منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير/شباط الماضي، وجدت دول الخليج نفسها عمليًا في قلب المواجهة، رغم أنها ليست طرفًا معلنًا فيها، ومع تسارع وتيرة الأحداث، تحولت أراضيها تدريجيًا إلى ساحة استهداف مباشر، بفعل موجات متلاحقة من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استمرت بوتيرة عالية.
وقد تسببت هذه الضربات في إشاعة مناخ واسع من القلق والارتباك داخل العواصم الخليجية، لا سيما بعد أن تجاوزت نطاق القواعد والمنشآت المرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي في تلك البلدان إلى أهداف مدنية وحيوية، وفي مقدمتها مرافق النفط والغاز، وهو ما ألقى بظلال ثقيلة على أمن الطاقة، وترك انعكاسات حادة على الأسواق العالمية، فضلًا عن كونه – وفق قراءات خليجية – يمثل مساسًا مباشرًا بالسيادة لا يمكن التعامل معه كحادثة عابرة.
أمام هذا المشهد المعقد، التزمت دول الخليج بسياسة ضبط النفس ومحاولة احتواء التصعيد، مكتفية في المرحلة الأولى بسلسلة من المواقف والبيانات الدبلوماسية التي تدين طهران وتؤكد رفض تحويل المنطقة إلى ساحة حرب بالوكالة، مع الحرص في الوقت نفسه على تحييد أراضيها عن مسارات الاشتباك.
غير أن تزايد الضغوط – داخليًا وخارجيًا – والدعوات إلى التخلي عن “الخطاب الدبلوماسي” والانخراط عسكريًا، خاصة مع استمرار التصعيد الإيراني، أعاد طرح السؤال المركزي: ما المقاربة الخليجية الممكنة لإدارة هذا المشهد، بين كلفة الانجرار إلى الحرب وثمن استمرار الاستهداف؟
ماذا عن المقاربة الإيرانية؟
قبل الانتقال إلى تفكيك المقاربة الخليجية إزاء ما يجري، يبدو من الضروري التوقف عند المقاربة الإيرانية نفسها واستكشاف دوافع طهران لجعل الخليج هدفًا رئيسيًا في حسابات التصعيد، رغم ما قد يترتب على ذلك من مخاطر سياسية مباشرة، أبرزها تقويض حالة التحسن النسبي في العلاقات خلال الفترة الأخيرة، واحتمال خسارة أطراف خليجية تُعد من أكثر الشركاء موثوقية، وفي مقدمتهم سلطنة عُمان وقطر اللتان اضطلعتا بأدوار محورية في قنوات الوساطة بين إيران والولايات المتحدة في محطات سابقة.
في جوهرها، تقوم المقاربة الإيرانية على توظيف حساسية الخليج داخل معادلة الاقتصاد العالمي؛ إذ تراهن طهران على أن توسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت عسكرية وحيوية – ولا سيما النفط والغاز – قد يدفع الحكومات الخليجية إلى ممارسة ضغط سياسي على واشنطن لوقف التصعيد، خصوصًا إذا ما تعاملت هذه الدول مع الضربات الإيرانية بوصفها تهديدًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي وركائز استقرارها الداخلي.
وبهذه القراءة، تسعى إيران إلى رفع كلفة الحرب إلى أقصى مستوى ممكن عبر استثمار حقيقة أن دول الخليج تمثل شريانًا طاقويًا عالميًا لا يمكن للأسواق ولا للقوى الكبرى تجاهل اضطرابه.
وبحسب هذا المنطق، فإن أي تهديد متواصل للبنية الطاقوية الخليجية ستكون له ارتدادات تتجاوز الإقليم إلى نطاقات أوسع تمتد من أوروبا إلى آسيا، بما يخلق ديناميات ضغط دولية تتقاطع – ولو جزئيًا – مع الهدف الإيراني المتمثل في كبح اندفاعة خصومها.
