ترجمة وتحرير نون بوست
عندما ساهم حلف شمال الأطلسي (الناتو) في إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، سادت آمال ببداية جديدة لليبيا. لكن بعد أكثر من عقد؛ وجد الليبيون أنفسهم أمام واقع مختلف: رجل ارتبط سابقًا بوكالة الاستخبارات المركزية يدير مفاصل القوة في البلاد، فيما تحولت ليبيا إلى مثال جديد على العواقب غير المقصودة للتدخلات الأجنبية.
في يوليو/تموز 2025، وصل أربعة من كبار المسؤولين الأوروبيين إلى شرق ليبيا لعقد اجتماع عاجل؛ حيث كان وزير الداخلية الإيطالي قد تابع بقلق ارتفاع أعداد المهاجرين الوافدين خلال الأشهر الستة السابقة. أما المسؤول اليوناني المكلف بملف الهجرة فكان مصدومًا بعد وصول ألفي شخص إلى جزيرة كريت خلال أسبوع واحد، وخشي وزير الداخلية في مالطا أن تكون بلاده الوجهة التالية. وفي الوقت نفسه، كان مفوض الهجرة في الاتحاد الأوروبي يسعى لإنقاذ اتفاق بقيمة مئات الملايين من اليوروهات، وسط دلائل على فشل محاولات وقف تدفق القوارب.
ليبيا اليوم نقطة التقاء لأزمات متعددة؛ فشريطها الساحلي الممتد نحو 1100 ميل، وهو الأطول على البحر المتوسط في أفريقيا، أصبح نقطة الانطلاق الرئيسية للمهاجرين المتجهين شمالاً نحو أوروبا. ومنذ إسقاط معمر القذافي عام 2011؛ تمزقت البلاد بفعل حروب أهلية متعاقبة. وزودت روسيا وتركيا ومصر والإمارات فصائل متنافسة بالأسلحة والدعم، فيما تجاوز الصراع حدود ليبيا. فمن قواعد عسكرية في الجنوب؛ تضخ روسيا والإمارات مقاتلين وأسلحة إلى الحرب الأهلية في السودان، ما دفع مئات الآلاف من اللاجئين إضافياً شمالًا نحو الساحل الليبي.
من يسيطر على ليبيا يمتلك ورقة ضغط مؤثرة على أوروبا. ومع ذلك؛ فإن الأزمة السياسية في البلاد معقدة إلى درجة تربك حتى المسؤولين الأوروبيين المخضرمين. فالبلاد منقسمة بين حكومتين، واحدة في الغرب وأخرى في الشرق، ولا تحكم أي منهما فعليًّا. وتعترف الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، التي تشكلت عام 2021 للإشراف على انتخابات لم تُجرَ قط. وردًّا على ذلك، عيّن مجلس النواب المنتخب عام 2014 حكومة منافسة في بنغازي عام 2022، رغم أنها لا تحظى باعتراف رسمي من أي دولة. وكل من الإدارتين في الشرق والغرب تدّعي السلطة الوطنية، لكن أيًّا منهما لا تسيطر على النفط أو القواعد العسكرية أو طرق الهجرة التي تمنح ليبيا أهميتها الإستراتيجية بالنسبة لأوروبا؛ ولكن رجل واحد فقط يفعل ذلك: خليفة حفتر.

يبلغ حفتر اليوم 82 عامًا ويحمل لقب القائد العام للجيش الوطني الليبي، وهو تحالف ميليشيات تأسس عام 2014 ثم صادق عليه البرلمان الشرقي لاحقًا، لكن اللقب لا يعكس مدى نفوذه الفعلي، فقواته تسيطر على حقول النفط وموانئ التصدير في وسط ليبيا، بينما تراقب وحداته الساحلية الشاطئ الشرقي وتدير شبكات التهريب التي تغذي أزمة الهجرة نحو أوروبا، كما تستضيف قواعده العسكرية قوات أجنبية تشارك في الحرب في السودان. وبالنسبة لصناع القرار الأوروبيين الذين يواجهون تحديات الهجرة وأمن الطاقة وتصاعد النزاعات الإقليمية؛ يُعد حفتر اللاعب المسيطر عمليًّا على كل ما يهم.
ووصل الوفد الأوروبي إلى بنغازي على أمل عقد لقاء خاص مع حفتر، لكنهم اصطدموا عند وصولهم بشرط وحيد؛ إذ أصر الجنرال على أن يجتمعوا أولًا، وعلانية أمام الكاميرات، بوزراء الإدارة الشرقية التي يدعي خدمتها. وبما أن أوروبا لا تعترف رسميًّا بتلك الحكومة؛ فإن لقاء وزرائها يعني منحهم الشرعية، أما الرفض فيعني عدم الوصول إلى حفتر. وعندما رفض الأوروبيون ذلك، مُنعوا من الدخول، ولم يتجاوز الوفد صالة المطار قط. وكشفت هذه الإهانة عن الأكذوبة المركزية في ليبيا: لكي تصل إلى الرجل الأقوى في البلاد، عليك أن تتظاهر بأنه ليس الرجل الأقوى.
وفي عام 2011؛ تدخلت القوى الأجنبية للإطاحة بالقذافي، وهذا هو ما بنوه، وبينما تسقط القنابل على إيران، ويعد مهندسو تدخلٍ آخر بأن القوة ستحقق الحرية، تقف ليبيا كالأمثولة التي يرفضون قراءتها. كل تدخل يحمل الوعد نفسه: “أزيحوا الديكتاتور وسيتنفس الشعب الحرية”، لكن ليبيا هي ما يحدث فعليًّا عندما يُزال الديكتاتور ويُنسى الشعب.
