء جنوبي محافظة حمص.
- المنطقة الحرة السورية–الأردنية المشتركة.
- المنطقة الحرة في المسلمية بريف حلب الشرقي.
- منطقتان في اللاذقية (إحداهما مرفئية والأخرى داخلية).
- المنطقة الحرة في طرطوس (مرفئية).
- منطقة اليعربية في محافظة الحسكة.
- المنطقة الحرة في إدلب (تعد الحادية عشرة وما تزال قيد الإنشاء).
وبعد مرور عام على سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، قال مدير العلاقات في “هيئة المنافذ”، مازن علوش، إن 50% من الفرص الاستثمارية المطروحة في المناطق الحرة جرى الاكتتاب عليها خلال عام 2025 وبدأ العمل بها، مشيرًا إلى أن “هيئة المنافذ” تواصل دراسة عشرات الطلبات الاستثمارية، في إطار سعيها لتشغيل جميع المناطق الحرة القائمة والعمل على إنشاء مناطق جديدة.
في مرحلة “رسم المخططات”
انتهى بيان “هيئة المنافذ” حول إنشاء المنطقة الحرة في إدلب بتوجيه تعليمات لتسريع وتيرة العمل لاستكمال الإجراءات الإدارية والفنية واللوجستية اللازمة، مع التأكيد على الدعم الرسمي للمشروع.
وأعطى الإعلان عن المنطقة الحرة مؤشرًا إيجابيًا للأهالي في إدلب وريفها بشكل خاص، لا سيما مع ارتفاع معدلات الفقر وسوء الأحوال المعيشية، وغياب القدرة على ترميم المنازل المتضررة، بالإضافة إلى وجود أكثر من مليون و200 ألف نازح يعيشون في خيام الشمال السوري.
وبعد خمسة أيام من الإعلان، جرت زيارة إلى الموقع المخصص لها، في إطار التحضير لأعمال تمشيط وإزالة الألغام والمخلّفات الحربية، في منطقة كانت سابقًا خطوط تماس بين فصائل المعارضة وقوات نظام الأسد وحلفائها.
وحضر الحديث عن المنطقة الحرة في 25 يونيو/حزيران 2025، خلال اجتماع جمع بين محافظ إدلب محمد عبد الرحمن ووفد من جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين التركية (MÜSİAD)، حيث تم التأكيد على دور الشركات المرتبطة بالجمعية في المساهمة بمشاريع المنطقة الحرة المخطط لها.
وبحسب الرصد الميداني، لا تظهر في المنطقة المذكورة مؤشرات على أعمال التجهيز التي تحدث عنها قتيبة بدوي، بينما اكتفى تقرير “هيئة المنافذ” لحصاد عام 2025 بذكر إحداثها من دون تقديم تفاصيل حول مراحل التنفيذ.
في ديسمبر/كانون الأول 2025، تواصل “نون بوست” مع مدير العلاقات في “هيئة المنافذ” للاستفسار عن الأعمال المنجزة فعليًا، سواء على مستوى التخطيط أو التجهيز أو البنية الإدارية والتحتية، إضافة إلى الجدول الزمني المتوقع لاستكمال المشروع وبدء التسجيل للاستثمار، وأي عقبات محتملة. وكان الرد بعدم وجود تصريحات حاليًا بهذا الخصوص، و”لا توجد معطيات ثابتة بشأن المنطقة الحرة في إدلب حتى الآن، وما يزال الأمر قيد الترتيب”.
وفي يناير/كانون الثاني 2026، أعاد “نون بوست” الاستفسار دون أن يتلقّ ردًا، كما تواصل مع محافظة إدلب حول أعمالها المرتبطة بالمنطقة الحرة والأعمال المنجزة، وكان الرد بأن الموضوع لدى “هيئة المنافذ”.
