يتجه المشهد الإيراني إلى مزيد من السخونة في ضوء التصريحات الأخيرة وما تتداوله وسائل إعلام أميركية بشأن احتمال انتقال الحرب الجارية من نطاقها الجوي إلى مستوى جديد أكثر خطورة، يتمثل في خيار التدخل البري، سواء في صيغة محدودة أو واسعة، فمثل هذا التحول، إن حدث، لن يعني مجرد تصعيد عسكري إضافي، بل سيشكل انتقالًا بالحرب إلى مرحلة أشد اشتعالًا وأكثر تعقيدًا على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، أفادت شبكة “إن بي سي نيوز“، نقلًا عن مصادر مطلعة، بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى في لقاءات خاصة اهتمامًا واضحًا بإمكانية نشر قوات برية داخل إيران، وبحسب المصادر ذاتها، فقد ناقش هذا الطرح مع عدد من مساعديه ومع مسؤولين من الحزب الجمهوري خارج البيت الأبيض، في إطار تصورات أوسع تتعلق بشكل إيران بعد انتهاء الحرب.
ووفق ما أوردته الشبكة، فإن هذه الرؤية تتضمن تأمين مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، إلى جانب تعاون أميركي محتمل مع نظام إيراني جديد في مجال إنتاج النفط، في سيناريو قورن بما شهدته فنزويلا خلال الفترة الأخيرة.
وبالتوازي مع ذلك، أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، أن واشنطن لم تدفع حتى الآن بأي قوات إلى داخل إيران ضمن الهجوم المشترك الذي تخوضه مع إسرائيل، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن بلاده مستعدة للمضي إلى أبعد مدى تقتضيه المعركة.
"نحن بانتظارهم وواثقون من قدرتنا على مواجهتهم".. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يجيب على سؤال حول خشية إيران من غزو بري أمريكي pic.twitter.com/dCUDqoGPMd
— نون بوست (@NoonPost) March 6, 2026
وفي المقابل، جاء الرد الإيراني حادًا، إذ قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إن “أبناء الإمام الخميني والإمام خامنئي الشجعان بانتظاركم”، متوعدًا بأن يتسببوا للمسؤولين الأميركيين، على حد تعبيره، في “آلاف القتلى والأسرى”.
وتتزامن هذه التصريحات الأميركية مع تقارير سابقة تحدثت عن احتمال الاستعانة بفصائل كردية مسلحة في إقليم كردستان للمشاركة في أي تدخل بري محتمل يهدف إلى إسقاط النظام في طهران، وسط تقارير عن مناوشات حدودية جرت بالفعل بين الجيش الإيراني وبعض الفصائل الكردية.
وقد أعادت هذه المعطيات فتح باب التساؤلات بشأن مدى جدية هذا الخيار في حسابات إدارة ترامب، وحدود المقاربة التي يتبناها الرئيس الأميركي تجاه سيناريو لا تزال الذاكرة الأميركية تحتفظ إزاءه بإرث ثقيل من الكلفة البشرية والسياسية في أكثر من ساحة سابقة.
تضارب في التصريحات
تكشف هذه التقارير عن قدر واضح من التباين مع تصريحات سابقة لترامب ألمح فيها إلى أن خيار الغزو البري لا يندرج، في الوقت الراهن، ضمن أولوياته المباشرة، إذ اعتبر أن هذا المسار “مضيعة للوقت”، مشيرًا إلى أن إيران “خسرت كل شيء”، من أسطولها البحري إلى معظم أوراق قوتها، ومؤكدًا في الوقت نفسه أن الضربات الأميركية ستتواصل من حيث الوتيرة والحدة.
وفي السياق ذاته، سعت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، إلى التقليل من أهمية ما أوردته بعض التقارير الإعلامية، مؤكدة في تصريح صحافي أن هذه الروايات “مبنية على افتراضات صادرة عن مصادر مجهولة ليست جزءًا من فريق الأمن القومي للرئيس”.