على مدى أكثر من عقد؛ بينما انشغل السياسيون الليبيون بالتنافس على الاعتراف الدبلوماسي، كان حفتر يغير موازين القوة على الأرض، مراكمًا السيطرة على النفط والأراضي والداعمين الأجانب الذين يشكلون جوهر السلطة الحقيقية. فهو يقدّم نفسه باعتباره خادمًا للحكومة الشرقية، لكنها حكومة يوافق هو على وزرائها، ويطوق جنوده برلمانها، ولا تُطبق قوانينها إلا عندما يسمح بذلك. وفي المقابل؛ تعتمد الحكومة المنافسة في طرابلس على عائدات النفط والبنية التحتية التي تمر عبر أراضٍ يمكنه إغلاقها متى شاء. وهكذا تصبح كلتا الحكومتين مسؤولتين رسميًّا عن كل شيء، من دون أن تمتلك أي منهما سلطة فعلية على أي شيء أساسي. هذا هو نظام حفتر: السيطرة على كل ما يهم، من دون مساءلة عن أي شيء، وإجبار الجميع على التظاهر بأن هذا الترتيب غير موجود.
ويستند هذا النظام إلى دعم خارجي من قوى إقليمية ودولية، وإلى صمت مفروض في الداخل؛ فمصر وروسيا والإمارات تعترف رسميًّا بالحكومة في طرابلس، لكنها عمليًّا تدعم حفتر. وتمول الإمارات عملياته وتوفر الأسلحة التي تفرض سلطته، وتقدم مصر له معلومات استخباراتية وتتيح له استخدام قاعدة عسكرية داخل أراضيها. أما روسيا فترسل مرتزقة يحرسون حقوله النفطية ويقاتلون في حروبه، وفي مايو/أيار 2025 استقبل فلاديمير بوتين حفتر في الكرملين وعرض عليه حماية دبلوماسية في مجلس الأمن الدولي. ومن دون هؤلاء الرعاة سينهار نظام حفتر؛ ومعهم يصبح بمنأى إلى حد كبير عن المساءلة. وقال طارق المقرحي، الباحث البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “القوى الأجنبية تحافظ على هذه المسرحية بقدر ما يفعل حفتر نفسه. فهي تستطيع الادعاء بدعم سيادة ليبيا بينما تدعم الرجل الذي يقوضها”.
في شرق ليبيا، لا ينخدع أحد بهذه الصورة؛ فوجه حفتر يطل من اللوحات الإعلانية في أنحاء بنغازي، وصوره معلقة في المكاتب الحكومية. وفي مايو/أيار 2025 أطلقت الحكومة الشرقية اسمه على مدينة جديدة. وأبناؤه يقودون وحدات عسكرية، ويشرفون على عقود إعادة الإعمار، ويجرون لقاءات خارجية كأنهم ورثة ينتظرون دورهم. ومع ذلك؛ فإن قول ما يعرفه الجميع أمر محفوف بالمخاطر، ففي شرق ليبيا كل شيء خاضع للمراقبة. وتقول حنان صلاح، المديرة المشاركة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “هيومن رايتس ووتش”: “يعتقد الناس أن نفوذ حفتر بلا حدود. قواته تأخذ شخصًا من منزله، سواء كان مواطنًا عاديًّا أو نائبًا في البرلمان، فيختفي. هو يسيطر على المحاكم، ويسيطر على التحقيقات، يعمل بإفلات كامل من العقاب لأن المجتمع الدولي اختار الاسترضاء بدلاً من المساءلة.”
الجميع يرى الحقيقة، لكن قلة تجرؤ على قولها، وحفتر هو المتظاهر الأكبر في ليبيا. وكما قال جوناثان وينر، المبعوث الأمريكي السابق إلى ليبيا، فإن حفتر يرى نفسه “مسيح الكثبان، المخلّص الصحراوي الذي يتحكم في مصير الأمم بينما يتظاهر بأنه أداة الشعب”.
أمضى حفتر خمسين عامًا يدرس عن كثب كيفية عمل السلطة: إلى جانب القذافي بينما كان الديكتاتور يحكم عبر اللجان والمجالس دون أن يحمل لقبًا رسميًّا، وفي معسكر سجن في تشاد حيث جعل نفسه لا غنى عنه لكل من السجانين والأسرى، وكعميل لوكالة الاستخبارات المركزية في فرجينيا، الذي لعب لاحقًا دورًا لصالح وكالة الاستخبارات الأمريكية ضد نظام القذافي، وكقائد فاشل في ثورة رفضته حتى صمد أكثر من جميع من عارضوه. وكل تجربة علمته الحقيقة نفسها: السلطة لا تحتاج إلى عرش، ومن خلال المسافة بين ما يعرفه الجميع وما لا يستطيع أحد قوله؛ من هناك يحكم.
بدأت الحياة السياسية لحفتر بالخيانة؛ ففي الأول من سبتمبر/أيلول 1969 وقف، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، كتفًا إلى كتف مع معمر القذافي ضمن مجموعة الضباط الشباب الذين أطاحوا بالملك إدريس، ملك ليبيا الموالي للغرب. وخلال السنوات التالية صعد في صفوف الدولة الثورية التي أسسها القذافي ليصبح أحد أكثر قادته العسكريين ثقة.
وفي عام 1986 رقّى القذافي حفتر إلى رتبة عقيد وأرسله لقيادة القوات الليبية في تشاد المجاورة. آنذاك كان البلدان يخوضان حربًا منذ نحو عقد، وقد تطور الصراع إلى معركة للسيطرة على طرق التهريب والشبكات المسلحة عبر منطقة الساحل، المنطقة الإستراتيجية التي تربط ليبيا بالنيجر والسودان. وأراد القذافي تأمين الحدود، وكان حفتر هو الضابط الذي اختاره لهذه المهمة.
