مثلت الحروب التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية محطات حاسمة بالنسبة لأنقرة أعادت تشكيل نظرتها إلى الأمن الإقليمي وحدود دورها في صراعات المنطقة.
ففي حرب الخليج عام 1991 انحازت تركيا إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد العراق، فأوقفت تصدير النفط العراقي عبر أراضيها وفتحت قاعدة إنجرليك أمام العمليات العسكرية، وعزز هذا الاصطفاف موقع أنقرة داخل المنظومة الغربية ورفع وزنها الجيوسياسي، لكنه كشف في المقابل عن الكلفة الباهظة للتورط في حروب الإقليم.
إذ تكبدت تركيا خسائر اقتصادية قدرت بنحو 30 مليار دولار سنويا نتيجة تعطل التجارة وإغلاق خطوط الطاقة وتراجع السياحة، فضلا عن استضافة مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين. كما أدى إنشاء منطقة آمنة كردية شمال العراق بعد الحرب إلى تنشيط نشاط حزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية، ما فتح فصلا جديدا من التحديات الأمنية التي امتدت لسنوات طويلة.
“تركيا عدو أسوأ استراتيجيًا على إسرائيل من إيران”.. رئيس منتدى الشرق وضاح خنفر يتحدث عن الأسباب التي تجعل “إسرائيل” تخشى من صعود النفوذ التركي بعد تراجع النفوذ الإيراني pic.twitter.com/zMx5r8YwsK
— نون بوست (@NoonPost) March 2, 2026
هذه التجربة الثقيلة ظلت حاضرة في الذاكرة السياسية التركية، لذلك عندما طلبت الولايات المتحدة من أنقرة عام 2003 السماح بمرور عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين عبر الأراضي التركية لفتح جبهة شمالية ضد العراق، جاء الرد مختلفا، إذ رفض البرلمان التركي الطلب في قرار عكس مزاجا شعبيا واسعا معارضا للحرب، كما عكس قلق المؤسسة السياسية والأمنية من تكرار فوضى ما بعد حرب الخليج من دون ضمانات واضحة لمصالح تركيا.
يومها طالبت أنقرة بحماية حدودها واقتصادها وبأن يكون لها دور في رسم مستقبل العراق لكن عندما لم تتوفر هذه الضمانات فضلت الابتعاد عن المواجهة. ورغم ما تسبب به القرار من توتر مؤقت مع واشنطن، فإنه رسخ مبدأ بات جزء من عقيدة السياسة الخارجية التركية متمثلة بأن التحالفات مهمة لكن أمن تركيا ومصالحها القومية تظل المرجع الحاسم عندما تتعارض الحسابات.
دبلوماسية الرفض
مع احتدام المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تجد تركيا نفسها أمام معادلة معقدة تفرض عليها موازنة دقيقة بين مقتضيات التحالفات ومخاوف الجغرافيا.
فتحاول أنقرة التمسك بما يمكن وصفه بـالحياد الحذر، ساعية إلى تجنب الانزلاق إلى الصراع، لكنها في الوقت ذاته تشدد على أن أمنها القومي خط أحمر لا يمكن التساهل معه. وقد زادت التطورات الميدانية الأخيرة من حساسية هذا الموقف، لا سيما بعد إعلان أنظمة الدفاع التركية بدعم من حلف شمال الأطلسي، اعتراض صاروخ باليستي إيراني كان متجها نحو الأراضي التركية، وهو حادث أعاد طرح أسئلة جدية حول حدود الدور التركي واحتمالات انخراطه في هذا التصعيد الإقليمي.
ومنذ اللحظات الأولى لتبادل الضربات بين الأطراف المتصارعة، سارعت أنقرة إلى إعلان رفضها للتصعيد العسكري والدعوة إلى إحياء المسار الدبلوماسي.