وأضافت ليفيت أن تلك المصادر “لا تبدو مطلعة على مجريات النقاش الفعلية” مشددة على أن ترامب يحرص دائمًا على إبقاء جميع الخيارات مطروحة، معتبرة أن أي محاولة للإيحاء بأنه حسم تفضيله لخيار بعينه لا تستند إلى معرفة حقيقية بما يجري داخل دوائر صنع القرار.
ويعكس هذا التباين بوضوح أن مسألة التدخل البري في إيران لم تُحسم بعد داخل الأوساط الأميركية، وأنها لا تزال خاضعة لحسابات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية والاستراتيجية، ومع ذلك، فإن عدم حسم هذا الخيار لا يعني استبعاده نهائيًا، بل يؤشر إلى أن واشنطن تتعمد الإبقاء على مساحة من الغموض في خطابها، سواء لتعزيز الضغط النفسي والسياسي على طهران، أو للحفاظ على هامش مناورة أوسع في إدارة مسارات التصعيد، أو ربما تأت في سياق خطة خداعية كما حدث قبل ذلك، حين شٌنت الحرب في خضم المفاوضات بين طهران وواشنطن.
علام يراهن ترامب؟
يستند ترامب ودائرته المقربة، في طرحهم لاحتمال التدخل البري كخيار يمكن اللجوء إليه لإسقاط النظام الإيراني، إلى قناعة متزايدة بأن الضربات الجوية وحدها لم تنجح في تحقيق هذا الهدف، رغم الرهانات المبكرة التي سادت مع انطلاق الحرب، والتي افترضت لدى بعض الأوساط أن اغتيال المرشد الأعلى في يومها الأول قد يفضي سريعًا إلى انهيار بنية النظام.
غير أن مسار الأيام الثمانية الأولى من المواجهة، وما أفرزته من نتائج ميدانية، دفع بعض مراكز التفكير في واشنطن إلى إعادة تقييم المشهد، والانتقال من منطق الحسم الجوي السريع إلى بحث خيارات أكثر اتساعًا، من بينها التدخل العسكري المباشر على الأرض.
وبحسب التقديرات المتداولة، فقد دفعت الولايات المتحدة بحشد عسكري كبير لدعم عملياتها، شمل نحو 50 ألف جندي، إلى جانب ما يقارب 200 مقاتلة، فضلًا عن توظيف منظومات تسليح متطورة، وهو الحشد الذي يعكس – من حيث الحجم والنوعية- ، أن واشنطن لا تدير مجرد حملة ردع محدودة، بل تبني بيئة عملياتية تسمح لها بالانتقال إلى مستويات أعلى من التصعيد إذا ما اتخذ القرار السياسي بذلك.
وتذهب السردية الأميركية إلى أن هذه القوة العسكرية، المسنودة بانتشار بحري كثيف في مياه المتوسط والبحر الأحمر، نجحت في شلّ المجال الجوي الإيراني بصورة شبه كاملة، وفرض سيطرة واسعة على الأجواء، بما جعل سماء طهران مكشوفة نسبيًا أمام الضربات والعمليات العسكرية، بجانب تدمير أجزاء معتبرة من البنية التحتية للنظام الإيراني، واستهداف معظم منصات الصواريخ، فضلا عن إخراج البحرية الإيرانية من المعادلة القتالية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز داخل بعض الأوساط الأميركية تصور مفاده أن التمهيد الجوي والبحري قد يكون قد أوجد الظروف المناسبة لبحث خيار التدخل البري، باعتباره المرحلة التالية المحتملة إذا ما رأت واشنطن أن الحسم النهائي لا يزال يتطلب الانتقال من السيطرة على الأجواء إلى فرض الوقائع على الأرض.