لكن التعيين انتهى بكارثة؛ ففي مارس/آذار 1987، في قاعدة وادي الدوم الجوية النائية، هزمت القوات التشادية المدعومة بالقوة الجوية الفرنسية والأميركية جيش حفتر. وقُتل مئات الجنود الليبيين، وأُسر حفتر مع أكثر من ألف من رجاله ونُقلوا إلى مجمع سجن على أطراف العاصمة التشادية. وكان القذافي ينكر دائمًا وجود قوات ليبية في تشاد، ولم يعترف بالإذلال الذي وقع في وادي الدوم. وعندما ذكر مسؤولون اسم حفتر بعد الهزيمة، رد ساخراً: “هل لدينا شخص في الجيش بهذا الاسم؟ ربما تقصدون راعياً في الصحراء اسمه حفايطر”؛ فما يقرب من عقدين من الخدمة المخلصة انتهت بخيانة في جملة واحدة.
بالنسبة لمعظم أسرى الحرب، كان يمكن أن تنتهي القصة في ذلك المعسكر. أما بالنسبة لحفتر، فكانت مجرد محطة أخرى في تعلّمه كيفية عمل السلطة؛ فقد كانت إدارة ريغان تسعى للتخلص من القذافي، الذي اعتبرته حليفًا للاتحاد السوفييتي، وكانت وكالة الاستخبارات المركزية تتابع التطورات على الأرض عن كثب. وفي حفتر رأت قائدًا مدربًا يقود ألف جندي ساخطين ويحمل ضغينة يمكن استغلالها. وفي ربيع عام 1987 تسلل ضباط استخبارات أميركيون إلى معسكر السجن ضمن فريق من مفتشي الإغاثة الإنسانية، وجلبوا الطعام والدواء، وجلبوا أيضًا تسجيلات لخطب القذافي شغلوها للأسرى، حيث كان قائدهم ينكر وجودهم ويسخر منهم. وكان الهدف دفعهم للانقلاب عليه، وقد تحقق ذلك، وقال أحد شخصيات المعارضة الليبية في تشاد لاحقاً: “الأميركيون زرعوا البذرة، لكن كبرياء حفتر المجروح هو الذي جعلها تنمو.”
بدأ الأميركيون بعدها بزيارة حفتر بانتظام، وكان يُسمح له أحيانًا بمغادرة المعسكر للقاء الرئيس التشادي حسين حبري. ووفقًا لمعتقلين سابقين وشخصيات معارضة، سرعان ما سيطر حفتر على توزيع الطعام والدواء والاتصالات داخل المعسكر وفرض الانضباط بين الأسرى، وكان البقاء يتطلب الطاعة له.
وفي أغسطس/آب 1987 أبلغ حبري زعيم حركة المعارضة الليبية الرئيسية في المنفى أن حفتر والأسرى يريدون الانضمام إليهم. وقال مختار مرتضى، الذي كان آنذاك عضوًا بارزًا في الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا: “كانت صدمة؛ لقد كان يطبق نظام القذافي، والآن يريد أن يكون حليفًا. لم نكن نعرف كيف نصنفه، لكننا رأينا فرصة لإيذاء النظام”.
وزار مرتضى حفتر بعد ذلك بفترة قصيرة، وما وجده أثار قلقه، فقد كان مجمع السجن مشهدًا قاسيًا: ثكنات مكتظة بالأسرى، خمسون أو ستون شخصًا في الزنزانة الواحدة، وروائح المجاري والمرض، ورجال أنهكهم الجوع والحر. وفي الوسط، بعيداً عن كل ذلك، فيلا صغيرة ذات شرفة ومطبخ ومياه جارية؛ والتي كانت مقر حفتر، والذي خرج للقائه بعد أن استحم، مرتديًا قفطانًا أبيض نظيفًا ولحيته مشذبة بعناية، ويتذكر مرتضى: “لم يكن يبدو كأسير؛ كان يبدو كضيف”.
في يونيو/حزيران 1988 أعلن حفتر عن تأسيس الجناح المسلح للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، مطلقًا عليه اسم الجيش الوطني الليبي، الاسم ذاته الذي سيعيد إحيائه بعد عقود. وكان جيشًا بلا أرض ولا دولة، لكن الاسم وحده كان كافيًا: فقد حوّل أسيرًا منبوذًا إلى قائد مرة أخرى، ومنح وكالة الاستخبارات المركزية كيانًا يمكن الاعتراف به ودعمه. ودربت وكالة الاستخبارات الأمريكية حفتر ورجاله على حرب العصابات في معسكرات خارج العاصمة التشادية نجامينا، وكانوا يُعرفون في واشنطن باسم “الكونترا الليبيين”. وقال أحد أعضاء الجبهة الذين تدربوا معه: “كان لديه أسلوب في السيطرة على المكان؛ فقد طويل القامة، وعريض الكتفين، وصارمًا. وكان يجعلك تشعر أنه المسؤول، حتى في خيمة مليئة بالغبار”.
ثم، في ديسمبر/كانون الأول 1990؛ انهار هذا الترتيب عندما أطاح جنرال تشادي مدعوم من القذافي فجأة بالرئيس حبري، فسارع الأميركيون إلى إجلاء أصولهم. وقال لي ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية كان يعمل على الملف الليبي: “وضعنا 300 من رجال حفتر على متن طائرة سي-130 بلا حقائب، وهتفنا فرحًا عندما أقلعت الطائرة”، وخلال الأشهر الستة التالية نُقل حفتر ورجاله بين عواصم أفريقية مختلفة بينما كانت الحكومات توازن بين الضغوط الأميركية والتهديدات الليبية؛ حيث كان القذافي يسعى للقبض عليهم.