“المشكلة الحقيقية مع تركيا هي أنه لا يمكن التحكم بها”.. الإعلامي الأمريكي، تاكر كارلسون، يناقش السبب الذي يجعل من تركيا تهديدًا لـ “إسرائيل”. pic.twitter.com/2OC9U0pgMt
— نون بوست (@NoonPost) March 3, 2026
فأعرب الرئيس رجب طيب أردوغان عن أسفه لانهيار الجهود السياسية التي سبقت اندلاع المواجهة، محملا إسرائيل مسؤولية إشعال الشرارة الأولى للتصعيد، كما وصف الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران بأنها غير شرعية وتمثل انتهاكا لسيادة دولة في المنطقة. وفي المقابل انتقد أردوغان الردود الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أمريكية في بعض دول الخليج، في موقف عكس محاولة تركية واضحة للحفاظ على مسافة متوازنة من أطراف الصراع.
وفي إطار هذه المقاربة، كثف الرئيس التركي اتصالاته مع قادة إقليميين في محاولة لاحتواء التوتر كما وجه رسالة تعزية إلى الشعب الإيراني عقب تأكيد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، داعيا إلى تغليب لغة العقل والعودة إلى المسار الدبلوماسي لضمان الاستقرار في المنطقة.
ولم يقتصر هذا الموقف على الحكومة وحدها، إذ برزت ملامح توافق داخلي لافت في تركيا حول رفض الحرب، فقد حمل دولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومية وحليف أردوغان، إسرائيل مسؤولية إشعال فتيل حرب غير عادلة وغير مشروعة، داعيا إلى وقف فوري للعمليات العسكرية. وفي الاتجاه نفسه شدد زعيم المعارضة أوزغور أوزال على رفض التدخلات العسكرية الأجنبية في إيران، محذرا من أن توسع المواجهة قد يقود المنطقة إلى كارثة يصعب احتواؤها.
هل يتوسع نطاق الحرب إلى تركيا والناتو؟
أعاد اعتراض الصاروخ الإيراني فوق الأراضي التركية طرح تساؤلات حساسة حول احتمال اتساع رقعة المواجهة لتتجاوز حدود الصراع الحالي وتلامس حلف شمال الأطلسي نفسه، فتركيا بوصفها عضوا في الحلف، تمتلك أدوات قانونية تتيح لها نقل القضية إلى مستوى أطلسي أوسع إذ يمكن لأنقرة، في حال شعرت بأن أمنها مهدد اللجوء إلى المادة الرابعة من ميثاق الناتو لطلب مشاورات طارئة بين الدول الأعضاء.
كما يظل احتمال تفعيل المادة الخامسة التي تنص على اعتبار أي اعتداء على دولة عضو اعتداء على الحلف بأكمله قائما نظريا إذا تكررت الهجمات أو استهدفت الأراضي التركية بشكل مباشر. مثل هذا السيناريو إن تحقق، سيعني عمليا نقل المواجهة إلى مستوى جديد تماما، قد يحول الحرب الإقليمية إلى أزمة دولية واسعة النطاق.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان: دول الخليج عملت بشكل مكثف لمنع اندلاع الحرب وقصف إيران لدول الخليج من دون أي تمييز يعد استراتيجية خاطئة. pic.twitter.com/mbwx3anVP1
— نون بوست (@NoonPost) March 4, 2026
غير أن المؤشرات حتى الآن توحي بأن أنقرة لا ترغب في دفع الأمور إلى هذا الحد، فبعد حادثة الصاروخ اكتفت تركيا بالتأكيد على حقها في الدفاع عن أمنها، مع الدعوة في الوقت ذاته إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد. ولم تظهر القيادة التركية أي توجه فوري لتفعيل آليات الدفاع الجماعي للحلف، وهو ما انسجم أيضا مع تصريحات وزير الدفاع الأمريكي الذي أشار إلى عدم وجود مؤشرات تدفع نحو تفعيل المادة الخامسة في هذه المرحلة في محاولة واضحة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة أوسع.
ويعكس هذا الموقف الحذر إدراكا تركيا لحساسية اللحظة، فمواجهة مباشرة بين إيران وحلف الناتو قد تخرج الصراع من إطاره الإقليمي المحدود إلى مواجهة دولية يصعب التحكم بمسارها. لذلك تبدو أنقرة حريصة على تحقيق توازن دقيق بين إظهار الجاهزية الدفاعية والقدرة على الردع وبين تجنب أي خطوة قد تفسر على أنها محاولة لجر الحلف إلى ساحة الحرب. وفي هذا السياق تبدو الرسالة التركية لطهران واضحة بأن أمن تركيا خط أحمر لا يمكن تجاوزه لكن تحويل المواجهة إلى صراع دولي أوسع لن يكون في مصلحة أحد.