ردع مبكر.. طهران تستبق
وفقًا لمقاربة حرب الوجود التي يخوضها النظام الإيراني دفاعًا عن بقاءه، فلم تتعامل طهران مع التهديدات الأميركية بوصفها مجرد جزء من الحرب النفسية، كما حاول البعض تصويرها، بل قرأتها بجدية واضحة وتعاملت معها باعتبارها احتمالًا عمليًا يستوجب تحركًا سريعًا على الأرض.
ومن هذا المنطلق، لم تتأخر القيادة الإيرانية في اتخاذ خطوات ميدانية على حدودها الغربية والشرقية، في مسعى استباقي لاحتواء أي تحركات انفصالية قد تستغل أجواء التصعيد وتهدد استقرار النظام من الأطراف.
فعلى الجبهة الغربية، استهدفت إيران معسكر “أزادي” في أربيل، الذي يضم عناصر من جماعة “كومله” الكردية الإيرانية المعارضة، في خطوة بدت أقرب إلى رسالة ردع ميدانية هدفها منع أي محاولات تسلل أو إعادة تموضع عبر الحدود.
وجاء هذا التحرك في ظل تقارير تداولتها وسائل إعلام أميركية تحدثت عن استعداد مجموعات كردية إيرانية لتجهيز وحدات مسلحة تمهيدًا للدخول إلى إيران، إلى جانب مزاعم عن برنامج سري تقوده وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لتزويد هذه العناصر بأسلحة خفيفة بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي، وهي مساعٍ قيل إنها بدأت قبل اندلاع الحرب الحالية.
أما على الجبهة الشرقية، فقد وجّهت طهران ضربات صاروخية في إقليم سيستان وبلوشستان، قرب الحدود مع أفغانستان وباكستان، حيث تنشط جماعة “جيش العدل”، في إشارة إلى أن المخاوف الإيرانية لم تكن محصورة في الخاصرة الكردية غربًا، بل امتدت أيضًا إلى الجبهة البلوشية شرقًا.
وبالتوازي مع ذلك، سعت السلطات الإيرانية إلى تحصين الداخل نسبيًا عبر قطع الإنترنت وتضييق منافذ الاتصال الخارجي، وفرض مزيد من التضييق على الإيرانيين، في محاولة لمنع أي تواصل محتمل بين الشارع والقوى المعارضة في الخارج، في إشارة واضحة لحجم القلق الإيراني من سيناريو اختراق متعدد المستويات، يبدأ من الحدود ولا يستبعد أن يمتد إلى العمق الداخلي.
تحديات لوجستية
رغم أن خيار التدخل البري لا يزال حاضرًا على الطاولة الأميركية من الناحية النظرية، فإن ترجمته إلى مسار عسكري فعلي تظل محاطة بجملة معقدة من التحديات اللوجستية والميدانية والاستراتيجية، بما قد يجعله أقرب إلى مقامرة عالية الكلفة منه إلى خيار مضمون النتائج.
فمثل هذا القرار لا يرتبط فقط بالإرادة السياسية أو التفوق العسكري، بل يتطلب بيئة عملياتية شديدة التعقيد، يصعب توفيرها في الحالة الإيرانية بالنظر إلى طبيعة الجغرافيا، وحجم الدولة، وتشابك مسارح الاشتباك المحتملة.
وتأتي الجغرافيا الإيرانية في مقدمة العوامل التي تجعل أي تدخل بري واسع مهمة بالغة الصعوبة، فطهران، على سبيل المثال، تحيط بها من الغرب سلاسل جبال زاغروس، التي شكلت تاريخيًا أحد أبرز خطوط الدفاع الطبيعية في مواجهة الغزوات الخارجية.
وعلى الجبهة الشمالية، تقف جبال ألبرز كحاجز إضافي يفصل القلب الإيراني عن بحر قزوين، ويجعل أي تقدم بري من هذا الاتجاه مشروطًا بعبور ممرات جبلية ضيقة وشديدة الوعورة، أما في الداخل، فإن المساحات الصحراوية الشاسعة، مثل دشت كوير ودشت لوت، لا تمثل فقط فراغًا جغرافيًا، بل تشكل بيئة معادية لوجستيًا قد تتحول إلى عبء ثقيل على أي قوة مهاجمة، بما تفرضه من تحديات الإمداد والتموين والتحرك والتمركز.