وأصبح شبح جيش درّبته وكالة الاستخبارات المركزية يقوده عقيد ليبي سابق، يبث رسائله إلى الداخل ويجند المنشقين، هاجسًا يطارد القذافي، ومع تصاعد جنونه الارتيابي، أرسل فرق اغتيال عبر أوروبا والعالم العربي لملاحقة شخصيات المعارضة أو “الكلاب الضالة” كما كان يسميهم. وداخل ليبيا كان الناس يختفون بسبب إشاعة أو حتى نكتة. ومن بين أكثر من ألف جندي ليبي أُسروا في تشاد، لم يصل إلى الولايات المتحدة بحلول مايو/أيار 1991 سوى نحو 300 فقط، أما الباقون فتفرقوا أو أُعيدوا إلى ليبيا، وكثيرون لم يُرَ لهم أثر مرة أخرى.
كان والدي، أحد أبرز الفيزيائيين في ليبيا، قد غادر طرابلس في السبعينيات لإكمال الدكتوراه في إنجلترا. وفي الجامعات التي تركها خلفه كان الطلاب يُشنقون على بوابات الحرم بسبب مواقفهم السياسية، وقد ترك ذلك أثرًا عميقًا فيه، وجعل له أعداء داخل النظام لأنه قال ذلك علنًا. أثناء نشأتي في مدينة يورك شمال إنجلترا في أوائل التسعينيات، كنت أقضي الصيف مع أمي في طرابلس بينما بقي هو في إنجلترا؛ فقد كان من الخطر عليه أن يعود.
في طرابلس كان البقاء يعتمد على التظاهر، فعندما اختفى أحد الأقارب أخبرت عمتي الجيران أنه في إجازة، لكنني وجدتها تبكي في المطبخ عند منتصف الليل، تضغط يديها على فمها حتى لا يسمعها أحد. وأثناء العشاء ركلني ابن خالتي تحت الطاولة عندما ذكرت صديق والدي المختفي حسين، وتعلمت أن أتظاهر بأنه غير موجود. كل صباح، أثناء إقامتنا في طرابلس، كانت سيارة مراقبة من نوع بيجو بزجاج معتم تقف أمام منزل عمي، وتبقى هناك حتى تُضاء مصابيح الشارع، وكنا نتظاهر بأننا لا نراها، والرجال بداخلها يتظاهرون بأنهم لا يراقبوننا.
وفي أواخر عام 1995 غادرت أمي منزلنا في إنجلترا وسافرت إلى طرابلس لحضور جنازة شقيقها، ومرت أسابيع ثم أشهر، وعلمنا لاحقًا أنها احتُجزت في مطار طرابلس؛ حيث أمرها ضباط المخابرات أن تخبر والدي أن يأتي إلى ليبيا، وأنهم يريدون فقط التحدث معه، لكنها أرسلت الرسالة المعاكسة عبر صديق للعائلة: الأمر غير آمن، لا تأتِ، اعتنِ بالأطفال، وكانت تقول وداعاً، فلم تكن تعلم إن كانت سترانا مرة أخرى. وبقيت تحت الإقامة الجبرية حتى منتصف عام 1996، عندما رشى أحد الأقارب مسؤولاً عسكرياً كبيراً لاستعادة جواز سفرها، ومُنحت ساعات قليلة للمغادرة، فعبرت برًّا إلى تونس ثم طارت إلى الوطن، والتقينا في المطار، وكانت أنحف مما رأيتها في حياتي، واحتضنتني طويلاً، ثم سألتني ماذا أريد للعشاء، وتحدثنا عن كل شيء باستثناء المكان الذي كانت فيه.
لاحقًا، بنى حفتر نظامه الخاص على نفس الأسس: الإخفاءات القسرية، والصمت، والتظاهر بأن كل شيء على ما يرام.
وبينما كان الليبيون في الغرب يتعاملون مع هذه المخاوف، كان حفتر يبني حياة جديدة في الولايات المتحدة. وبحلول صيف 1991 كان يعيش في شقة بغرفة نوم واحدة في مبنى سكايلاين هاوس في فولز تشيرش بولاية فرجينيا، على مقربة من مقر وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي. لكنه لم يندمج حقًّا في الحياة الأميركية؛ حيث كان يُنقل بسيارة بين اجتماعات في لانغلي ولقاءات داخل الجالية، حيث بدا منغلقًا ومحرجًا اجتماعيًّا.
ويتذكر صلاح البكوش، وهو معارض ليبي عاش في المبنى نفسه، مشهدًا في شقة حفتر يلخص سنواته الأميركية: أسير حرب ليبي سابق كان يقدم لهما الشاي في صمت، رأسه مطأطأ، تمامًا كما كان يفعل في معسكر السجن في تشاد. وقال البكوش: “كنا هنا في ضاحية من ضواحي فرجينيا، وهذا الرجل المكسور يخدمنا وكأن شيئاً لم يتغير. هذا أخبرني بكل شيء عن حفتر، فلم يكن يبني حياة جديدة، بل كان يعيد خلق حياته القديمة”.
وكانت وكالة الاستخبارات المركزية قد أعادت توطين حفتر، لكن هذا الترتيب جاء مع توقعات؛ حيث قال ضابط سابق في وكالة الاستخبارات المركزية: “كانت واشنطن مليئة بالمعارضين عديمي الفائدة، والوكالة أرادت أكثر من ذلك، معلومات استخباراتية مفيدة من داخل البلد. وكانت المعادلة بسيطة: نحن سعداء بإعادة توطينك، لكننا نحتاج معلومات قابلة للاستخدام من شبكاتك الخاصة. وإلا فأنت مجرد عبء”.