هواجس أنقرة
يمكن فهم تمسك تركيا برفض الحرب ومحاولتها تجنب الانخراط العسكري من خلال قراءة شبكة الهواجس الأمنية والاقتصادية التي تحكم تفكير صناع القرار في أنقرة.
فعلى الصعيد الأمني تخشى تركيا أن يؤدي انهيار الاستقرار في إيران إلى فتح جبهة اضطراب جديدة على حدودها الشرقية تمتد تداعياتها سريعا إلى الداخل التركي، فأنقرة محاطة بالفعل بمناطق توتر مزمنة في سوريا والعراق، إضافة إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا، وهي لا تبدو مستعدة لتحمل عبء أزمة إقليمية جديدة مع جار كبير بحجم إيران.
ويأتي في مقدمة هذه المخاوف ملف التنظيمات الكردية المسلحة إذ تنظر تركيا بقلق إلى علاقات بعض الفصائل الكردية في إيران، وعلى رأسها تنظيم الحياة الحرة الكردستاني المرتبط بحزب العمال الكردستاني، ما يثير مخاوف من أن يؤدي أي فراغ أمني داخل إيران إلى توسيع نشاط هذه الجماعات عبر الحدود، وهو سيناريو تعتبره أنقرة تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
إلى جانب الهواجس الأمنية تبرز مخاوف إنسانية واقتصادية لا تقل أهمية. فاندلاع حرب واسعة أو انهيار مؤسسات الدولة في إيران قد يفتح الباب أمام موجة نزوح جديدة نحو تركيا، التي تستضيف بالفعل ملايين اللاجئين وهو عبء تدرك الحكومة التركية أن اقتصادها وبنيتها الاجتماعية قد لا يتحملان موجة جديدة منه.
وفي الوقت ذاته تقف العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وطهران على المحك، فإيران تعد شريكا تجاريا مهما ومصدرا رئيسيا لواردات الغاز الطبيعي التي تعتمد عليها تركيا. ومن شأن استمرار الحرب أو استهداف البنية التحتية للطاقة أن يهدد إمدادات الغاز ويقوض التجارة الثنائية التي تقدر بمليارات الدولارات سنويا. كما أثارت الضربات الإيرانية التي استهدفت منشآت النفط والملاحة في الخليج قلقا متزايدا في أنقرة، التي ترى في اضطراب أسواق الطاقة العالمية تهديدا مباشرا لاقتصادها.
وفي هذا السياق حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن استهداف منشآت الطاقة قد يكون جزءا من محاولة إيرانية لرفع كلفة الحرب وإجبار الولايات المتحدة على التراجع، لكنه اعتبر أن هذا النهج لن يحقق النتائج المرجوة بل قد يفتح الباب أمام مواجهة اقتصادية واسعة النطاق تطال الجميع. وتعكس هذه القراءة إدراكا تركيا واضحا بأن اتساع رقعة الصراع سيقودها إلى حرب استنزاف اقتصادية ستدفع دول المنطقة بما فيها تركيا ثمنا باهظا لها.
علاقات معقدة
يتشكل الموقف التركي من الحرب الدائرة في المنطقة ضمن شبكة علاقات معقدة تربط أنقرة بكل من إيران والغرب. فالعلاقة مع طهران رغم ما يطبعها من تنافس إقليمي واضح، ظلت محكومة بقدر كبير من البراغماتية.
وعلى امتداد العقود الماضية نجح البلدان في إدارة خلافاتهما دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، سواء في سوريا حيث تباينت حساباتهما الاستراتيجية أو في ملفات إقليمية أخرى. وإلى جانب المصالح الاقتصادية وفي مقدمتها اعتماد تركيا جزئياً على الغاز الإيراني، تربط البلدين حدود برية طويلة تقارب 530 كيلومترا حافظت على قدر من الاستقرار النسبي لعقود.