أحدث ما أُعلن بشأن المشروع كان في 27 فبراير/شباط 2026، حين جمع لقاء بين محافظ إدلب ورئيس “هيئة المنافذ” ومدير العلاقات فيها لمناقشة مشروع المنطقة الحرة ومراحل إنشائه، من دون تقديم تفاصيل حول تقدم العمل أو طرح جدول زمني محدد.
ويقول مسؤول كتلة سراقب، محمود العثمان، لـ”نون بوست” إن المنطقة الحرة لا تزال في طور رسم المخططات، ولم يبدأ أي تجهيز على الأرض، مع الإشارة إلى أن الأعمال ستنطلق فور الانتهاء من هذه المرحلة، من دون تحديد موعد لذلك.
أسباب سياسية واستثمارية وقانونية
الباحثة في الشأن الاقتصادي نجاح عبد الحليم، ترى أن التأخير في إطلاق المنطقة الحرة يكشف أولًا عن فجوة بين الإعلان السياسي والجاهزية المؤسسية، وتقول لـ”نون بوست” إن إنشاء منطقة حرة لا يقتصر على قرار إداري، إنما يتطلب إطارًا قانونيًا وتنظيميًا واضحًا، وتحديدًا دقيقًا لملكية الأرض، ونظامًا ضريبيًا محددًا، وآليات جمركية وتحكيمية مستقرة، إضافة إلى بنى تحتية ممولة ومضمونة التنفيذ، معتبرة أن استمرار المشروع في مستوى المخططات يوحي بأن هذه العناصر لم تُحسم بالكامل قبل الإعلان.
ثانيًا، يعكس التأخير طبيعة أولويات الإدارة الاقتصادية، فعندما يُعلَن عن مشروع استثماري كبير دون تقدم ميداني ملموس أو شفافية بشأن الجدول الزمني، فهذا يشير وفق الباحثة إلى أن القرار الاستثماري ربما سبق اكتمال دراساته الفنية والمالية. وفي هذه الحالة، يبدو أن البعد السياسي أو الرمزي للإعلان كان متقدمًا على متطلبات التنفيذ الاقتصادي.
ومن منظور استثماري بحت، توضح نجاح عبد الحليم أن العامل الحاسم هو قابلية التنفيذ وليس الخطاب، مشيرة إلى أن كل فترة تأخير غير مفسّرة ترفع مستوى عدم اليقين، ما ينعكس مباشرة على شهية المستثمرين. وتضيف أن في بيئة تحتاج أساسًا إلى بناء الثقة، يصبح الوضوح والالتزام بالجداول الزمنية جزءًا أساسيًا من نضج القرار الاستثماري.
من جانبه، يرجّح الباحث والمحلّل الأول في شركة “كرم شعار” للاستشارات، بنجامين فيف، أن التأخير يعكس عملية إعادة ضبط الإطار القانوني والمؤسساتي للمناطق الصناعية والحدودية في إدلب بعد الانتقال السياسي، وليس مشكلات تقنية بحتة في البنية التحتية.
ويربط فيف في حديثه لـ”نون بوست” مسألة الغموض بما إذا كانت المنطقة الحرّة ستخضع للنظام الاستثماري الصناعي الوطني الجديد أو ستحتفظ بوضع خاص، إلى جانب النقاشات حول نماذج إدارة محتملة بدعم تركي، كما جرى التطرق إليها في اجتماعات ثنائية بين تركيا وسوريا، مشيرًا إلى أن هذه النقاط دفعت السلطات على الأرجح إلى تعليق التوسّع الرسمي إلى حين توضيح الصيغة القانونية والتمويلية.
وفي المقابل، فإن وجود 84 مصنعًا عاملًا و21 قيد الإنشاء حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025 في المدينة الصناعية بإدلب (باب الهوى)، يشير إلى استمرار النشاط على الأرض، ما يؤكد أن مسألة التأخير تتعلق بمرحلة انتقالية في الحوكمة أكثر من كونها تراجعًا في النشاط الصناعي، وفق الباحث.