لماذا تُركّز إيران ضرباتها على دول الخليج.. ولماذا تتجنب استهداف القوقاز وآسيا الوسطى رغم وجود مصالح أمريكية هناك؟
اقرأ المزيد في المادة التالية 👇👇https://t.co/CHlR7ifOmL pic.twitter.com/mHPRQcvyXz
— نون بوست (@NoonPost) March 4, 2026
وقد بدأت بالفعل ملامح هذا “الضغط الاقتصادي” في الظهور، مع قفزات ملحوظة في أسعار الطاقة بفعل المخاوف من اتساع نطاق الأزمة وتداعياتها على الإمدادات وسلاسل التوريد، الأمر الذي يعكس كيف يمكن للتحول في أمن الخليج من قضية إقليمية إلى مؤثر عالمي أن يعيد تشكيل حسابات الأطراف المعنية.
ومن المهم الإشارة إلى أن سياسة رفع الكلفة الاقتصادية ليست طارئة على التفكير الاستراتيجي الإيراني، بل تمتلك جذورًا ممتدة في الأدبيات الأمنية لطهران، وتجلّت بأشكال مختلفة عبر عقود، خاصة في سياقات الصراعات الكبرى التي خاضتها إيران تاريخيًا، ربما أبرزها الحرب مع العراق، حين جرى توظيف عناصر الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية كأدوات ضغط موازية للأدوات العسكرية.
ضمن هذا الإطار، تحاول إيران توظيف الجغرافيا كسلاح جيوسياسي يعوّض – ولو نسبيًا – اختلال ميزان القوة التقليدي لصالح خصومها، وفي الحالة الراهنة، يصبح الخليج، ومضيق هرمز، وممرات الطاقة العالمية أدوات ضغط مركزية في استراتيجية تهدف إلى تحويل موقع إيران ومحيطها البحري إلى مساحة تأثير قادرة على فرض كلفة باهظة على الطرف الآخر، حتى دون امتلاك تفوق عسكري مباشر.
ليست حربنا.. المقاربة الخليجية الأولى
تنطلق القراءة الأولى في الخطاب الخليجي إزاء موجة التصعيد الأخيرة من فرضية أساسية مفادها أن ما يجري لا يُصنَّف، في جوهره، بوصفه “حربًا خليجية”، بل هو امتداد لمواجهة ثلاثية الأبعاد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ووفق هذا التصور، فإن دول الخليج ليست طرفًا أصيلًا في المعركة ولا في تبعاتها المباشرة، حتى وإن وجدت نفسها واقعيًا ضمن نطاق تداعياتها.
على هذا الأساس، جاءت ردود الفعل – الرسمية وغير الرسمية – منضبطة بإطار هذه القراءة، عبر تبنّي خطاب سياسي يركّز على نقطتين: أولًا، التأكيد أن الخليج لم ينخرط في الحرب ولم يتخذ قرارًا بالاصطفاف فيها؛ وثانيًا، التشديد على أنه لم يسمح باستخدام مجاله الجوي أو أراضيه كمنصات عمليات في سياق المواجهة الدائرة، وذلك بهدف نزع أي مبررات يمكن أن تستند إليها طهران لتسويق ضرباتها بوصفها موجهة ضد “الوجود العسكري الأمريكي” في الخليج لا ضد الدول الخليجية ذاتها.
هذا الإطار يفسّر إلى حد كبير لغة ضبط النفس التي مالت إليها معظم العواصم الخليجية، حتى مع اتساع نطاق الاستهداف الإيراني وتجاوزه حدود القواعد العسكرية إلى أهداف مدنية ومنشآت نفطية وتهديد الأمن والسلم المجتمعي الخليجي.
ومع ذلك، تبدو الذهنية الخليجية – وفق هذه القراءة – ميّالة إلى تفسير التصعيد الإيراني باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها طهران إلى رفع كلفة الحرب وإحداث ضغط سياسي واقتصادي على واشنطن وتل أبيب، أكثر من كونه قرارًا بتصفية حسابات مباشرة مع دول الخليج نفسها.
تجنب الانزلاق للفخ.. المقاربة الثانية
ترتكز القراءة الثانية في المقاربة الخليجية للحرب على أولويةٍ واضحة، تفادي الانزلاق إلى فخ المواجهة المباشرة مع إيران عبر ردٍّ متسرّع على الهجمات التي تتعرض لها دول الخليج، ووفق هذه القراءة، ثمّة خطابٌ “تحريضي” يسعى لاستثمار لحظة التصعيد ودفع العواصم الخليجية إلى ردٍّ عسكري يضعها تلقائيًا في قلب الحرب، لا على هامشها.