لذلك لا تنظر أنقرة بارتياح إلى احتمال انهيار الدولة الإيرانية أو دخولها في حالة فوضى داخلية، إذ ترى أن بقاء إيران دولة موحدة ومستقرة يخدم توازن المنطقة ومصالحها الأمنية أكثر من سيناريو تفككها أو صعود نظام جديد قد يكون أكثر عداء لها. ولهذا السبب دعمت تركيا قبل اندلاع الحرب، الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إعادة إحياء المسار التفاوضي مع طهران بما في ذلك المفاوضات المتعلقة بالملف النووي وعرضت لعب دور الوسيط لتفادي المواجهة العسكرية.
حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إيران من الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” قبل تعزيز قدراتها العسكرية والاستخباراتية، مؤكدًا في مقابلة مع قناة “TRT Haber” أن على طهران تطوير بنيتها الدفاعية أولًا قبل خوض مثل هذه الصراعات. pic.twitter.com/6nYTrPA7G6
— نون بوست (@NoonPost) March 4, 2026
في المقابل تحتفظ تركيا بعلاقات تحالف تقليدية مع الولايات المتحدة في إطار حلف شمال الأطلسي إضافة إلى علاقات متقلبة مع إسرائيل. وفي ظل الأزمة الحالية تبدو أنقرة بعيدة عن تبني الرؤية الأمريكية والإسرائيلية للصراع. فهي ترى أن الضربات التي تستهدف إيران لا تنفصل عن محاولة إسرائيلية لإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة عبر إضعاف طهران أو الدفع نحو تغيير نظامها، وهو مسار تعتبره أنقرة أقرب إلى مشروع هيمنة إقليمية منه إلى مسعى لتحقيق الاستقرار.
ومع ذلك لا تمنح أنقرة إيران صك براءة. فقد وصف الرئيس أردوغان الهجمات الصاروخية الإيرانية التي طالت بعض دول المنطقة بأنها غير مقبولة مهما كانت دوافعها، خاصة عندما استهدفت دولا خليجية ترتبط تركيا معها بعلاقات سياسية واقتصادية متنامية. ويعكس هذا الخطاب المتوازن محاولة تركية واضحة لتجنب الانحياز الكامل لأي من المعسكرين.
وفي ضوء هذا التوازن الدقيق، تشير مجمل التحركات التركية حتى الآن إلى رغبة واضحة في تجنب الانخراط المباشر في الحرب إلا في حال فرض ذلك عليها دفاعا عن أمنها. فقد أكدت أنقرة مرارا أنها ليست طرفا في هذا الصراع، ولم تبدي أي نية لإرسال قوات أو دعم عمليات عسكرية ضد إيران. كما أنها لم تقدم أي مساعدة لوجستية للضربات الغربية.
وبالتوازي مع ذلك، تتحرك أنقرة بقوة على المسار الدبلوماسي. فقد كثف المسؤولون الأتراك اتصالاتهم مع عواصم إقليمية ودولية في محاولة لاحتواء التصعيد وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض. وتطرح تركيا نفسها وسيطا محتملا يمكنه التواصل مع جميع الأطرا، مستفيدة من موقعها الفريد كعضو في الناتو من جهة ودولة إقليمية تربطها علاقات مع طهران والعالم الإسلامي من جهة أخرى. ويبدو أن الدور الذي تسعى إليه أنقرة هو المساهمة في وقف الحرب لا توسيعها.
ومع ذلك، يبقى هذا الموقف مرهونا بتطورات الميدان. فقد رسمت تركيا خطا أحمر واضحا يتمثل في التعرض المباشر لأمنها القومي. وإذا ما تجاوزت إيران هذا الخط عبر استهداف الأراضي التركية أو مصالحها الحيوية فإن الحسابات التركية قد تتغير جذريا.
عندها ستجد أنقرة نفسها أمام معادلة صعبة، إما الرد عسكريا منفردة أو في إطار الناتو بما يحمله ذلك من مخاطر توسيع الصراع، أو محاولة احتواء الموقف لتفادي انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع. وفي محاولة لاحتواء التوتر سعت طهران.