في عام 1992 بدأت وكالة الاستخبارات المركزية والجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التخطيط لانقلاب داخل ليبيا، وكُلّف حفتر بتجنيد ضباط من النظام مستعدين للانشقاق. ولأكثر من عام كان يسافر إلى زيورخ للقاء ضباط في الجيش الليبي مستعدين للمخاطرة بكل شيء لإسقاط القذافي. وخلال تلك الرحلات نفسها، اتضح لاحقاً أن حفتر كان يلتقي سرًّا أيضاً بأحمد قذاف الدم، ابن عم القذافي وأحد كبار رجال النظام.
وبحسب مختار مرتضى ومحمد المقريف، الذي كان آنذاك زعيم الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا – وكلاهما عمل مع حفتر عن قرب في تلك الفترة – كان حفتر يلعب على الجانبين؛ للأميركيين وللجبهة، وقال إن لقاءاته مع رجال النظام تهدف إلى جمع المعلومات الاستخباراتية ضمن التحضير للانقلاب. أما لرجال القذافي فقدم شيئاً أكثر قيمة: أسماء كل ضابط تعهد بخيانة النظام. في أكتوبر/تشرين الأول 1993 أُطلق الانقلاب داخل ليبيا، لكنه فشل خلال ساعات؛ حيث اعتقل النظام مئات المتآمرين، وأُعدم معظمهم.
قد لا تُعرف الحقيقة الكاملة أبداً، لكن ما حدث بعد ذلك روى قصته الخاصة؛ ففي عام 1995 حصل حفتر على فيلا في القاهرة كهدية شخصية من القذافي، وهو أمر سيعترف به علنًا بعد عقود عندما لم يعد الأمر مهمًّا. وفي العام نفسه انفصل حفتر عن الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا وأسس منظمة منافسة سماها “الحركة الليبية للتغيير والإصلاح”، وكان الانقسام قاتلًا للمعارضة: فقد استهلك الاقتتال الداخلي ما تبقى من الجبهة، وكان القذافي يريد المنفيين منقسمين وقد حصل على ما أراد.
كان ضابط وكالة الاستخبارات المركزية السابق مترددًا في تأكيد كيف أو متى انتهت العلاقة مع حفتر رسميًّا، ولكن الواضح أنه بحلول منتصف التسعينيات كانت الاستخبارات الأميركية تعتبر حفتر أصلًا غير موثوق من حقبة الحرب الباردة لم يعد لديه حرب يخوضها. ومع ذلك استمرت علاقاته مع القذافي، ففي عام 2005 زار القذافي عائلة حفتر في فيلتهم بالقاهرة. لم يكن حفتر موجودًا، لكن في تسجيل صوتي مسرب من اللقاء قال القذافي لابنه الأكبر إن حفتر كان مثل الأخ بالنسبة له.
بحلول عام 2011 كان حفتر قد عاش في فرجينيا عقدين من الزمن، وكانت وكالة الاستخبارات المركزية قد تخلت عنه منذ فترة طويلة، لكنه ظل يحتفظ بجنسيته الأميركية وبمظالمه. وعندما اندلعت الثورة الليبية في فبراير/شباط من ذلك العام كان يتابعها على شاشة التلفزيون. وقال معارض ليبي التقى به في تلك الفترة: “كانت عيناه مثبتتين على الشاشة”. وفي أوائل مارس/آذار قاده علي أبو زعكوك، وهو معارض بارز أصبح لاحقًا نائبًا في البرلمان وكان يعرف حفتر منذ أكثر من عشرين عامًّا، بسيارته إلى مطار دالاس استعدادًا لعودته إلى بنغازي. وقال أبو زعكوك: “تعانقنا، لكن الرجل الذي وصل إلى ليبيا كان مختلفاً عن الرجل الذي أوصلته إلى المطار. كنت أعتقد أنه سينضم إلى الثورة، لكنه كان ذاهباً للسيطرة عليها”.
عندما هبط حفتر في بنغازي في 15 مارس/آذار 2011، وصل متأخراً إلى ثورة لم تكن بحاجة إليه، وكان القذافي لا يزال يسيطر على طرابلس والغرب، أما في الشرق فقد شكل الثوار مجلسًا انتقاليًّا: وهو ائتلاف فضفاض من منشقين ومحامين وأكاديميين مصممين على استبدال الحكم العسكري بحكومة مدنية. وعلى الأرض كانت السلطة بيد المتظاهرين الذين شكلوا كتائب مسلحة ودفعوا ثمن ذلك بالدم، وكانوا لا يثقون بضباط الجيش المحترفين، أو الأشخاص ذوي العلاقات الأجنبية، أو المسؤولين المرتبطين بالنظام القديم، وكان حفتر يجسد الثلاثة معًا.
وخلال أيام بدأ أبناء حفتر يقتربون من قادة الكتائب، متحدثين عن رغبة والدهم في «حماية الثورة»، وبعد أسبوع أعلن المتحدث العسكري للمجلس تعيين حفتر قائداً جديداً دون استشارة القيادة السياسية، قال حفتر لصحيفة نيويورك تايمز في أبريل/نيسان من ذلك العام: “أنا أسيطر على الجميع. على الثوار وعلى قوات الجيش النظامي”، كان ذلك مجرد تبجح؛ ففي ذلك الوقت لم يكن يسيطر على أحد.