وتستند هذه الرؤية إلى أن الانخراط الخليجي المباشر سيحوّل المعادلة من صراع أمريكي–إسرائيلي–إيراني إلى حربٍ رباعية يكون فيها الخليج طرفًا أصيلًا، وفي سيناريو كهذا، قد تتراجع الولايات المتحدة وإسرائيل لاحقًا عن وتيرة المواجهة أو تعيدان تموضعهما وفق حساباتهما الخاصة، بينما يجد الخليج نفسه أمام مواجهةٍ منفردة مع إيران، بكلفةٍ قد تمس جوهر مكاسبه، الاستقرار الاقتصادي الذي راكمه خلال عقود.
ويعزّز هذا المنطق ما يُتداول من تقارير عن عمليات استهداف لمنشآت نفطية خليجية يُشتبه في تورط إسرائيل فيها، مع محاولة إسنادها إلى إيران بما يفاقم التوتر بين الخليج وطهران ويدفع دول المنطقة إلى ردٍّ محسوبٍ عليه مسبقًا، وهو ما تطرق إليه بعض المنصات الإعلامية، وتقاطعت مع مواقف أبدتها طهران وأصوات داخلية في الولايات المتحدة، من بينها الإعلامي تاكر كارلسون.
استتباعا لما نشرته بالأمس أقول إنه يجب على دول مجلس التعاون ألا تُجَرَّ إلى مواجهة مباشرة مع إيران، رغم أن إيران انتهكت سيادة دول المجلس وكانت البادئة بالهجوم على دولنا، وهذه ليست المرة الأولى التي تقدم فيها إيران على عمل كهذا على الاقل بالنسبة لنا نحن في قطر. وهذا ليس بالنقيض…
— حمد بن جاسم بن جبر (@hamadjjalthani) March 1, 2026
وفي السياق نفسه، عبّر رئيس الوزراء القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني عن جوهر هذه المقاربة حين حذّر من الانزلاق إلى اشتباك مباشر بين دول مجلس التعاون وإيران، معتبرًا أن ذلك سيُفضي إلى “استنزاف موارد الطرفين” ويفتح الباب أمام قوى عديدة للتدخل والتحكم في مسار الأزمة بذريعة المساعدة على احتوائها.
وأضاف رئيس الوزراء القطري الأسبق في منشور كتبه على منصة “إكس” أن تجنب المواجهة المباشرة مع إيران يظل خيارًا ضروريًا من وجهة نظره، لافتا أن ثمة أطرافًا ترغب في دفع دول المجلس إلى الاشتباك المباشر مع إيران، مع إدراكها أن الاشتباك القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى قد ينتهي في مرحلة ما، محذرًا من أن ما بعد هذه الجولة قد يشهد تحولات في موازين القوى الإقليمية، بما في ذلك تعاظم نفوذ “إسرائيل” وتوسع هامش تأثيرها في المنطقة، بما يفرض على دول الخليج حسابات أكثر حذرًا ودقة في إدارة التصعيد.
الاحتواء التدريجي بدلا من المواجهة.. المقاربة الثالثة
أظهرت الساعات الثماني والأربعون الأولى من الحرب، وفق القراءة الخليجية، مقدارًا لافتًا من الاختبار القاسي لمنظومات الدفاع في المنطقة، بعدما بدت السماء الخليجية مكشوفة أمام موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
والأكثر دلالة أن طهران – بحسب هذا التصور – لم تلجأ بعد إلى أقصى ما تملكه من قدرات صاروخية متقدمة، مكتفية بصواريخ تقليدية ومسيّرات محدودة الكفاءة، ومع ذلك لم تتمكن أنظمة الدفاع التي استثمرت فيها العواصم الخليجية لسنوات، وخصوصًا تلك المستوردة من الولايات المتحدة، من منع الاختراقات بصورة حاسمة.
وبالتوازي، تصاعدت مؤشرات القلق داخل دوائر القرار الخليجي مع اتساع نطاق الاستهداف ليطال – أو يقترب من – مواقع لوجستية حساسة، وفي مقدمتها المصافي والمنشآت النفطية، بما يعني أن العمق الاقتصادي بات محتملًا ضمن بنك الأهداف.