ولا تقل القدرات الإيرانية المتبقية أهمية عن العامل الجغرافي، فرغم ما تعرضت له البنية العسكرية الإيرانية من ضربات قاسية، وما لحق بمنظوماتها من إنهاك واستنزاف، فإن الحديث عن انهيار كامل للقدرة القتالية لا يزال مبالغًا فيه، فإيران ما زالت تمتلك، عبر تشكيلاتها المسلحة وشبكاتها المرتبطة بها في الداخل والخارج، مخزونًا من الأسلحة التقليدية والخفيفة والمنظومات المحلية، بما يسمح لها بخوض نمط من الاستنزاف طويل الأمد ضد أي قوة برية متوغلة.
هل يمكن أن تتحول "الورقة الكردية" إلى عامل ضغط حقيقي على طهران أم أن تعقيدات الواقع الميداني والانقسامات الداخلية تجعل هذا الرهان الأمريكي أقرب إلى تصور سياسي منه إلى خيار قابل للتحقق؟
اقرأ المادة كاملة عبر موقعنا.https://t.co/UbF0ocGtxD pic.twitter.com/UCFTL27pN7
— نون بوست (@NoonPost) March 7, 2026
وإلى جانب ذلك، يبرز العامل النفسي–القومي بوصفه عنصرًا مؤثرًا لا يمكن تجاهله؛ إذ إن المجتمع الإيراني، رغم ما يعتريه من أزمات داخلية وما يواجهه من تضييق وانتهاكات من النظام، قد يتعامل مع أي غزو بري أميركي باعتباره اعتداءً خارجيًا على الدولة لا على النظام فقط، بما قد يدفع شرائح واسعة إلى الاصطفاف الوطني في مواجهة التدخل، وهو ما يمنح السلطة هامش تعبئة إضافي ويعقّد مهمة أي قوة مهاجمة.
أما من الجانب الأميركي، فإن الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي حرب من هذا النوع تمثل بدورها عامل ردع مهمًا، فحتى العمليات العسكرية المحدودة نسبيًا تفرض أعباء مالية هائلة، ومع اتساع زمن الحرب وتعدد جبهاتها، تتضخم الفاتورة بصورة قد يصعب احتواؤها داخليًا، لا سيما إذا اقترنت بخسائر بشرية أو بانخراط طويل الأمد على الأرض.
ويزداد المشهد تعقيدًا عند وضع البعد الإقليمي والدولي في الاعتبار، لأن أي تدخل بري في إيران لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل قد يدفع المنطقة كلها إلى موجة تصعيد مفتوحة، في ظل دولة يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة، وتمتلك شبكات نفوذ ووكلاء مسلحين في أكثر من ساحة إقليمية، ومن ثم، فإن خيار التدخل البري، وإن ظل مطروحًا نظريًا، يبقى في الحسابات العملية واحدًا من أكثر الخيارات خطورة وتعقيدًا، ليس فقط على من يبدأه، بل على الإقليم بأسره.
تجربتا العراق وأفغانستان والذاكرة الأمريكية
في خضم الحديث المتصاعد عن احتمال تدخل أميركي بري في إيران، تستعيد الذاكرة الأميركية تجربتين لا تزالان حاضرتين بقوة في الوعي السياسي والعسكري للولايات المتحدة: العراق وأفغانستان، فقد شكّل هذان النموذجان مثالين صارخين على تعقيدات الحروب البرية الحديثة، وعلى الفجوة الواسعة بين سهولة الانخراط العسكري وصعوبة الخروج منه، كما تركت نتائجهما الاستراتيجية أثرًا عميقًا في بنية التفكير الأميركي تجاه أي تدخل بري واسع النطاق، وجعلتا من هذا الخيار مسارًا بالغ الحساسية ومحفوفًا بالمخاطر.