مضت الحرب من دونه؛ ففي أواخر مارس / آذار بدأت حملة جوية لحلف الناتو بقيادة بريطانيا وفرنسا وبدعم من الولايات المتحدة بقصف قوات القذافي. وفي أغسطس/ آب سيطر الثوار على طرابلس، وفي أكتوبر/ تشرين الأول أُلقي القبض على القذافي وأُعدم. وفي يوليو/تموز 2012 توجه الليبيون إلى صناديق الاقتراع لأول مرة منذ عام 1969، وانتُخب محمد المقريف، الرئيس السابق لحفتر في المنفى، رئيسًا للبرلمان، وانسحب حفتر إلى مزرعة جنوب طرابلس، ومثلما حدث في تشاد، بدا أنه انتهى.
غير أن الفشل علّمه الصبر؛ حيث قال محمد بويصير، الذي عمل مستشاراً سياسياً لحفتر منذ عام 2014 قبل أن ينفصل عنه عام 2016: “ما كان يدفعه لم يكن مجرد أيديولوجيا مثل القذافي، ولا حتى مجرد السلطة المجردة؛ بل كان الأمر أكثر شخصية من ذلك. وكان يريد أن يعرف أن اسمه سيُذكر في تاريخ ليبيا، ليس كالقائد المهزوم في تشاد، بل كالرجل الذي أنقذ ليبيا”.
ما تلا ذلك كان انهيار النظام الذي رفضه الليبيون، في الغرب تحولت كتائب الثورة إلى ميليشيات وقسمت طرابلس إلى إقطاعيات مسلحة، وفي الشرق اغتيل قضاة ونشطاء وضباط عسكريون. ومع عمل جماعات مسلحة علنًا تحت رايات جهادية، أصبح وصف “إسلامي” اتهامًا شائعًا إلى درجة أنه فقد معناه تقريبًا، وصار وسيلة لوصم العدو، سواء كان جهاديًّا حقيقيًّا أم لا.
وفي الوقت نفسه كان المزاج الإقليمي يتغير؛ ففي يوليو/تموز 2013 أطاح الجيش المصري، بدعم من الإمارات والسعودية، بحكومة الإخوان المسلمين، وترسخت رواية جديدة: الإسلاميون هم المرض، والجنرالات هم العلاج.
رأى حفتر فرصته. وفي فبراير/شباط 2014 حاول إطلاق انقلاب، لكن عندما لم تنضم إليه أي قوات اضطر إلى الفرار إلى بنغازي مع مذكرة اعتقال بحقه، وهناك بدأ بناء قاعدة قوة حقيقية يمكن أن تمنحه ما يريد. وكما حدث في معسكر السجن في تشاد، رأى حفتر في بنغازي مكانًا مليئًا برجال يشعرون بأنهم تُركوا وتعرضوا للإذلال والتهميش: ضباط سابقون في النظام حُرموا من السلطة، وجماعات مسلحة قاتلت القذافي ثم جرى تهميشها، أدرك أنه يستطيع تنظيمهم إذا وجد قضية توحدهم.
وفي 16 مايو/أيار 2014 أطلق حفتر “عملية الكرامة”، معلنًا “حربًا على الإرهاب” ضد الإسلاميين، وأعاد إحياء اسم “الجيش الوطني الليبي” الذي كان استخدمه لأول مرة في تشاد عام 1988؛ حيث منح هذا الاسم حينها وكالة الاستخبارات المركزية غطاءً لدعمه. أما الآن فقد منح مصر والإمارات الغطاء نفسه: لم يكونا يدعمان أمير حرب بميليشيات، بل جيشًا يقاتل الإرهاب.
وبدعم من غارات جوية مصرية وإماراتية هاجمت قواته الفصائل الجهادية والكتائب الثورية في بنغازي وطرابلس في اليوم نفسه، ما أدخل البلاد في حرب أهلية، وكل من عارض حفتر وُصف بأنه “إسلامي”.
وبعد أسابيع عمّقت الانتخابات البرلمانية الثانية في ليبيا الانقسام؛ حيث اجتمع البرلمان الجديد في الشرق، بينما رفض البرلمان القديم في طرابلس حل نفسه. وبحلول نهاية العام أصبح للبلاد حكومتان وبرلمانان وادعاءان للشرعية، من دون أي آلية لاستبدالهما أو التوفيق بينهما، وما زال هذا الانقسام قائمًا إلى حد كبير حتى اليوم.
وفي أوائل عام 2015 استخدم عقيلة صالح، رئيس البرلمان الشرقي، تفجيرات تنظيم الدولة الإسلامية ذريعة لتعيين حفتر قائداً للجيش. وعلى الورق كان حفتر يخضع لصالح، لكن في الواقع كان البرلمان يجتمع داخل أراضٍ تسيطر عليها قواته، والسياسيون الذين يعارضونه كانوا يختفون أو يفرّون.
ومنح البرلمان الشرقي ميليشياته ما منحته الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا لحفتر من قبل في تشاد: غطاءً قانونياً، وعندما توسطت الأمم المتحدة في تشكيل حكومة وحدة في ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، خفضت مكانة البرلمان الغربي وطلبت تصويت ثقة من برلمان صالح، لكن برلمانه رفض وعيّن حكومة منافسة، لم توحّد الأمم المتحدة ليبيا، بل منحت حفتر حق النقض.
كانت الثورة قد حاولت بناء نظام من دون حفتر وفشلت، والآن حصل على ما يحتاجه: جيش يجيبه، وبرلمان يعتمد عليه، وداعمون خارجيون – الإمارات ومصر ولاحقًا روسيا – مستثمرون في بقائه. ولم يكن يحكم رسمياً أو يشغل منصباً تنفيذياً، لكنه كان يسيطر على الرجال الذين يفعلون ذلك.
ما تعلمه في تشاد، وصقله في المنفى، واختبره في بنغازي، أصبح الآن كاملاً. لقد وجد النظام الذي يناسبه.