وفي لحظة كهذه، بدا أن وجود قواعد أمريكية على أراضي بعض الدول الخليجية لا يترجم بالضرورة إلى مظلة حماية فورية وفعّالة، الأمر الذي عمّق الإحساس بأن الاعتماد على ترتيبات الحماية التقليدية قد لا يكون كافيًا في مواجهة نمط الهجمات الحالي.
– اتهم مسؤول في وزارة الخارجية الإيرانية، "إسرائيل" بتنفيذ بعض هجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت الطاقة والمرافق المدنية في الخليج، في حين أكد أن بعض الضربات التي طالت السعودية وسلطنة عُمان لم تنفذها طهران.
– أوضح المسؤول الإيراني أن من بين المواقع التي تعرضت لهجمات… pic.twitter.com/vTHvQTvCjf
— نون بوست (@NoonPost) March 4, 2026
هذه المعطيات دفعت العواصم الخليجية إلى إدراكٍ أكثر حدة للفجوة بين امتلاك الأسلحة المتطورة وبين القدرة على توظيفها دفاعيًا في مواجهة التهديدات الإيرانية، التي رغم كلفتها المنخفضة لكنها سريعة التكرار والتأثير، ومن هنا، مال المزاج الاستراتيجي الخليجي – على الأقل في المرحلة الأولى – إلى خيار إدارة التصعيد واحتوائه بدل الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، لما تنطوي عليه من كلفة باهظة ومخاطر على الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة.
ورغم أن بعض العواصم الخليجية رفعت نبرة الخطاب التحذيري، ملوّحة بحق الدفاع عن السيادة الوطنية وبإمكانية النظر في خيارات ردٍّ مختلفة، فإن الإبقاء على باب الدبلوماسية مفتوحًا ظل الخيار الأكثر حضورًا، وقد تجلّى ذلك في تفعيل قنوات سياسية متعددة، والسعي إلى ترسيخ سردية تفصل بين الصراع الأمريكي–الإيراني وبين أمن الخليج، بما يحدّ من احتمالات تحويل العواصم الخليجية إلى طرف مباشر في معادلة الحرب.
هامش المناورة الضيق
على الرغم من أن المقاربة الخليجية تميل، في جوهرها، إلى تغليب الدبلوماسية وتفادي المواجهة وتجنّب الوقوع في فخ حرب مفتوحة، فإن ذلك لا يعني القبول بسياسة “الانتظار” أمام تصعيد إيراني يتصاعد يومًا بعد يوم، غير أن واقع المعادلة يفرض على العواصم الخليجية هامش مناورة محدودًا نسبيًا، محكومًا بحسابات الكلفة والقدرة واحتمالات الارتداد.
وفي هذا السياق، يرتكز هذا الهامش على مسارين رئيسيين:
المسار الأول: التصعيد السياسي–الدبلوماسي: ويبدأ بسلسلة إجراءات رمزية وذات دلالة، مثل استدعاء السفراء الإيرانيين للتشاور، أو اتخاذ خطوات أشد تصل إلى خفض التمثيل الدبلوماسي أو طرد البعثات بصورة منسقة على مستوى دول المجلس.
ويمكن أن يتدرج هذا المسار نحو أدوات أكثر تقدّمًا، في مقدمتها نقل الملف إلى مجلس الأمن الدولي بهدف تحميل المجتمع الدولي مسؤولية ما يُنظر إليه كاعتداء على السيادة، بالتوازي مع التلويح بتجميد التفاهمات والاتفاقيات القائمة مع طهران، بما يعكس انتقالًا من الاحتواء إلى سياسة “الضغط المنضبط”
• أعلن زعماء فرنسا وألمانيا وبريطانيا في بيان مشترك استعدادهم للدفاع عن مصالح دولهم ومصالح حلفائهم في الخليج العربي وتدمير قدرات إيران.