ففي العراق، تحولت الحرب التي بدأت عام 2003 إلى واحدة من أكثر التجارب كلفة وإرباكًا للولايات المتحدة، إذ استمر الانخراط الأميركي سنوات طويلة، وتكبدت واشنطن خلالها خسائر بشرية ومادية جسيمة، مع سقوط أكثر من 4500 جندي أميركي، فضلًا عن كلفة مالية قُدرت بمئات المليارات من الدولارات.
أما في أفغانستان، فلم يكن المشهد أقل قسوة؛ إذ امتد الوجود الأميركي قرابة عقدين، من 2001 حتى 2021، قبل أن ينتهي بانسحاب ترك خلفه مشهدًا شديد الرمزية تمثل في عودة حركة طالبان إلى السلطة، بما عكس حدود القدرة الأميركية على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي دائم.
ومن ثم، فإن استحضار هاتين التجربتين، إلى جانب نماذج أخرى أكثر إيلامًا في الذاكرة الأميركية مثل فيتنام والصومال، يجعل من أي حديث عن تدخل بري في إيران أقرب إلى استدعاء كابوس استراتيجي كامل، لا مجرد خيار عسكري عابر.
وبالاستناد إلى خصوصية الحالة الإيرانية التي تختلف في معطياتها عن تلك التجارب السابقة، يصبح الدخول في حرب برية جديدة ضد دولة بهذا الحجم، جغرافيًا وبشريًا وسياسيًا، يثير داخل أمريكا مخاوف عميقة من تكرار مشاهد الاستنزاف، وتعقيد مسارات الحرب، والانزلاق إلى سيناريوهات يصعب التحكم في مآلاتها.
ما البدائل؟
في مقابل خيار التدخل البري الشامل، بما يحيط به من صعوبات ميدانية وتحديات لوجستية وتعقيدات سياسية، تبرز على السطح سيناريوهات أخرى بوصفها بدائل أكثر قابلية للتنفيذ وأقل كلفة من حيث المخاطر المباشرة.
وتقوم هذه السيناريوهات على منطق العمليات الخاصة والمحددة والخاطفة، أي التحركات العسكرية المركزة التي تستهدف تحقيق أهداف نوعية ذات أثر استراتيجي، بما قد يسرّع إضعاف النظام الإيراني أو يهيئ الظروف لإسقاطه من دون الانزلاق إلى حرب برية واسعة ومفتوحة.
وفي هذا السياق، يستعرض اللواء السابق في الجيش العراقي ماجد القيسي خمسة سيناريوهات محتملة يمكن أن تلجأ إليها الولايات المتحدة في إطار ما يمكن وصفه بالتدخل البري الجزئي، من بينها تنفيذ عمليات إنزال بحري محدودة لتأمين نقاط استراتيجية حساسة، لا سيما في محيط مضيق هرمز، بهدف تحييد منصات الصواريخ الساحلية التي تمثل تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية ولحركة الطاقة في المنطقة.
كما تشمل هذه السيناريوهات تنفيذ عمليات نوعية تستهدف منشآت نووية أو صاروخية محددة، بغرض تعطيلها أو منع إعادة تشغيلها، في مسعى لتقليص القدرات الاستراتيجية الإيرانية وإضعاف بنيتها الردعية، ولا تقتصر هذه المقاربة على استهداف المنشآت المعروفة فقط، بل تمتد أيضًا إلى مخازن ومصانع إنتاج محصنة يصعب القضاء عليها بالكامل عبر الضربات الجوية وحدها، وهو ما قد يستدعي تنفيذ عمليات برية دقيقة لضمان تدميرها بصورة نهائية.