اليوم، ومن قاعدة جوية سوفياتية قديمة في الرجمة خارج بنغازي، يدير حفتر نظامه. من الخارج يبدو المجمع عاديًا؛ أما في الداخل فيعمل كمقر لسلطة لا وجود لها على الورق لكنها تتحكم في كل ما يهم: حقول النفط، وموانئ التصدير، والبرلمان، والمحاكم، والرجال المسلحين.
أساس هذه القوة هو النفط؛ ففي سبتمبر/أيلول 2016 استولت قوات حفتر على “الهلال النفطي”، وهو شريط ساحلي بطول 250 ميلاً يضم أربعة من أكبر موانئ تصدير النفط في ليبيا؛ حيث يمر عبر هذه الموانئ ثلثا النفط الخام الليبي.
وتحت ضغط دولي أعاد حفتر السيطرة التشغيلية إلى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، وهي الجهة الوحيدة التي يعترف بها العالم كمصدر للنفط، لكنه احتفظ بالسيطرة العسكرية على المنطقة، ما منحه نفوذًا هائلًا.
ففي أغسطس/آب 2024 حذر عقيلة صالح من أن استبدال محافظ مصرف ليبيا المركزي – وهو أمر عارضه حفتر – “قد يؤدي إلى إغلاق النفط”. وفي الوقت نفسه تندد السفارات الغربية باستمرار بأي تعطيل لتدفق النفط من دون تسمية القائد الذي تسيطر قواته على كل الموانئ، وهكذا يستمر هذا الوهم من جميع الأطراف.
من عام 2016 إلى 2019، بينما كانت حكومتان تدّعيان الشرعية، كان حفتر يُستقبل في قمم في باريس وأبوظبي، وعلى الرغم من لقاءاته المتكررة مع رئيس الوزراء المدعوم من الأمم المتحدة فايز السراج، رفض كل التسويات.
وقال المبعوث الأميركي الخاص السابق جوناثان وينر: “عرضنا عليه سلطة شرعية، قيادة مجلس عسكري تحت إشراف مدني، أو القيادة عبر الانتخابات إذا اختاره الشعب الليبي. لكنه كان يهز رأسه فقط؛ فلم يكن مستعدًا لأن يكون تابعًا لأي شخص، منتخبًا كان أم لا”.
داخل الأراضي التي يسيطر عليها خليفة حفتر، كان النظام أبسط وأكثر صرامة. فمنذ عام 2014 صُنّفت أي معارضة على أنها إرهاب. مظاهرة، ومحادثة عابرة، أو حتى منشور على فيسبوك: أي انتقاد قد يعرّض صاحبه لعقوبة الإعدام.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2016 عُثر على عدد كبير من الجثث في شارع الزيت على أطراف بنغازي، كانت مقيدة الأيدي ومصابة بطلقات نارية وملقاة بين القمامة، إلى درجة أن السكان أطلقوا عليه اسم «شارع الجثث”. وقال بويصير: “عندما سألت عن فتى في السادسة عشرة من عمره اختفى في بنغازي في أوائل عام 2016، أبلغوني ببساطة أنهم قتلوه بتهمة التجسس. اعترضتُ قائلًا: كنا نفترض أننا نبني دولة مؤسسات وقانون. نظروا إليّ وكأنني ساذج، بل إن أحد الضباط لمح إلى أنني قد أكون متعاطفاً مع الإرهابيين”، وبعد ذلك بوقت قصير غادر بويصير دائرة حفتر وعاد إلى الولايات المتحدة.
بحلول عام 2019 كان حفتر قد راكم ديونًا بلغت نحو 25 مليار دولار، بعدما موّل قواته عبر سندات غير رسمية وقروض من مصارف تجارية، وحتى دنانير مطبوعة في روسيا جرى تداولها في المناطق التي يسيطر عليها. وكان بحاجة إلى أن يفتح مصرف ليبيا المركزي في طرابلس خزائنه.
وفي 4 أبريل/نيسان 2019 أطلق هجومًا واسعًا للسيطرة على طرابلس، وكانت إدارة ترامب قد منحت عملياً الضوء الأخضر للعملية إذ أبلغه مستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون أن يتحرك “بسرعة” إذا أراد الاستيلاء على العاصمة وتوحيد البلاد تحت سلطته. وبعد أيام من بدء الهجوم اتصل ترامب نفسه ليشيد بجهود حفتر “في مكافحة الإرهاب”. وبحلول الصيف انضم مرتزقة روس إلى قواته البرية، ما حوّل ما كان يُفترض أن يكون انقلابًا خاطفًا إلى حصار طويل الأمد.
وبعد سنوات من محادثات سلام غير مثمرة، تخلى حفتر أخيرًا عما وصفه منتقدوه بالمسرحية الدبلوماسية. ففي يوليو/تموز من ذلك العام ظهرت النائبة عن بنغازي سهام سرقيوة على قناة تلفزيونية مؤيدة لحفتر داعيةً إلى الحوار بدلًا من الحرب، لكن بثها قُطع في منتصف الجملة. وفي تلك الليلة اقتحم مسلحون منزلها واقتادوها بالقوة، قبل أن يكتبوا على جدار المبنى عبارة “الجيش خط أحمر”. ومنذ ذلك الحين لم تُرَ سرقيوة، وتعتقد عائلتها أنها اختُطفت على يد قوات موالية لحفتر.
في نهاية المطاف فشل هجوم حفتر على طرابلس؛ ففي أواخر عام 2019 تدخلت تركيا دعمًا للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة، في محاولة لإجبار حفتر على التفاوض. وفي الشهر التالي، وخلال مؤتمر عُقد في برلين لإنهاء الحرب، وبينما كان قادة العالم ينتظرون إعلان الاتفاق، لم يكن حفتر موجودًا؛ فقد ذهب لأخذ قيلولة. وقالت المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز: “لم يكن الأمر إرهاقاً، بل كان عرضَا مسرحيًّا هدفه إظهار أنه يعمل خارج القواعد”، ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق.
