ترجمة وتحرير: نون بوست
في غضون ساعات قليلة من انطلاق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في نهاية الأسبوع الماضي، تم إغلاق المسجد الإبراهيمي في الخليل والمسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة، حيث قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بطرد المصلين، وبررت الإغلاق باتخاذ “إجراءات وقائية” في زمن الحرب.
تفتقر المنازل الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية تمامًا إلى الملاجئ الواقية من القنابل، كما لا تتوفر أي ملاجئ عامة. أما في أراضي عام 1948، فإن نحو نصف الفلسطينيين يفتقرون لمكان آمن للاحتماء من الهجمات الجوية، وذلك وفقًا لبيانات صادرة عن مراقب الدولة الإسرائيلي.
إن منع المصلين من الوصول إلى المساجد، وإجبارهم على البقاء في منازلهم أو الأسواق أو الشوارع أو أماكن العمل، لا يجعلهم أكثر أمانًا على الإطلاق. وفي ظل حرب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة، فإن إدعاء السلطات الإسرائيلية بأنها تهتم بسلامة أي فلسطيني ليست مجرد فكرة مثيرة للسخرية، بل تثير الاشمئزاز.
إن استهداف المساجد عبر هذه الإجراءات ينبع بالأحرى من رؤية الاستبدال الديني التي تتبناها الحكومة الصهيونية واليمين الصهيوني بشكل أوسع. ويطلق الصهاينة المتدينون، الذين أصبحوا التيار المهيمن في المجتمع الإسرائيلي، على المسجد الأقصى اسم “جبل الهيكل“.
يقوم أتباع هذا التيار بعملية “محو ذهني” متعمدة بمجرد سماع هذا المصطلح. وينطبق الأمر نفسه على الحرم الإبراهيمي، الذي يعتبره اليمين الصهيوني “كهف البطاركة“.
تهدف إسرائيل من خلال فرض إجراءات الطوارئ وإغلاق المساجد إلى تحقيق هدفين، الأول هو ترسيخ السيادة الإسرائيلية المزعومة على هذه المواقع وتهميش الإدارة الإسلامية، حيث تملي القوات الإسرائيلية شروط الدخول إلى تلك المواقع.
في هذه الحالة، يتحوّل دور الأوقاف الإسلامية إلى مجرد متفرج يخضع لأي إجراءات تفرضها إسرائيل.
أما الهدف الثاني فهو عزل المساجد وإغلاقها أمام المصلين خلال شهر رمضان المبارك، ليكون ذلك بمثابة تجربة حية لاختبار إمكانية إغلاقها بالكامل والاستيلاء عليها في أي وقت لاحق.
لوائح صارمة
تتضح خطورة هذه الإغلاقات عند وضعها في سياقها الصحيح، بما في ذلك محاولات إسرائيل تاريخيا للسيطرة على الوصول إلى المسجد الأقصى. خلال العقد الماضي، عملت إسرائيل بلا هوادة على تجريد الأوقاف من سلطتها في فتح المسجد وإغلاقه.
وقد شهدت هذه المساعي المستمرة عدة محطات رئيسية. في عام 2017، وبعد تنفيذ ثلاثة فلسطينيين هجوما أدى لمقتل خمسة إسرائيليين عند باب الأسباط، أغلقت إسرائيل المسجد وثبّتت بوابات إلكترونية عند مداخله، إلا أن المقاومة الشعبية العارمة أجبرت إسرائيل في نهاية المطاف على التراجع عن قرار وضع البوابات الإلكترونية.
وفي عام 2020، أُغلق الأقصى مرة أخرى وسط قيود صارمة فُرضت في كافة أنحاء إسرائيل خلال جائحة كورونا، رغم أن المسجد عبارة عن ساحة كبيرة مفتوحة وكان من السهل تطبيق التباعد الاجتماعي. لم يتم فتح المسجد لمدة شهرين، وظل مغلقًا طوال شهر رمضان.