• وأكد البيان أن الدول الثلاث قد تلجأ إلى اتخاذ "إجراءات دفاعية" إذا تطلبت الظروف ذلك. pic.twitter.com/SEouihtAqj
— نون بوست (@NoonPost) March 1, 2026
المسار الثاني: تفعيل شبكة الحلفاء الإقليميين والدوليين: وهنا تسعى دول الخليج إلى إدخال أطراف مؤثرة على خط الأزمة، سواء عبر قنوات الضغط السياسي على إيران – خصوصًا من قِبل قوى تمتلك قدرة تواصل أو نفوذًا لدى طهران مثل روسيا والصين – أو عبر توسيع دائرة الشراكات الدفاعية مع الحلفاء الأوروبيين، بما يشمل ترتيبات أمنية وتنسيقية قادرة على دعم منظومات الردع والدفاع في مواجهة الهجمات، وفي هذا الإطار، يبرز الحديث عن مساهمات أوروبية محتملة في بناء مظلة دفاعية أو ترتيبات أمنية مشتركة، وفق ما تسرّب عن توجهات لدى بعض العواصم الأوروبية مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا.
ماذا عن الانخراط العسكري؟
على الرغم من تصاعد نبرة الخطاب السياسي الخليجي إزاء ما يُنظر إليه بوصفه استفزازات واعتداءات إيرانية متكررة، فإن خيار الانخراط العسكري والمواجهة المباشرة مع طهران لا يزال – في المرحلة الراهنة – خارج دائرة القرار، على الأقل بوصفه مسارًا مطروحًا للتنفيذ الفوري، غير أن ذلك لا يعني أن هذا الخيار مُستبعد على نحوٍ مطلق، لا سيما إذا واصلت إيران رفع وتيرة التصعيد إلى مستويات تُلامس أو تتجاوز ما تعتبره العواصم الخليجية “خطوطًا حمراء”.
فعندما تُقدّر دول الخليج أن أمنها الاقتصادي والاجتماعي بات مهددًا على نحوٍ مباشر، وأن الاستهداف لم يعد قابلًا للاحتواء السياسي، قد تضطر إلى مراجعة مقاربة الحياد النسبي وضبط النفس التي تميل إليها حاليًا، وعندها قد يفرض الخيار العسكري نفسه – ولو كآخر الأوراق – على طاولة النقاش.
ومع ذلك، فإن السيناريو الأرجح -في حال الانتقال إلى هذا المسار- لا يتمثل في ردود منفردة تقوم بها دولة خليجية بعينها، بل في رد جماعي منسق ضمن إطار تحالفي أوسع، فأي انخراط خليجي عسكري، إن حدث، يُرجَّح أن يأتي في سياق عملية مشتركة مع الولايات المتحدة وبمشاركة أو دعم من بعض القوى الأوروبية، بما يوفر غطاءً سياسيًا وعسكريًا ويحدّ من مخاطر الانكشاف أو الاستفراد.
مجلس الوزراء السعودي: المملكة ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمنها وحماية أراضيها pic.twitter.com/elHkTeFwnQ
— نون بوست (@NoonPost) March 3, 2026
وبهذه القراءة، يُنظر إلى الخيار العسكري بوصفه “ورقة أخيرة” لا يجري تفعيلها إلا إذا بلغت الأزمة نقطة انسداد، وواصلت طهران رفع كلفة الحرب إلى مستوى ترى معه العواصم الخليجية أن كلفة الامتناع عن الرد أصبحت أعلى من كلفة الانخراط.
وحتى بلوغ هذا الحد، يُرجَّح أن تلتزم دول الخليج مقاربة دبلوماسية حذرة وردودًا منضبطة، مع رهانٍ واضح على عامل الوقت لإطفاء الأزمة وتبريد مساراتها، سواء عبر حسمٍ جذري يطيح بالنظام الإيراني، أو عبر ترتيبات تهدئة محددة – أيًا كانت الصيغة التي ستؤول إليها.
وفي جميع الأحوال، تبدو هذه الحرب مرشحة لأن تدفع الخليج – هكذا يُفترض- إلى مراجعة واسعة لعدد من مقارباته السياسية والعسكرية والأمنية، بما ينعكس مباشرة على تصوره لموقعه داخل شبكة التحالفات الإقليمية والدولية، وعلى تعريفه لحدود الاعتماد على الضمانات التقليدية، ما يعني أن ما قبل 28 فبراير/شباط 2026 – وفق الرؤية الخليجية – لن يكون كما بعده، لا على مستوى الحسابات الأمنية ولا على مستوى التموضع الاستراتيجي.