وفي أواخر عام 2020 توسطت الأمم المتحدة في اتفاق لوقف إطلاق النار أنهى الحرب، ونص الاتفاق على وضع قوات حفتر تحت قيادة مدنية، لكنه رفض ذلك مرة أخرى. وكان من المقرر إجراء انتخابات في ديسمبر/كانون الأول 2021، إلا أن العملية انهارت بعد خلافات حول أهلية المرشحين والقوانين الانتخابية، ومنذ ذلك الحين لم تُجرَ أي انتخابات، وعادت البلاد إلى حالة الانقسام.
وخلال تلك الفترة ازدادت قبضة حفتر المالية إحكامًا؛ ففي أواخر عام 2024 اكتشف مسؤولون في مصرف ليبيا المركزي في طرابلس نحو عشرة مليارات دينار جديدة متداولة تحمل أرقاماً تسلسلية غير موجودة في نظام المصرف، وكانت أوراق نقدية مزورة قد أغرقت الاقتصاد قادمة من الشرق. وقد ساعد هذا المخطط في تمويل قوات حفتر وسداد ديون مرتزقته الروس، وكانت هذه الأوراق المزورة تُتداول كعملة حقيقية في شرق ليبيا وتُستبدل بالدولار في السوق السوداء، ما منح موسكو وصولاً إلى عملة صعبة حُرمت منها بسبب العقوبات الغربية منذ غزو أوكرانيا. ووجد المصرف المركزي نفسه أمام خيار صعب: كشف الاحتيال والمخاطرة بإشعال أزمة مالية جديدة، أو امتصاص الخسارة بصمت. وقال مصدر داخل المصرف: “كنا نعرف تمامًا من أين جاءت هذه الأوراق، لكن قول ذلك يعني مواجهة، والمواجهة تعني توقف النفط وانخفاض قيمة الدينار أكثر. لذلك استوعبناها ولم نقل شيئاً. هكذا تبقى المؤسسات في ليبيا على قيد الحياة: تقبل ما لا تستطيع مواجهته.”
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025 سُحبت الأوراق المزورة بهدوء وأُدرجت في دفاتر المصرف، بينما ازدادت ثروة حفتر، وقال مسؤول غربي سابق: “التعامل مع كذبة يمكن إدارتها أسهل من مواجهة حقيقة لا يمكن إصلاحها”.
اليوم، وقد بلغ حفتر 82 عاماً، يواجه المعضلة الكبرى في النظام الذي بناه: كيف يمكن نقل السلطة في نظام يعتمد على مؤسسات لا تعمل إلا لأن لا أحد يعترف بمن يسيطر عليها فعليًّا؟ ماذا يحدث عندما يختفي الرجل الذي يقف وراء هذا التظاهر؟
ويتفق مراقبون على أن حفتر يسعى إلى تأمين إرثه عبر أبنائه؛ حيث تقول ستيفاني ويليامز: “كانت عيناه تلمعان عندما يعرّفك إلى أبنائه”. ووفقاً لمن عرفوا العائلة عن قرب، كان أحد الأبناء يحظى بمكانة خاصة. ويقول بويصير: “كان صدام دائماً المفضل لديه. ربما لأنه يعكس قامة والده وهيبته أكثر من غيره”.
وقد تقاسم أبناء حفتر أركان النظام فيما بينهم، استعداداً لما يُشاع أنه عام انتقال السلطة. فصدام، الذي عُيّن نائباً للقائد العام في أغسطس/آب 2025، يُعد الوريث الأبرز، ويتولى قيادة أقوى كتائب والده، أما خالد فيشغل منصب رئيس الأركان ويتولى الحفاظ على تماسك الجيش.
بلقاسم، وهو مهندس تحول إلى رجل أعمال، يدير مليارات الدولارات من عقود إعادة الإعمار لإعادة بناء المدن التي دمرتها حروب والده. والصدِّيق، وهو شاعر، يتولى إدارة السياسة القبلية عبر لجان مصالحة تعد بالسلام والمغفرة لكنها لا تحققها، أما عُقبة فيشرف على قطاع العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي.
لكل منهم لقب رسمي، لكن أياً منهم لا يشغل منصبًا منتخبًا، وقد جرى التحضير لمسألة الخلافة بشكل علني إلى درجة أنها لم تعد سرًّا تقريبًا. ووفق تقارير حديثة، يشارك دبلوماسيون أميركيون حاليًا في مناقشات حول صفقة لتوحيد الحكومتين المتنافستين في ليبيا، مع صدام رئيساً لها.
غير أن حفتر بنى نظامه لرجل واحد، لا لخمسة، وعلى أبنائه الآن أن يقتسموا ما لم يشاركه والدهم قط: الأرض والمال والمرتزقة واقتصادًا مُخاطًا بعملة مزورة، في بلد منقسم تملك فيه حكومة منافسة ميليشياتها وداعميها الأجانب.
لقد أعد القذافي أبناءه للحكم لعقود ومنحهم أيديولوجيا يرددونها مهما كانت فارغة، ومع ذلك كانوا يتنازعون فيما بينهم قبل أن تجرفهم الثورة. أما أبناء حفتر فلا عقيدة تجمعهم، بل براغماتية البقاء فقط. كان القذافي يزعم أنه يشرف على نظام حكم شعبي؛ أما نظام حفتر فلا يدّعي شيئاً سوى الموافقة الصامتة.
المصدر: الغارديان