وفي يونيو/ حزيران 2025، خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، أغلقت السلطات الإسرائيلية المسجد مرة أخرى طوال فترة الصراع. تأتي عمليات الإغلاق الشاملة التي أُعلن عنها قبل أيام استنادًا إلى هذه السوابق، وكأن سلطة فتح المساجد وإغلاقها أصبحت من صلاحيات حكومة الاحتلال.
وفي الوقت نفسه، تعمل إسرائيل تعمل على توسيع وتطبيع عدوانها على المسجد الأقصى خلال شهر رمضان. فبعد أن كان يتسم بحساسية شديدة، تحول إلى شهر لاختبار آلية الإقصاء. وما يتم فرضه خلال رمضان يفتح الباب أمام المزيد بعده.
كما تكررت دعوات الحاخامات والنشطاء الإسرائيليين لإقامة طقوس ذبح القرابين في المسجد الأقصى احتفالًا بعيد الفصح اليهودي، وهي خطوة أخرى تهدف إلى تقويض “الوضع الراهن” الذي يُفترض بموجبه أن يكون الموقع المقدس مخصصًا حصريًا لصلاة المسلمين.
تصعيد العدوان
تصاعد العدوان الإسرائيلي بشكل أكبر خلال شهر رمضان الحالي، حيث أفادت التقارير بأن السلطات الاسرائيلية منعت بعض حراس المسجد الأقصى من القيام بمهامهم، كما أوقفت إدخال الإمدادات والمعدات الضرورية للمسجد.
ومع بداية رمضان، صادقت إسرائيل على خطة تهدف إلى تقييد دخول الفلسطينيين بحد أقصى 10,000 شخص في صلاة الجمعة طوال الشهر تحت ذرائع “أمنية”، ويقتصر الدخول على الرجال فوق 55 عامًا، والنساء فوق 50 عامًا، والأطفال دون 12 عامًا برفقة أحد الأقارب.
كما شهدت الفترة التي سبقت الشهر الكريم تصعيدًا في وتيرة الاقتحامات للمسجد الأقصى، بلغت ذروتها باعتقال أحد الأئمة وتنفيذ الشرطة الإسرائيلية مداهمة أثناء صلاة التراويح في الليلة الأولى من رمضان.
في الوقت نفسه، نشهد ضغوطًا صهيونية متجددة لفرض التقسيم المكاني. قبل إغلاق المسجد، أفادت التقارير بأن السلطات الإسرائيلية اقتحمت مواقع تابعة للأوقاف ومنعت إعادة تركيب الأقفال، مع التركيز بشكل خاص على مبنى دار الحديث الشريف شمال مصلى باب الرحمة، علمًا بأن محاولة سابقة للاحتلال لفصل هذه المنطقة عن المسجد كانت قد أدت إلى موجة من الاضطرابات في عام 2019.
والآن، بالإضافة إلى حظر العبادة وتهديد المسلمين أثناء ممارسة شعائرهم، فإن التعديلات التشريعية المقترحة قد تمنح المؤسسة الحاخامية الإسرائيلية سيطرة أكبر على المسجد الأقصى.
وتزداد حدة مضايقات الشرطة للمصلين، حيث تسير الدوريات المسلحة وسط صفوف المصلين، وتنفذ عمليات اعتقال وتفتيش بشكل روتيني. ويحرض المستوطنون علنا ضد الأقصى ويطالبون بإغلاقه نهائيًا أمام المسلمين.
إن إغلاق المسجد الأقصى بذريعة الحرب ليس سوى تتويج لسلسلة من إجراءات التهويد، ونتاج توافق كامل بين المستوطنين وحكومتهم، وليس نابعًا من أي مخاوف مزعومة بشأن سلامة الفلسطينيين. لقد كان هدفًا مخططًا له مسبقًا، وتم تنفيذه مع بداية الهجوم على إيران.
وبناءً على ذلك، يعدّ إغلاق الأقصى “عملًا حربيًا” نُفذ بأدوات ناعمة، ويجب مواجهته وإفشاله بكل الوسائل الممكنة.
المصدر: ميدل إيست آي