أما السيناريو الرابع، والأكثر إثارة للجدل، فيتمثل في دعم مجموعات معارضة لفتح جبهات داخلية وتشتيت الجهد الدفاعي الإيراني، وهو خيار يحمل في طياته تداعيات شديدة الحساسية على تماسك الداخل الإيراني وعلى استقرار الإقليم برمته، وأخيرًا تنفيذ عمليات مركزة تستهدف قيادات عسكرية بارزة أو مسؤولين عن برامج استراتيجية، بهدف شلّ القدرة القيادية للمنظومة العسكرية الإيرانية وإرباك دوائر اتخاذ القرار داخلها.
متى يكون التدخل البري ممكنًا؟
بعيدًا عن تعدد هذه المقاربات والسيناريوهات، يبقى خيار التدخل العسكري الشامل، رغم ما يحيط به من صعوبات وتعقيدات، حاضرًا في دائرة النقاش ولم يخرج نهائيًا من الحسابات المطروحة، غير أن فرص نجاح هذا الخيار لا تبدو منفصلة عن جملة من الشروط والتطورات التي من شأنها خفض كلفته وتسريع مسار تحقيق أهدافه، وفي مقدمتها تعميق إضعاف بنية النظام الإيراني على نحو شامل، بما يؤدي إلى تقليص نفوذه، واستنزاف قدراته، وتقويض قدرته على الصمود والمناورة.
وفي السياق ذاته، يبرز عامل الداخل الإيراني بوصفه عنصرًا حاسمًا في أي مقاربة من هذا النوع، سواء من خلال تحفيز قوى المعارضة الداخلية، أو عبر توظيف النزعات الانفصالية والتحركات المسلحة في الأطراف، ولا سيما في المناطق الكردية، إلى جانب بقية المكونات العرقية الأخرى التي قد يُنظر إليها بوصفها أوراق ضغط يمكن استثمارها لإرباك النظام وتشتيت جهوده الدفاعية، فكلما اتسعت جبهات الضغط الداخلي، تراجعت قدرة طهران على تركيز مواردها في مواجهة أي تحرك عسكري خارجي واسع.
ومع ذلك، يظل العامل الأكثر أهمية في ترجيح هذا السيناريو أو رفع فرص نجاحه هو ألا يأتي في إطار تحرك أميركي منفرد، بل ضمن عملية دولية واسعة تحظى بمشاركة قوى كبرى وغطاء سياسي وعسكري متعدد الأطراف، على غرار بريطانيا وفرنسا وغيرها.
فمثل هذا الانخراط الجماعي لا يمنح العملية فقط قدرًا أكبر من الشرعية والقدرة التنفيذية، بل يخفف أيضًا من أعبائها السياسية والعسكرية، ويجعل من التدخل -إذا تقرر- جزءًا من مقاربة دولية أوسع، لا مجرد مغامرة أميركية منفردة مفتوحة على المجهول، وهو ما يتطلب تنسيقًا بشكل أو بأخر مع المعسكر الشرقي وفي مقدمته روسيا والصين يعمل على تحييدهما نسبيًا وفق مقاربة خاصة.
في المحصلة، ومع استمرار كرة النار الإقليمية في التدحرج ساعة بعد أخرى منذ الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي، تبدو الساحة مفتوحة على جميع الاحتمالات، بما في ذلك السيناريوهات الصفرية الأكثر تطرفًا، التي لم يكن مطروحًا تصورها بجدية على طاولة النقاش قبل بضعة أشهر فقط.
فحدة التحولات الجارية، وتسارع وتيرة التصعيد، واتساع دوائر الاشتباك، كلها عوامل تدفع المنطقة إلى لحظة فارقة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة إلى إعادة تشكيل أعمق في موازين القوى والخرائط السياسية، وأيًا تكن المآلات النهائية لهذه الحرب، فإن المؤكد أنها لن تمر بوصفها جولة عابرة في سجل الأزمات الإقليمية، فما بعدها لن يكون، بأي حال، كما كان قبلها.
